انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشار النار في الهشيم مجزوءة شريط فيديو من ثلاث دقائق وثواني معدودات، يوثق لإحدى خرجات السيد وزير العدل في حكومة السيد عزيز أخنوش، وما أكثرها من خرجات !
والحقيقة أنني تفاجأت كثيرا وكثيرا من المستوى الذي جاءت على منواله شاكلة تلاوة المقروء المقرر سلفا فيما يخص استراتيجيته ورؤيته الشاذة وتصوره غير اللائق للحريات الفردية، وإنّما كان مأخذ الغرابة أن الديدن المعهود من سيرة الرجل وهو يغرد مرتجلا كان ويكون ألحن بحجته من خصومه ومعارضي توجهاته، ولكنه هذه المرة وهو يتلو خطابه أبان عن تسفل كعب غريب التفاصيل، من هول الصدمة ذرعني المداد فطفقت كاتبا في غير شماتة في اسم ولا غمط لرسم…
كثيرة هي الأسئلة التي هجمت علي، بل هاجمتني في جفوة وأنا أستمع لنمذجة التهجي والتعتعة التي طبعت مداخلة الأستاذ المحامي، المترافع بلغة الضاد طبعا، الناجح في مجال تخصصه، المتميِّز ببدلته السوداء في مهنته، السيد وزير العدل الحالي في تشكيلة حكومة التاجر القاروني.
وقد خرج على قومه في زينته ليكلِّمهم في عوارض مشاريعه القانونية بخصوص دفاعه عن الحريات الفردية والتأصيل لها بالوضع والنقل وهو على رأس الوزارة الوصية على إقامة العدل بمملكتنا الآمنة المطمئنة، والحقيقة أن تكلّف العذر له بعدم عزو كتابة مضمون الرسالة الملقاة بمشقة بين يدي الحضور الحقوقي المدني إلى جنابه المحترم جدا، هو عذر أقبح من زلة تلك التعتعة التي تحتاج إلى تأمل ووقفات، ولست ها هنا أظن ولو على المرجوح أن للوزير في مقام الأجر والثواب أجري التلاوة والمشقة وهو يهمهم نابسا بالأدلة من القرآن التي ساقها بين يدي التسويغ لاختياراته الحقوقية، كما جاء في الرواية الصحيحة عن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وإنه لموقف مستغرب وأمر عُجاب قد لا نرى تفاصيله المُخجلة حتى في المستويات الدنيا من التعليم الابتدائي بمدارس مملكتنا العزيزة…
وإنْ أدري، فلست أدري كيف وأنّى لرجل يتتعتع في قراءة الدليل، يكاد العي يعقد لسانه، أن يستنبط ذلك الدليل في درجة أولى، وأن يقف على وجه الاستدلال به في درجة ثانية، وقد عُلم ما في الأمرين من دقة تمحيص، ودُربة اجتهاد، ومحنة سبر لِغَوْر سحيق المسالك.
فيا للأسف إن آلية الانتخاب في ظل التعديل الدستوري الذي قضى بالتنصيب البرلماني كشرط قبلي للتعيين الوزاري، قد أوصلت كسورا وكوارث بشرية إلى مناصب نخبوية، كانت لا تُنال ولا تلامس أردافُ النخبة الوازنة كراسيها إلا بعد الولوج في سمِّ الخياط، والمرور من مسام منخلة الابتلاء، إن هذا التعديل الذي تلا ذلك الضجيج الحقوقي والانتهاض الحزبي المنغوم التباكي قد حرم من منصب “وزير العدل” إمكانية تعيين القاضيَ المتميّزَ في مساره الدراسي والوظيفي، الصادق الأمين، الذي ينفذ الأحكام ويصدرها في حق المجرمين، وقطاع الطرق، واللصوص، والمترفين، باسم الله ثم باسم جلالة الملك، ليحل محله ويوضع مكانه المحامي الذي ميزته التحزب، والذي ديدنه الدفاع عن هؤلاء البُغاة وتبرئتهم وإخراجهم من دائرة الاتهام والإدانة إخراج الزغبة من العجين الفطير، حتى إذا لامس ردفه كرسي العدل أخذته العزة بالإثم، فانبرى طافقا يدافع عن كل كبيرة بطلاها خدن ومسافحة، وفاجر وفاجرة، ويشرعن ويسن من القوانين ما يحمي به ماخور الرذيلة، ويزجر به كلغيور يحب أن يتطهر ويزج بنوعه تحت طائلة تهمة الفضول، وجريمة اقتحام عقبة خصوصية الناس في أروقة المحاكم ومن ثم في غيابات السجون…
إن ما بدا مما خفي لينبئ بمستشرف أيام نحسات وسنوات عجاف، سيأكلن ما يقدم لهن من الباقيات الصالحات من أخلاقنا وأعرافنا وتقاليدنا المغربية الأصيلة، خاصة ما دار منها في فلك كلمتي “عيب وحرام”…نسأل الله العفو والمعافاة.
ويبقى أن نطرح سؤالا يفرض نفسه في هذا المقام بإلحاح وإصرار، ذاك السؤال الذي يستفسر عن الأسباب التي تجعل مسؤولا علمانيا يؤمن بالحداثة كحل لمشاكل الدنيا كلّها، ويدين لها بكل فضل وعدل، ويربط كل مصيبة وسقطة وتسفل وكارثة بالدين والأخلاق الفاضلة، قلت تجعله يفزع في سياق تمرير عوارض مشروعه اللاديني إلى سوق أدلة من القرآن والسنة والأثر خاصة ما تعلق منها باجتهادات سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليتسنى له في يسر إنفاذ مأساة اعتسافه على الأعناق والأرزاق والأعراض؟؟؟
والحقيقة أنني لا أملك إجابة، أو بالأحرى لا أفكر، ولا أروم التفكير في إجابة أخرى غير تلك الإجابة التي تنص وتقرر في يقين، يُحيل على أنه وعلى الرغم من عدم اقتناع الرجل العربي العلماني بكل ما هو شرعي أو شعائري، ومدافعته الشرسة في صلف وجفوة لكل ما فيه ريح إسلام، فهو مدفوع بالقسر إلى توظيف الرصيد النصي الديني لتمرير مشروعه العلماني في بيئة مسلمة صار نوعه، وبات جنسه، وأضحى هو يعرف أن أفكاره تلك لا يمكن أن تُقبل أو أن تنحني لها نواصي المواطنين المسلمين إلا بغطاء شرعي، ملفوفة في ثوب سندسي ديني خادع الظاهر.
إن هذه الخرجة (خرجة وزير العدل المغربي في حكومة السيد عزيز أخنوش) ومتابعتها الثقيلة الأنفاس، جرتني وذكرتني بما كان يحدث مع السيدة وزيرة الصحة، تلك المرأة الاستقلالية في حكومة “عباس الفاسي”، تحت قبة مجلس النواب، فلطالما كانت الأسئلة الشفوية للسادة النواب تحمل مضامينها أنينا وألما يشكوه عمار المستشفيات ومستوطنو الأسرّة البيضاء من أهل البلاء، وكثيرا ما تلقتها السيدة الوزيرة بما يطبعه الاستبهام والتغافل، وتعلو على مأساته ابتسامة موقعة في شبه سذاجة من لدن الوزيرة الاستقلالية، ولقد كنت أخال وأحسب في غير حاجة إلى استفسار أن الأستاذة الوزيرة هي خريجة كلية الطب، حتى تفاجأت يوما من أيام وجودها على رأس الوزارة الوصيّة على صحة المغاربة، أن السيدة الوزيرة هي خريجة كلية الحقوق، وحاصلة سنة 1990 على شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة.
والواقع أنني لم أجد إلى حدود كتابة هذه السطور، وقد مرّ على ذلك الاستوزار الخارم لأصول الحكمة، الناسف لضوابط المناسبة ما يزيد على العقدين، تبريرا شافيا ومسوّغا كافيا يجعل من المعقول ترك أحوال الصحة العمومية والخصوصية بيد سيدة محامية مهنتها سبر أغوار المساطر المدنية والجنائية، سيدة لا يسمح لها مسارها التعليمي ولا المهني بمسايرة ومجاراة وتدبير أزمة الصحة ببلادنا، والغريب المستغرب أنني لا أذكر يوما قد تم فيه الإشارة إلى هذا الفصام من طرف واحد من نواب الأمة المغربية.
ولك أن تقارن بين فترة استوزارها وما شابها من نكسات، وفترة انتداب الدكتور المحترم الجناب السيد “عبد الرحيم الهاروشي” رحمه الله وتقبل منه صالح ما قدّمه لمستوطني الأسرّة البيضاء من أهل البلوى بمملكتنا العزيزة، وهو للإشارة الوزير المعيِّن في غير انتماء لأي طيف سياسي أو المتلفع بعباءة أي لون حزبي، وإنّما السؤال في مقام هذه المقارنة كانت الإجابة عنه مستقاة مأخوذة من وضعية وأحوال المرضى في كلا الفترتين.
والأكيد أن ذكر قضية الانتماء الحزبي من عدمه والدور الذي يقدّمه المسؤول مع الحالتين، يجرنا على سبيل التمثيل للتعريج على ذكر حالة وزير التربية والتعليم السيد “محمد الوفا” في حكومة السيد “عبد الإله بن كيران” يوم أن آثر “الوفا” عدم الامتثال لتعليمات القيادة الحزبية في حزب الاستقلال المغربي بالخروج من التشكيلة الحكومية، حيث سارعت هذه القيادة عقابا له على تعليق عضويته بالحزب، وليخوض بعد هذه البينونة الكبرى تجربة إصلاحية عالج فيها ركاما من ملفات الفساد المالي والإداري والتربوي، إنّها تجربة تكاد تكون فريدة، قد اعتبرها المكوّن التربوي والإداري الساهر على إدارة أزمات التعليم ببلادنا من أهم وأنجح التجارب الإصلاحية التي عاشها قطاع التعليم يومها، واسأل في مقام الشهادة العادّين والفاعلين في المجال التربوي، من الذين عاشوا هذه التجربة البيضاء بين سابق السواد كما لاحقه.
إنني لازلت ولم أزل أربط كل كارثة ونكسة مست اقتصاد البلاد وعِرض العباد وطعام المواطنين وأمنهم بنصب وعذاب، بالمسؤولية التقصيرية، بل بالمشاركة الفعلية للكيانات الحزبية في هذا الهدم، إذ ما فتئ المعول الحزبي يصنع الخرق تلو الخرق في حصنه المتراص المنيع، وقد أكدت العديد من الأبحاث والدراسات عبر تقارير ميدانية، بعيدة كل البعد عن التدليس والتواطئ الإعلامي الأخرس، أفادت أن تكلفة الفساد الذي خلفه التعاطي الحزبي مع قضايا الوطن وانشغالات المواطن المصوِّت بعد التعديل الدستوري الذي اشترط للاستوزار التنصيب البرلماني، هي تكلفة كارثية بكل المقاييس، وإنّما وجه الخطر ومكمن الداء وآفة الوضع هاهنا ملمحها في واقع قد تسلّل الفساد وتفشى واستشرى في كيانات يفترض أنها جاءت، وأُسِّست لتواجهه ولتتصدى له، ولتكف بأسه، فإذا بها بعد احتضانه تصير منتجة لعدوانه، مزكية لأصحابه مادحة لتجلياته، أينما أناخت ركائب تواجدها الحزبي…
وهذه مصيبتنا، وآفة زماننا، ولك أن تتخيّل، كيف تطيق الاستماع لمداخلات وزير العدل الحالي، الذي من المفترض في شخصه ووصفه أن يقيم للقيم والأخلاق اعتبارها، فإذا بك تتفاجأ أنه يدافع وينغمر في التأسيس لمشروع لا أخلاقي كان من بعض عناوينه وقمة السفالة فيه، أن يصير للمسافحة المخانية راتبا يصرف لها كحاضنة لابنها بالزنا عند متم كل شهر لفترة قد علِّقت مآلاتها الوقتية…
ألا فاصنعوا لآل جعفر طعاما فقد نزل بهم ما يكلمهم.
.