التعريف بالجمع بين الصحيحين لابي عبد الله الحُمَيْدِي (ت488ه) امحمد رحماني

التعريف بالمؤلِّف:

هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الحميدي الأزدي الأندلسي الميورقي الظاهري، أصله من قرطبة من ربض الرُّصافة[1] الإمام، القدوة، الأثري، المتقن، شيخ المحدثين[2]، ولد في جزيرة ميورقة بالأندلس وسمع من علماء بلده ورحل إلى الحجاز فتنقل بين مصر ومكة ودمشق وبغداد، أخذ عن أصبغ بن راشد وابن عبد البر والعذري والخطيب البغدادي وابن ماكولا وسعد الزنجاني وبن المسلمة ويحيى الواسطي وابن بشران وابن العزاب، ولازم ابن حزم الظاهري وأكثر عنه وروى كتبه[3]، وحدث عنه شيخاه الخطيب البغدادي وابن ماكولا، قال أبو علي [ وسمعت أبا بكر ابن الخاضبة يقول: ما سمعت الحميدي ذكر الدنيا قط][4] قال عنه يحيى بن ابراهيم السَّلَماسِي رواية عن أبيه [ لم تر عيناي مثل الحميدي في فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وكان ورعا تقيا، إماما في علم الحديث وعلله ورواته متحققا بعلم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة، فصيح العبارة، متبحرا في علم الأدب والعربية والترسل ][5] وقال عنه الضبي [ فقيه، عالم، محدث، عارف، حافظ، إمام، متقدم في الحفظ والإتقان ][6] وقال ابن عساكر [ كان الحميدي أوصى إلى الأجل مظفر ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر فخالف فرآه بعد مدة في النوم يعاتبه فنقله في صفر سنة إحدى وتسعين وكان كفنه جديدا وبدنه طريا يفوح منه رائحة الطيب ووقف كتبه ][7].

كان رحمه الله صاحب ورع وخشية وعفة قال الحسين بن محمد بن خسرو [جاء أبو بكر بن ميمون فدق الباب على الحميدي وظن أنه أذن له، فدخل فوجده مكشوف الفخذ فبكى الحميدي وقال: والله لقد نظرت إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت][8]

توفى رحمه الله ببغداد في ذي الحجة عام ثمانية وثمانين وأربعمائة (488 هـ).

التعريف بالكتاب:

لكتاب الحميدي نسخ مخطوطة كثيرة متناثرة في مكتبات العالم طبع منها على حد ما وصل إليه علمي:

  • طبعة دار الكمال المتحدة بدمشق، الطبعة الأولى (1437 هـ) تحقيق الفريق العلمي في دار الكمال المتحدة.
  • طبعة دار ابن حزم، الطبعة الثانية (1423 هـ / 2002م) بتحقيق الدكتور علي حسين البواب.
  • طبعة بتحقيق رفعت فوزي أشار إليها الشيخ عبد الله التليدي في كتابه “تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلمه” ولكني لم أقف عليه بعد بحث واسع.

وأحسن من تكلم عن الكتاب محقق طبعة دار ابن حزم الدكتور علي حسين البواب في مقدمة تحقيقه للكتاب لذلك سأنقل كلامه عنه هنا بتصرف واختصار، يقول [سعى الحميدي إلى جمع أحاديث الصحيحين في كتاب واحد مرتب على المسانيد بحيث يجمع أحاديث كل صحابي من الصحيحين في موضع واحد، وقد قسم المؤلف الكتاب خمسة أقسام:

القسم الأول: ذكر فيه مسانيد العشرة المبشرين بالجنة.

القسم الثاني: ذكر فيه مسانيد المقدمين بعد العشرة.

القسم الثالث: ذكر فيه مسانيد المكثرين من الصحابة.

القسم الرابع: ذكر فيه مسانيد المقلين من الصحابة.

القسم الخامس: ذكر فيه مسانيد النساء.

وداخل كل مسند من المسانيد السابقة يبدأ المؤلف بذكر ما اتفق عليه الإمامان ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم من ذلك المسند، ويعطي الحميدي لكل حديث رقما مسلسلا في القسم الخاص به من المسند، ويراعي في ترتيب الأحاديث أن يجمع أحاديث الراوي عن الصحابي في مكان واحد ويرتب الرواة عن الصحابي حسب مكانتهم، ويذكر أولا ما اتفق عليه الشيخان في الراوي عن الصحابي ثم بعده ما اتفق عليه الشيخان عن الصحابي مع اختلافهما في الراوي ويسميه [المتفق عليه من ترجمتين].

ومنهجه في الجمع جعله يحذف كثيرا من الأحاديث المكررة أو المتقاربة الألفاظ والتي لم ير فيها زيادة تستحق التنبيه ، وقام بجمع الأحاديث الطويلة جدا في مكان واحد كحديث السقيفة وحديث اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه وحديث جابر والجمل وحديث عائشة في الحج والحيضة وحديث الإفك وحديث الهجرة ، وكان ينبه على الأحاديث المسندة والمعلقة والمرسلة وغير ذلك ، وكان يتصرف في أسماء الأعلام فيتم المختصر ويذكر غير المذكور ويوضخ المبهم منها ] ولكثير من أهل العلم مؤاخذات وملاحظات وتعقيبات بل وحتى استدراكات كما فعل الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي في استدراكه على جمع الحميدي سماه “الاستدراك على أحاديث الجمع بين الصحيحين لأبي عبد الله الحميدي” وهو مطبوع ومحقق طبعة وزارة الأوقاف الكويتية ( 1436 هـ / 2014 م ) تحقيق نور الدين بن محمد الحميدي الإدريسي ، وقد عقد المحقق علي حسين البواب في تحقيقه للجمع فصلا كاملا لبيان المآخذ على الحميدي في جمعه نلخصها في التالي :

  • أولا: عدم الدقة في تقسيم الكتاب إلى خمسة أقسام: فمن أصحاب القسم الرابع من يستحق أن يكون في القسم الثاني، وبعض من أصحاب القسم الثاني من يستحق أن يكون في القسم الرباع لقلة مروياته.
  • ثانيا: إيراده بعضا من الأحاديث على أنها لأحد الشيخين وهي عند الآخر.
  • ثالثا: نقده لروايات وزيادات صائبة لابن مسعود: قال المحقق في هذا الباب على سبيل المثال [قال: واخرج البخاري طرفا من حديث جويرية، زاد أبو مسعود: وإن رافعا … وقال: ولم أجد رواية جويرية هذه حيث ذكر – قال المحقق – وقد وجدت أنا هذه الرواية].
  • رابعا: غلطه في بعض الأعلام كـ عاصم بن محمد عن زيد عن نافع يقول عاصم بن محمد عن نافع وقد وضح الدكتور بتفصيل منهج الحميدي في الجمع بين الصحيحين واختصارنا هنا لكلامه لا يغني عن ضرورة الرجوع إليه في أصله.

وللباحث أبي عمرو عبد الكريم الحجوري دراسة من ثلاث وستين ورقة على ما وهم فيه الحميدي في جمعه في العزو سماه “رسالة الباب المفتوح على الجمع بين الصحيحين للحميدي ابن فتوح” ذكر فيها ما وقع للحميدي من وهم وغلط في العزو والجمع.

وللباحثين إبراهيم بركات وعيال عواد رسالة دكتوراه حول جمع الحميدي تحت عنوان “الإمام الحميدي ومنهجه في كتابه الجمع بين الصحيحين”.

ومع ما على جمع الحميدي من مآخذ وملاحظات فذلك لا يقلل من قدره وقيمته عند أهل الاختصاص حتى إن جلة من أهل العلم كانوا يحفظونه عن ظهر قلب كما يحفظون القرآن منهم الحافظ ابن راجح المقدسي والحافظ تقي الدين اليونيني وشيخ الإسلام ابن تيمية.

ويكفي شرفا لهذا الكتاب أن أهل العلم احتفوا به فهم منه بين شرح وتدريس وتلخيص وجمع وتعقيب واستدراك.

 

[1]  – الصلة (2 / 192).

[2]  – سير أعلام النبلاء (11 / 56).

[3]  – الصلة (2 / 192).

[4]  – الصلة (2 / 193).

[5]  – سير أعلام النبلاء (11 / 58).

[6]  – بغية الملتمس (1 / 161).

[7]  – سير أعلام النبلاء (11 / 59).

[8]  – سير أعلام النبلاء (11 / 58).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *