شرح منظومة العلامة القاضي محمد أبي بكر القيسي الغرناطي التي سماها «نيل المنى في نظم الموافقات» للإمام الشاطبي -رحمه الله- الشيخ مولود السريري

 

ومنـه أخـذ العلـم في أحكــام          من المـرائـي حالـة المنــام

إذ أصلهـا ليس بـذي اعتبـار                  فيما سوى التبشير والإنذار

ومنه الاختلاف في حكم ولا          يفيـد الاختـلاف فيـه عمـلا

ومنـه الاستشهـاد بالأشعــار          في معنى كما ……………

«ومنه» أي ما يجري مثالا في هذا القسم -وهذا هو المثال الرابع- «أخذ العلم في أحكام» يعني بأحكام -فالباء هنا بمعنى في- معينة «من المرائي» هكذا في النسخ التي بأيدينا، ولعله يريد به مراء جمع مرئي ويعني به ما يراه النائم في نومه؛ ثم يقول «حالة المنام»، وكثير من الناس يستدلون على المسائل العلمية بالمنامات، وما يتلقى منها تصريحا، والمسائل العلمية المبنية على ذلك لا مبالاة بها عند أهل العلم.
«إذ أصلها» الذي هو الرؤيا «ليس» في الشريعة «بذي اعتبار» في شأن المسائل العلمية على الإطلاق، بل ليس معتبرا «فيما» يؤخذ من الشرع من فوائد «سوى التبشير» بأمر يسر «والإنذار» والتخويف من أمر مهلك أو مضر.
وقول الناظم «من المرائي حالة المنام» يكون أبين منه وأفضل لو قال «من الرؤى في حالة المنام» فإن الرؤيا تجمع على الرؤى، وإن أنكره الليث، كما نص على ذلك أهل هذا الفن -اللغة-.
«ومنه» أي ما هو مثال في هذا القسم -وهو المثال الخامس- «الاختلاف» الذي يقع بين أهل العلم «في حكم» مسألة ما «ولا يفيد الاختلاف» الواقع «فيه عملا» وإنما هو خلاف لفظي، كما في مسألة اشتقاق الفعل من المصدر، ومسألة ترادف الفساد والبطلان، ومسألة ترادف الواجب والفرض، ومسألة أصل لفظة أشياء؛ فهذا ونحوه وإن انبنى البحث فيه على أصول مطردة، فإنه لا فائدة تجتنى من ثمرة الاختلاف فيه، وبذلك فهو خارج عن صلب العلم.
«ومنه» أي ومما هو مثال آخر في هذا القسم -ملح العلم- وهو المثال السادس «الاستشهاد بالأشعار في» تحقيق «معنى» من المعاني العلمية أو العملية «كما» يجري

……………………………..      …….. في الوعظ والتصوف

إذ شـأنـهــا إمـالــة القــلــوب         وردهــا للغـرض المطـلــوب

ومنـه أن يثبـت المعـنـى بمــا        يفعـلــه مـن بالصـلاح وسمــا

من جهة التحسين للظن فقــط        مجردا عن كل شرط مشترط

ومنه الاستـدلال في الأعمـال        بمـا يـقـولــه أولــو الأحـــوال

فهو وإن صح لهم عند النظر         غير منـاسب لجمهـور البشـر

فالشرع حاكم على الجمهـور         بالمـتـوسـطــات فـي الأمــور

«في» كلام أهل «الوعظ و» أهل «التصوف» إذ يوردون ذلك كثيرا في كتبهم وفي بيان مقامهم، فينتزعون معاني الأشعار ويضعونها للتخلق بمقتضاها.
«إذ شأنها» أي الأشعار الرقيقة «إمالة القلوب» وجذبها «وردها للغرض المطلوب» أن ترد وتصرف إليه؛ وفي واقع الأمر المعنى إذا كان مقبولا شرعا فإنه مقبول، وإن كان خلاف ذلك فهو مطروح على كل حال.
«ومنه» أي ما ذكر مما يجري مثالا في هذا القسم -وهو المثال السابع-: «أن يثبت المعنى» الذي يراد إثباته وهو الحكم بصحته «بما يفعله من» وصف «بالصلاح» «وسما» أي وصف وعرف، وأشير إليه به.
وذلك «من جهة التحسين للظن» به «فقط» حال كونه «مجردا عن كل شرط» آخر «مشترط» في هذا الشأن، ويبنى عليه هذا الاستدلال كأن يتخطى هذا الشرط -وهو تحسين الظن- فيعتقد أن كل ما يصدر عن أهل الصلاح حق، وأن الاقتداء بهم يعصم من الخطأ، فهذا مطروح وغير صحيح.
«ومنه» أي ما يجري مثالا -أيضا- هنا، وهو المثال الثامن «الاستدلال في» أحكام «الأعمال» أي أفعال المكلفين «بما يقوله» ويعمل به «أولو» أرباب «الأحوال» وهم الصوفية الذين أوغلوا في خدمة مولاهم حتى أعرضوا عن غيره جملة، فمال بهم هذا الطرف إلى أن تكلموا بلسان الإطراح لكل ما سوى الله تعالى، وأعربوا عن مقتضاه، فكان ذلك أمرا يخص بهم.
«فهو وإن صح لهم عند النظر» إلى ما تقدم ذكره من أن ذلك كان عن الإيغال في خدمة المولى سبحانه، ثم الإطراح لما سواه في الاعتبار، «غير مناسب لجمهور البشر» لما فيه من الحرج أو التكليف بما لا يطاق، إذ ربما يذم أرباب الأحوال هؤلاء بإطلاق ما ليس مذموما إلا على وجه دون وجه، وفي حال دون حال؛ والإسلام جاء بما يليق بالجمهور لا بما يليق ببعض الناس الذين هم على حال مخصوصة.
ولذلك «فالشرع حاكم على الجمهور بالمتوسطات في الأمور» التي حكم بها، فالتكاليف الشرعية كلها جارية على الحد الأوسط، فإن مالت بالمكلف إلى حد الطرف فإنما يكون ذلك لكي تنقل المكلف من الطرف الآخر إلى الوسط، وهذا يأتي الكلام عليه مبسوطا في كتاب المقاصد في المسألة الثانية عشرة قبل النوع الرابع.
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *