من معالم المنهج السلفي (2) د. محمد أبو الفتح

– المعلم الثاني: العناية بتصحيح العقيدة
لقد باتت العناية بالعقيدة مَعْلَماً بارزاً من معالم المنهج السلفيّ، وهذا المعلم أعمّ من الذي قبله (العناية بالدعوة إلى التوحيد…)، وما ذلك إلا لوعي السلف رحمهم الله بأنّ الأصل في الاستقامة ومبدؤها هو استقامة القلب؛ فهو ملك البدن وسلطانه، والجوارح جنده ورعيته، تستقيم باستقامته، وتنحرف بانحرافه، قال صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ» (متفق عليه)، فلا يمكن للأعمال أن تستقيم حتى تستقيم القلوب، وهل يستقيم الظِلُّ والعودُ أعوج؟!
قال ابن رجب رحمه الله: «…لِهَذَا يُقَالُ: الْقَلْبُ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ جُنُودُهُ، وَهُمْ مَعَ هَذَا جُنُودٌ طَائِعُونَ لَهُ، مُنْبَعِثُونَ فِي طَاعَتِهِ، وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، لَا يُخَالِفُونَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ صَالِحاً كَانَتْ هَذِهِ الْجُنُودُ صَالِحَةً، وَإِنْ كَانَ فَاسِداً كَانَتْ جُنُودُهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَاسِدَةً، وَلَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْقَلْبُ السَّلِيمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]»(*)، أي: سليمٍ من الشبهات والشهوات، ولا يتحقق ذلك إلا بسلامته من الشرك، ومن البدع العقدية، ولهذا اعتنى سلفنا الصالح بالتأليف في أبواب المعتقد منذ فجر الإسلام، تأليفا عاما وخاصا، فأما التأليف العام فما عقدوه ضمن مصنفاتهم الحديثية من كتب لها صلة بالمعتقد تتضمن تقرير عقيدة أهل السنة، والرد على من خالفهم من أهل البدعة والفرقة، ومن ذلك على سبيل المثال في صحيح البخاري كتب: الإيمان، وأخبار الآحاد، والاعتصام، والتوحيد…، وفي صحيح مسلم كتب: الإيمان، والإمارة، وفضائل الصحابة، والقدر…
وأما التأليف الخاص فكتب سطروها لبيان معتقد أهل السنة، أو للرد على من خالفهم، وهي مؤلفات كثيرة، في عصور مختلفة، لا يكاد يحصيها العد، بعضها باسم السنة، مثل «أصول السنة» للإمام أحمد بن حنبل، و«السنة» لابنه عبد الله، ولتلميذيه الخلال وأبي داود السجستاني، ولابن أبي عاصم، و«شرح السنة» للمزني، وللبربهاري، و«شرح أصول السنة» لابن أبي زمنين…، وبعضها باسم الإيمان، مثل «الإيمان» لأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ولابن أبي عمر العدني…، وبعضها بأسماء مختلفة، مثل «التوحيد» لابن خزيمة، و«الشريعة» للآجري، و«الإبانة» لابن بطة…، وبعضها ردود، مثل «الرد على الجهمية والزنادقة» لأحمد بن حنبل، و«الرد على الجهمية» للدارمي، ولابن منده، وكتاب «الإمامة والرد على الرافضة» لأبي نعيم الأصبهاني…
وقد حذا حذو السلف الصالح في العناية بالمعتقد من جاء بعدهم ممن اتبع سبيلهم إلى زماننا، فترى أتباع منهج السلف، ودعاة الدعوة السلفية المباركة لا يملون من شرح كتب الاعتقاد المختصرة وبيانها للناس، على اختلاف المذاهب الفقهية التي ينتسب إليها مؤلفوها، سواءً بتأليف شروح مطبوعة، أم بتسجيل دروس مرئية أو مسموعة، لمختصرات عقدية على اختلاف المذاهب الفقهية التي ينتمي إليها مصنّفوها، وذلك مثل «الطحاوية» لأبي جعفر الطحاوي الحنفي (312 هـ)، و«مقدمة الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني المالكي (386 هـ)، و«شرح السنة» للمزني الشافعي (264 هـ)، و«الواسطية» لابن تيمية الحراني الحنبلي (728 هـ)…
فهذه العناية بشرح ما كتبه السلف في المعتقد تجدها غائبة عند غير السلفيين من أصحاب المناهج الخلفية، فانظر هل تجد لأحدهم شرحا لمختصر من المختصرات السابق ذكرها، ثم تَطَلّب تلك الشروح عند أتباع الدعوة السلفية، تجد ما يعسر عليك حصره، فدونك البحر فاغترف…
وسبب عدم العناية بالعقيدة عند بعض الجماعات المعاصرة هو حرصهم على تجميع الناس حول جماعتهم، وتكثير سوادها باستقطاب أتباع كل ملة ونحلة، متوسعين في تطبيق قاعدة: «يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه» على أوسع نطاق، لتتجاوز ما يُعذر فيه بالخلاف إلى ما أجمع السلف على عدم التسامح فيه… وقد تجاوز بعضهم منزلة إهمال المعتقد إلى منزلة صدّ الناس عن تراث السلف، ووصف كتبهم بالكتب الصفراء تزهيدا فيها، واستخفافا بمؤلفيها، وقد بلغ الحد ببعضهم إلى اعتبار العقيدة تعقيدا للدين، وتفريقا لكلمة المسلمين… فقالوا بذلك في العقيدة مثل قولهم في التوحيد، وفاتهم أنّ «كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة»، وأن جمع الناس إنما يكون على المعتقد الصحيح لا على عصبية حزبية، تحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى، فمن المعلوم أن اجتماع الناس لا بد له من أساس يقوم عليه صرح بنيانه، ومِنْ سِلْكٍ تنتظم فيه خرزاتُ وحَبَّاتُ عِقْدِه، ولولا ذلك لانهدم بناؤه، ولانفرط عِقْدُه، فإن لم يكن هذا الأساس المتين وذلك السلك الناظم هو العقيدة الصحيحة لم تبق إلا الحزبية المقيتة، وقد عُلِم أنها -أعني الحزبية-«كالميزاب، تجمع الماء كَدَراً، وتُفَرِّقُهُ هَدَراً».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-(*) جامع العلوم والحكم 1/210.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *