مضايا السورية حينما كشفت الكذابين!

«مضايا»، بلدة سورية صغيرة تتبع مدينة الزبداني، ولهذه البلدة الصغيرة ملمح مهم يخصها في تاريخ الثورة السورية، وهو أنها عقب اندلاع الثورة السورية، انتفضت ضد حكم الديكتاتور بشار، فكانت أول بلدة تنادي صراحة بإسقاط النظام البعثي الحاكم، ولم ينس لها نظام بشار القمعي التسلطي هذا الموقف الثوري أبدًا، إنما يعاقبها عليه كل يوم بل كل ساعة، فدمرتها طائرات النظام وبراميله المتفجرة.
وحينما تدخل «حزب الله» في الأزمة السورية، كانت له مواقف سوداء في حصار الزبداني وفي حصار «مضايا» بشكل أشد، وحاصرتها معه قوات إيران. وهكذا كان حصار «مضايا» كاشفًا للدجالين الذين رفعوا شعار «الممانعة» وقيادة مشروع «المقاومة» ضد بني صهيون، ومواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، كما كان حصار هذه البلدة الصغيرة كاشفًا وفاضحًا لنظام الملالي في إيران، الذي صدّع رءوسنا بأهمية تحرير القدس، وضرورة مواجهة المشروع الصليبي الصهيوني.
ويأبى الله إلا أن يفضح الكذابين والمنافقين والمخادعين، هؤلاء الذين يرفعون شعارات الإسلام.. وما كان الإسلام إلا رحمة، فلو كان «أهل مضايا» كفارًا محاربين، ما جاز أن يحاصر المدنيون والنساء والأطفال ويمنع عنهم الطعام والغذاء حتى يموتوا جوعًا ومرضًا، وإنما الحرب في الإسلام تستهدف الرجال المسلحين، فما بالنا وأهل «مضايا» من المسلمين الموحدين، لكن للأسف الطائفية الصفوية لا تراهم إلا من أهل السنة الذين لا بأس بتجويعهم وقتلهم.
وقد أفصح القتلة العلويون والصفويون عن عارهم بشكل واضح وفج وهم يشترطون لإطعام الأطفال والنساء والشيوخ أن يخرجوا من ديارهم، في عملية تطهير طائفي خسيسة، لا تقل خسة عن دفاعهم المستميت عن حاكم ديكتاتور ينتمي لأقلية حكمت الغالبية بالحديد والنار، وتريد السير في ذلك الطريق المعوج بأي ثمن.
العلويون والصفويون المحاصرون لبلدة «مضايا» يبررون جريمتهم بأن الجماعات المسلحة هي التي تأخذ السكان رهينة، وكأن المطلوب هو تسليم الرجال مقابل السماح بمرور الخبز للنساء والأطفال، وطبعًا بخروج الرجال من «مضايا» سوف يسيطر على البلدة الحرس الثوري وأذنابه من عناصر «حزب الله».
لم يعد خافيًا أن الحرب في سوريا تحولت إلى عمليات تغيير ديموغرافي ممنهجة، تتضمن جعل أهل السنة أقلية، والضغط عليهم حتى يهاجروا خارج البلاد، لكي يتسلم سوريا العلويون والصفويون ويضموها إلى «الهلال الشيعي» الذي أعلنوا عنه منذ سنوات طويلة.
«مضايا» فضحت حسن نصر الله ونسفت كل تاريخه الخطابي وهو يتحدث عن «المقاومة والممانعة»، فضحه بكاء الأطفال من وطأة الجوع، وفضحت «مضايا» أيضًا الكذب الإيراني الذي يتحدث عن مواجهة الصهاينة والأمريكان، فضحتهم صور الأطفال والشيوخ الذين أصبحوا عظامًا يغطيها الجلد.
لكن «مضايا» فضحت أيضًا الجامعة العربية، وقد كان يمكنها فعل أي شيء لإنقاذ المدنيين من الهلاك، وكان بإمكانها تسيير طائرات تقذف بالغذاء والدواء إلى الجوعى والمرضى، وفضحت «مضايا» كذلك النظام السوري ومؤيديه، الذين سخروا -عبر مواقع التواصل الاجتماعي- من مأساة البلدة المحاصرة، بنشر صور لولائم من الطعام، مزيلة بهاشتاج بعنوان «متضامن_مع_حصار_مضايا»، في تهكم منهم على سكان المدينة المحاصرة.
وفضحت «مضايا» كذلك الولايات المتحدة وأوروبا، التي تتحدث باستمرار عن حقوق الإنسان وعن حماية المدنيين، وما فعلوا شيئًا سوى أن توسلوا للمجرمين بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية، ولم نر اجتماعات لمجلس الأمن ولا قرارات تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وأثبتت «مضايا» أن نظام بشار ومعه إيران و»حزب الله» يعملون ضمن مشروع نتنياهو وبوتين، اللذين رسما فصول الصراع في سوريا عبر الضغط لمنع السلاح النوعي عن الثوار كي تتواصل المأساة.
حينما انتشرت أخبار «مضايا» عبر وسائل الإعلام، سارع «حزب الله» بإصدار بيان مرتبك يؤكد دور الحزب في حصار البلدة السورية، قال فيه إن مسلحي المعارضة هم من يمنع دخول المساعدات إلى الأهالي! وفي اليوم الذي قال الحزب فيه ذلك، أصدرت الحكومة السورية بيانًا أبدت فيه استعدادًا لإدخال المساعدات، وهو ما يعني أن الطرف الذي كان يمنع إدخال المساعدات أبدى استعدادًا لإدخالها بعد ضغوط مارستها الأمم المتحدة.
الحزب يكذب ويقول إن الحملة عليه في «مضايا» تتولاها وسائل إعلام معروفة الولاء لخصومه المذهبيين، وهو بذلك يتجاهل حقيقة أن وسائل إعلام عالمية هي من نقل أخبار حصاره البلدة، وبعضها يعمل في مناطق سيطرة النظام السوري.
إن ما تعيشه «مضايا» لم تعشه غزة نفسُها، فرغم مرور أكثر من 8 سنوات من حصارها، لكن ثمة شاحناتُ مؤنٍ تدخل بانتظام من أحد المعابر الصهيونية لسدّ رمق قرابة مليونيْ فلسطيني، ولم نرَ في القطاع أشباحًا ولا هياكل عظمية أنهكها الجوع، ولكننا رأيناها في «مضايا»، وقبلها في مخيّم اليرموك.
وللأسف هذا دليل على أن الصهاينة المجرمين أكثر إنسانية من النظام السوري والمدافعين عنه من «الحرس الثوري» و»حزب الله»، فالأطراف الثلاثة مسئولون عما يقع، فهم الذين يحاصرون البلدة منذ سبعة أشهر، ويريدون إسقاطها بأية وسيلة، ولو تعلقت بحصار 40 ألفًا من سكانها وتجويعهم ودفعهم إلى أكل الكلاب والقطط والعشب وأوراق الشجر لسدّ رمقهم، ما يمكن أن يُدرَج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
إن هذه الأطراف الطائفية الثلاثة يزعمون أنهم ينتصرون لعلي والحسين وأهل البيت، ينتصرون لصحابة رسول الله عبر إشعال الأحقاد الطائفية والثارات القديمة في أمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما ينتصرون للصحابة الكرام بدفع المسلمين المدنيين العزل لشواء القطط وأكل الحشائش حتى لا يموتوا، ونسي هؤلاء الذين يدعون الانتصار للصحابة الكرام قول الله تعالى: [ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا].
إن المؤكد أن منطقة القلمون الغربي برمتها تقع تحت الإمرة والسيطرة العسكرية الكاملة لـ»حزب الله» بدعم من الفرقة الرابعة بالجيش السوري منذ سنتين تقريبًا، وتعد «مضايا» ملجأ للسكان الهاربين من المناطق المجاورة، يضافون جميعهم إلى حوالي عشرين ألف نسمة قدموا إليها منذ مايو ويونيو الماضيين مع اشتداد المعارك في بلدة الزبداني.
والمؤكد أيضًا الذي يعلمه العالم أجمع أن عدد المسلحين في البلدة لا يتعدى العشرات، وأن «حزب الله» يطوّق البلدة بالتزامن مع اندلاع معركة الزبداني في يوليو الماضي، مانعًا إدخال المواد الغذائية والإغاثية والطبية إليها، ومتخذًا منها رهينة للمساومة على الزبداني.
والمؤكد أيضًا الذي يعلمه العالم أجمع أن «حزب الله» قام بتلغيم «مضايا» بحوالي ستة آلاف لغم، أدت حتى الآن إلى وفاة حوالي 15 شخصًا، بالإضافة إلى حوالي 30 آخرين ماتوا من الجوع، كما إن «حزب الله» متهم بفتح سوق سوداء لبيع أملاك أهالي «مضايا» التي سلموها لمقاتلي الحزب لقاء بعض المواد الغذائية.
فهل مازال في الأمة مخدوعين بدعاية إيران ووكيلها في لبنان؟ هل مازال في الأمة مخدوعين بخطاب «الممانعة والمقاومة» الذي كثيرًا ما خدع الأمة وغشها حتى يداري مشروعه الطائفي، الذي كشفته «مضايا» وأخواتها في سوريا؟
السيد أبو داود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *