وقفات تربوية مع بعض الوصايا النبوية -الحلقة التاسعة- ذ. محمد الدرداري

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا”(1).
إن من آداب الإسلام الفاضلة وأخلاقه الكريمة، المصافحة عند اللقاء، فهي تعبير عن المحبة الخالصة والمودة الراسخة بين المتصافحين، ومن أجل ذلك حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم وداوم عليها الصحابة الكرام، فعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: “قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ”(2).
والمتأمل في الحديث أعلاه يجد بأن النبي صلى الله عليه وسلم يبين ما للمصافحة من فضل عظيم وأجر كبير إذ بها تغفر الذنوب وتكفر الخطايا يؤيد ذلك حديث حذيفة مرفوعا: “إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر”(3).
وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما، كما يتحات الورق اليابس من الشجر في يوم عاصف، وإلا غفر لهما وإن كانت ذنوبهما مثل زبد البحر”(4).
والمصافحة بالإضافة إلى كونها مكفرة عن صاحبيها فهي باب لتطهير القلوب ومدخل لتزكية النفوس لما ورد في الحديث: “تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء”(5)، وهي معنى من معاني الاحسان والبر.
وللمصافحة بالإضافة إلى ما مر أثر عظيم في إشاعة المحبة بين الخلائق فاذا كان نيبنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: “أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”(6).
فإذا كان إفشاء السلام موجبا لحصول المحبة فمن باب أولى أن تتحقق المحبة والمودة إذا اقترن السلام المجرد بالتحام الأكف، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا جاحد.
ومما يجدر التنبيه إليه أن المصافحة المقصودة في الحديث هي مصافحة الرجل للرجل أو ما يدخل في حكمها أما مصافحة الرجال للنساء فمنهي عنها لحديث عائشة: “والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: “قد بايعتكن” كلاما(7).
ويستثنى من هذا التحريم ما إذا كان الرجل من محارم المرأة فلا بأس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سنن ابن ماجة، باب المصافحة، حديث رقم: 3703.
2- صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب المصافحة، حديث رقم: 6263.
3- المعجم الأوسط، الطبراني، باب من اسمه أحمد، حديث رقم: 245، ج. 1، ص: 84.
4- شعب الإيمان، البيهقي، فصل في المصافحة والمعانقة، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض، تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الطبعة الأولى، 1423هـ/2003م، حديث رقم: 8545، ج. 11، ص: 285.
5- الموطأ، مالك بن أنس، باب ما جاء في الهجر، حديث رقم: 1896.
6- صحيح مسلم كتاب الإيمان، بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا، حديث رقم: 93.
7- صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، حديث رقم: 1866.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *