القرآن الكريم ليس سوى إفرازا ثقافيا لمرحلة معينة انتهت وانقضت..!!
والحديث النبوي لم تعرف له سلطة إلا مع ظهور الأصوليين وصراع أيديولوجي خاص من أجل فرض السيطرة السياسية.. !!
أما النبوة فهي لا تتطلب ذهنا كاملا بل خيالا خصبا فقط..!!
والبخاري ومسلم وغيرهم وضعوا أحاديث مكذوبة خدمة للحكام.. !!
أما الفتوحات الإسلامية فلم تخلِّف سوى القلاقل والصراعات والهدف وراءها كان هو الجنس والمال.. !!
ورسائل النبي محمد كانت رسائل إرهابية.. !!
والنقاب أمر استفزازي يشوه معالم الحضارات.. !!
أما الأخلاق فهي متغيرة ولا تعرف الثبات.. !!
هذه جملة من أقوال العلمانيين التي يقذفون بها في المجال الإعلامي، والحقل والمعرفي.. !!
يكررونها ولا يملون من ذلك، عسى أن يجدوا من يقتنع بما يقولون.. !!
في هذا الحوار، الذي ننشره في حلقات، سنناقش مع الدكتور البشير عصام، الباحث في المسائل الشرعية والقضايا الفكرية، مرجعيةَ أصحاب هذه المقولات، ونظرَتَهم لنصوص الوحي، والأدوات التي يوظفونها لتدنيس المقدس، ومآل الإسلام أيضا في القراءة العلمانية الحديثة.. كما سنتطرق لخصائصِ وسماتِ النصوص الشرعية ومَن هو المؤهَّلُ لفهم هذه النصوص والحديث عنها.
– بالأمس القريب هاجمت -في المغرب- خديجة البيطار صحيح البخاري وألفت كتابها “في نقد البخاري”، وطعن بعدها مصطفى بوهندي في كتب السنة ودعا إلى تنقيتها من الإسرائيليات، كما هاجم الصحابيَّ الجليل المكثر من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألف كتابا سماه “أكثر أبو هريرة”. وقبلهما ألف نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي.. وغيرهم، وادعوا أن تأسيس سلطة الحديث جاءت مع الأصوليين نتيجة صراع أيديولوجي خاص، ومن أجل فرض السيطرة السياسية.. وقالوا أن تفكيك سلطة النص لا يتم إلا بإلغاء مبدأ العصمة، فكيف تفسرون هذا الهجوم العنيف على السنة وكتبها وروات الحديث تحديدا؟
هذا ليس جديدا!
منذ القرون الأولى، كان المبتدعة -باستثناء الغلاة الذين يلفظهم العامة ولا يجدون عندهم أدنى قبول- لا يجرؤون على نقد القرآن، لخشيتهم من سطوة العوام؛ ويفرّون إلى نقد السنة النبوية وردّها.
وكان علماء أهل السنة، يفهمون هذا “التكتيك” حق الفهم، فيأمرون الطلبة وعموم أهل السنة بالاعتماد على السنن والأحاديث في مناظرة هؤلاء المبتدعة، حتى سمّوا أهل الحديث، لاعتمادهم على السنة في فهم القرآن، وترجيح بعض ما يحتمله لفظه على بعضه الآخر.
الحق أن جرأة المبتدعة قديما، وجرأة هذه الطائفة حديثا، لها سببان:
o الأول: إشكالية الثبوت في السنة النبوية، بخلاف القرآن. وهي عندنا –كغيرها من الإشكاليات العلمية- إشكالية محلولة في إطارها العلمي الخالص، وذلك من خلال علوم الحديث كالمصطلح والجرح والتعديل والعلل. أما هؤلاء فيثيرون الإشكال، ولا يتكلفون عناء بحثه وفق منهج علمي منضبط، بل يكتفون إما بالرد المطلق، أو بالرد غير المنضبط (أي: الرد بحسب أهواء العقول فقط).
o الثاني: إشكالية الدلالة في القرآن، وهي التي ورد التعبير عنها في بعض الآثار بأنه “حمال أوجه”، والمقصود أن السنة مفسرة للقرآن، وفيها بيان مجمله، وإيضاح مشكله، وتقييد مطلقه. فسلطة الحديث –إن صح هذا التعبير– لم تأت من صراع إيديولوجي كما يقال، بل من حاجة معرفية، هي وجوب تكميل فهم القرآن بالحديث، الذي هو وحي كوحي القرآن، مع الفروق المعروفة بين الوحيين.
ومما يدل على عدم براءة هذه الحملة العصرية على السنة، وعدم تجردها للحق، أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء الدراسة المتعمقة لعلم المصطلح والجرح والتعديل والعلل، التي فيها الجواب العلمي منذ قرون على إشكالية الثبوت. فإذا كنت أمام معضلة علمية، وأخبرك آلاف المتخصصين عبر قرون مديدة بأن لديهم حلها، فإنك تبادر -إذا كنت متجردا للحق، متبعا لمنهج علمي سليم- إلى النظر في هذا الحل المقترح، وتدبّرِه واتهام فهمك القاصر؛ لا أن تبدأ من نقطة الصفر، ملغيا جهود من سبقك!
– فيما يخص بعض الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم والتي يهاجمها العلمانيون بقوة بسبب مخالفتها عقولَهم أو مواثيقَ حقوق الإنسان الغربية، كيف تقيمون هذا الحكم على الأحاديث النبوية الشريفة ونصوص الوحي عموما؟
القضية في الحقيقة ليست مرتبطة بالعقل، خلافا لبعض المبتدعة المتقدمين!
بل القضية أنهم ينطلقون من أصول فكرية راسخة هي الحق المطلق لديهم (أصول: العلمانية والحداثة والديمقراطية والحرية وغيرها، كما استقرت مفاهيمها في الثقافة الغربية المهيمنة)؛ وكل ما خالفها فينبغي أن يكون باطلا!
فلديهم إذن مرجعية متجاوِزة، هي الحداثة (أو ما بعد الحداثة بسيولتها المسيطرة على الحياة كلها)، ولديهم أيضا إلى جانب هذه المرجعية “مزاج علماني” متحكم في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع.
وهم يحتاجون في إطار اتباعهم لهذه المرجعية وانضباطهم بهذا المزاج، إلى رد بض النصوص وتحريف بعضها الآخر، وذلك وفق منهج غير منضبط، وليست له قواعد واضحة.
أما علماء الأمة -ونحن نرجو أن نكون متابعين لهم في ذلك-، فيسلّمون ابتداء بكل ما ثبت كونه من الشرع، ويجعلون ذلك مرجعيتهم الأولى والأخيرة. ومنهجهم المعرفي مبني على محورَي معايير الثبوت (علوم الحديث) وضوابط الاستدلال (علم أصول الفقه)، وهما محوران منطلقان من تجرد تام عن أية خلفية فكرية. فهم يسيرون خلف النصوص الثابتة حيث قادتهم، بمنهج الاستنباط المنضبط المؤصل.
هذا هو الفرق الجوهري بيننا وبينهم!
– يجرنا الكلام هنا للحديث عن الفرق بين الإكليروس أو نظام الكهنوت عند النصارى وطبقة العلماء (محدثين فقهاء..) عند المسلمين، ما الفرق بينهما؟ خاصة وأنه يتم التشبيه بينهما في كثير من المنابر الإعلامية..
أخطر العقد النفسية ما يسري من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، خاصة من الغالب للمغلوب، كما نبه على ذلك علماء الاجتماع وعلى رأسهم ابن خلدون.
ومن العقد المنتشرة عند نخَبنا المعلمنة، كراهة علماء الدين، والحساسية المفرطة تجاه دورهم في الدولة والمجتمع. وهي عقدة سَرَت إليهم من أوروبا، من آثار صراع حركة التنوير ضد الكنيسة.
العلماء عندنا لا يملكون تحليلا ولا تحريما، وإنما هي قضية تخصص يمكنني شرحها كالآتي: (ديننا مرتبط بالنصوص لا بالأشخاص؛ والأخذ من النصوص قضية علمية تدخل فيها مباحث عقلية ولغوية؛ وكل قضية علمية تفرض ألا يتحدث فيها إلا العالم المتخصص). هذا العالم المتخصص هو الذي يسمى في الاصطلاح الشرعي: “العالم”، وهو الذي يسميه هؤلاء: “رجل الدين” إحالة منهم على السياق المفاهيمي الغربي.
أما عندهم –أي عند النصارى- فليس الأمر مبنيا على النصوص القديمة، ولكن الكنيسة نفسها هي التي كانت تقرر ما هو مباح وما هو ممنوع، بقطع النظر عن النصوص؛ وذلك بعد أن مرّ علم اللاهوت النصراني بمراحل تطورية طويلة، جذّرت هذا المعنى.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). وروى أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه– أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتلو هذه الآية، فقال: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.
هكذا كان رجال الدين (الأحبار والرهبان) يفعلون! وهو الفعل الذي أنكره الإسلام وأبطله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحث في المسائل الشرعية والقضايا الفكرية.