القرآن الكريم هو آخر كتاب أنزله الله سبحانه على البشرية يتضمن كلامه؛ وقد خاطب الله تعالى العقلَ الإنساني بالحجج والبراهين التي تثبت بأنه كلام الله، وبأنه لا يمكن أن يُفترى من دون الله.
وهذه البراهين ليست فقط من جهة فصاحته وبلاغته، أو نظمه وأسلوبه، أو إخباره بالغيب والمغيبات، ولا من جهة صرف الدواعي والمعارضات ..
بل هو آية ومعجزة ظاهرة، ودلالة باهرة وحجة قاهرة من وجوه متعددة:
من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته ..
ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، والغيب المستقبل، والمعاد ..
ومن جهة ما أخبر به عن حقيقة النفس الإنسانية، وطريقة التعامل معها، وحاجة الإنسان إلى تزكيتها، ومنهاج ووسائل تلك التزكية ..
ومن جهة إجابته على أسئلة الوجود الإنساني؛ إجابات منطقية معقولة تُطَمئن النفس وتَشفي الصدر من أمراض الحيرة والقلق والاضطراب ..
وغير ذلك مما يهدي فيه القرآن للتي هي أقوم، ويرشد إلى ما هو أصلح وأنفع؛ مما يؤكد أنه كلام خالق السماوات والأرض الخبير بكل ما فيهما: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]
فكل ما ذكره علماء القرآن والباحثون من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم؛ حجة على إعجازه، وفيما ذكروه تنوع هام؛ يعمق الحجة ويرسخ البرهان.
المعجزة الكبرى:
لذلك كله؛ كان القرآن العزيز أكبر وأهم المعجزات النبوية:
عن أبي هريرة مرفوعا: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر؛ وإنما كان الذي أوتيتُه وحيا أوحاه الله إلي؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»[1].
قال القرطبي رحمه الله[2]: “الأمة رضي الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل.
فنقل القرآنَ في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه؛ لكثرة العدد.
ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به.
ونظير ذلك من علم الدنيا: علمُ الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة والشام والعراق وخراسان والمدينة ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة.
فالقرآن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومعجزة كلى نبي انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغير، كالتوراة والإنجيل”.
القرآن يتحدى:
لقد تحدّى القرآنُ العظيم مَن رفض الإقرار بربانية مصدره؛ بأن يأتي بمثله أو مثل بعضه.
ومثل هذا التحدي هو أقرب الطرق للوصول مع المُنكِر إلى نتيجة؛ أن تقول له: أنت ترفض الإقرار بأن القرآن كلام الله وتدعي أنه كلام إنسان؛ فأتنا أنت أيها الإنسان بمثله؟؟
قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]
وقال سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 13، 14]
وقال عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]
وقال جل جلاله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 38 – 42]
قال الشيخ السفاريني[3]: “قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88].
وقال تعالى: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 33].
فتحدى الخلقَ بالإتيان بمثله.
فلما عجزوا عن الإتيان بمثله تحداهم بعشر سور؛ فقال جل شأنه: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13].
فلما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة واحدة؛ فقال تعالى: {قل فأتونا بسورة من مثله}.
أي من مثل القرآن العظيم؛ فعجزوا.
وفي قوله تعالى: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون – فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}؛ غاية التحدي والتبكيت، والرد عليهم والتنكيت؛ أي إن كانوا صادقين في زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تقَوّل القرآن العظيم، فليأتوا بحديث مثله.
فإنه إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قادرا على أن يتقوله كما يقدر الإنسان أن يتكلم بما يتكلم به من نظم ونثر؛ كان هذا ممكنا للناس الذين هم من جنسه، فيمكن للناس أن يأتوا بمثله.
قال جل شأنه: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 14]
وقال {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} [النساء: 166]
وقال: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} [يونس: 37]
أي: ما كان لأن يُفترى؛ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل هذا؛ فلم ينف مجرد فعله بل نفى احتمال فعله، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع بل يمتنع وقوعه؛ فيكون المعنى: لا يمكن، ولا يُحتمل، ولا يجوز أن يفترى هذا القرآن من دون الله، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق.
وليس في قدرة الخلق ولا طاقتهم، ولو بذلوا جهدهم بغاية ما يمكنهم، ولو مع تمام المشقة الحاصلة لهم؛ أن يستطيعوا الإتيان بأقصر سورة من القرآن.
لقد تحدى الديان أهل الفصاحة والبلاغة واللَّسن، وذوي الرزانة والدراية والفِطن، فاعترفوا بالعجز عن الإتيان بمثل أقصر سورة في القرآن.
هذا وهُم مصاقيع الكلام، وبلغاء النثر والنظام؛ فعدلوا عن مصاقعة اللسان إلى مقارعة السنان.
———————————
[1] رواه مسلم.
[2] تفسير القرطبي (1/ 72).
[3] لوامع الأنوار البهية (1/ 170) فما بعدها.