التحلي الإنصاف.. “هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله في..، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه..” رشيد مومن الإدريسي

الإنصاف صفة شريفة، وخلة كريمة، وخصلة منيفة، وهي دليل على الصدق في تلمس الحق، ومعيار على رحمة الخلق، ولذا كانت “العادة الجارية السكون إلى الإنصاف، والرجوع إلى الحق والاعتراف”1.

انصف وإن كنت ذا جاه ومرتبة *** وعد إلى الحق مهما كنت مقتدرا
فمن تكبر في حق أهين به *** ومن تواضع في حق فقد كبرا
وقلة الإنصاف خصلة قبيحة، تنساق بصاحبها إلى دركات سحيقة، فتقوده إلى الظلم والاعتساف، وتنجر به إلى الهجر والقطيعة والإجحاف.
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته *** على طرف الهجران لو كان يعقل
ومن أعظم الدواعي إلى ذلك التعصب المذموم فإن هذا الأخير مع الإنصاف لا يلتقيان، لأن المنصف يؤاخذ نفسه ويؤاخذ مخالفه ولا يعتبر واحدا منهما فوق النقد، بينما المتعصب يعمل على تصويب نظرة أحادية وتفضيل وجهة معينة، وإغضاء الطرف عما عداها إن لم يبادر إلى التشنيع بغير حق، مع أن الله يقول: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}..
قال الإمام الشَّوكاني رحمه الله مُبيِّناً بعض فوائِد الإيمان: “وأهمُّ ما يُحصِّله لك: أن تكون مُنْصفاً لا مُتعصِّباً في شيءٍ من هذه الشريعة؛ فإنها وديعةُ الله عندك، وأمانتُه لديك، فلا تخنها وتمحق بركتها بالتعصُّب..”2
وتعر من ثوبَين من يلبسهما *** يلقى الرَّدى بمذمة وهَوان
ثوبٌ من الجهل المركَّب فوقه *** ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحل بالإنصاف أفخر حلة *** زينت بها الأعطاف والكتفان
ولذا كانت من أبرز علامات التعصب التحذير من المنصفين، فأهل التعصب يرون في أهل الإنصاف خطرا عليهم، فمن سلوكياتهم: “فرارهم عن علماء الإنصاف، وطعنهم على من اتصل بهم أو أخذ عنهم، وتحذيرهم للعامة وللطلبة عن مجالسة من كان كذلك، وإخبارهم لهم بأن ذلك العالم سيضلهم ويخرجهم عما هم فيه من المذهب الذي هم عليه..”3.
وقد عرِّف الإنصاف بأنه “استيفاء الحقوق لأربابها، واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسة الفاضلة”4، فإنه لا استقامة في أمور الناس في هذه الدنيا إلا بالعدل، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل..”5، ولا يتحقق العدل بين الناس إلا بالعمل بدين الله وشرعه، “فالشرع هو العدل، والعدل من الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع.. فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل”6.
ومن أعظم العدل الذي تخلف قيامه في دنيا الناس -إلا من رحم الله جل وعلا- تحقيق الإنصاف، وهو العدل بين المرء وغيره.
يقول ابن العربي المعافري رحمه الله: “العدل بين العبد وربه بامتثال أوامره واجتناب مناهيه.. وبين العبد وبين نفسه بمزيد من الطاعات وتوقي الشبهات والشهوات.. وبين العبد وبين غيره بالإنصاف”7.
وعليه كان ” الإنصاف والعدل توءمان، نتيجتهما علو الهمة، وبراءة الذمة باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل”8.
فالدين الذي جعل الله من مقاصده إخراج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، لا بد أن يتحلى أتباعه بالعدل والإنصاف مع العدو والصديق ومع المسلم والكافر، ومع الموافق والمخالف، كل ذلك وفق دين الله وشرعه.
يقول ابن القيم رحمه الله: “والله تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجال، خصوصا من نصب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله (وَأُمِرْتُ لأََعْدِلَ بَيْنَكُمُ)، فورثة الرسول عليه الصلاة والسلام منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، ويدين بدين العدل والإنصاف”9.
فهذا العدل الذي يطمح الفضلاء أن يعيدوه بين المسلمين، وذاك الإنصاف الذي يأمل النجباء أن يعم بين المختلفين من أهل الملة الواحدة -مع النصيحة والبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد على من يستحق ذلك بالعلم والعدل والورع-، قد كان المسلمون يعاملون به أهل الذمة مع تحقيق البراء.
يذكر أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى واليه على البصرة: عديّ بن أرطأة يوصيه، ومما جاء في وصيته: “ثم انظر من قِبَلَكَ من أهل الذمة، قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه.. وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك، قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه”10.
ومن المواقف السامية -كذلك- في الإنصاف مع غير المسلمين أن شيخ الإسلام رحمه الله حين سعى بإطلاق سراح أسرى المسلمين من التتار وعلم أنهم لم يطلقوا معهم أسرى أهل الذمة، أصر على إطلاق الجميع معا وقال: “بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة”11.
فهذا إنصاف مع أهل الذمة، فكيف لا ننصف أهل الملة؟!
ومن صوره ماقاله شيخ الإسلام رحمه الله في حق مخالفيه: “هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير، أو تفسيق، أو افتراء، أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه”12.
وينكشف هذا من المرء مع مخالفه عند عرض الحجج، فـ”قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج، فيجب عليه أيضا أن يبين ما لخصمه من الحجج التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه”13.
فالله الله في الإنصاف فإن قلته والبعد عنه قد أفسد القلوب وأوقع في الإجحاف، خاصة في مثل أيامنا هذه فـ”ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف”14، ولأجله قال الإمام مالك رحمه الله عنه: “لم أجد في الناس أقل منه فأردت المداومة عليه”15، وصدق ابن عبد البر حيث قال -رحمه الله-: “من بركة العلم الإنصاف فيه، ومن لم ينصف؛ لم يفهم، ولم يتفهم”16.
واعلم أنه مما يعين على اكتساب فضيلة الإنصاف: أن يحب المرء لإخوانه ما يحب لنفسه، فذلك من أجل مظاهر التقوى، وأدعى لتحقق الرحمة والمودة والقربى، “فأعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك”17.
ارض للناس جميعا *** مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعا *** كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك *** ولهم حس كحسك
وحقيقة ذلك الإنصاف، وهو: “أن تؤدي حقوقهم، وألا تطالبهم بما ليس لك، وألا تحملهم فوق وسعهم، وأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، وأن تعفوهم مما تحب أن يعفوك منه، وأن تحكم لهم أو عليهم بما تحكم به لنفسك أو عليها”18.
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: “فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي..”19.
فعليك بالتحلي بالعدل والإنصاف، والتخلي عن الظلم والعدوان والاعتساف، “فإنَّ الدُّنيا ظهرٌ قلِق، ومتاعٌ خلِق، وسرابٌ مُؤْتلِق؛ هذا يُعِدُّ الجميلَ فيُصرع، وهذا يَؤُمُّ السَّراب فيُخْدع، وعند الله المُلْتقى والمجْمع”20، عيش الكريم بها مُنَغَّص، ويَدُ الخُطُوب فيها تتربَّص، ورأس الفتنة على أعلامها مُنْتص، فما أعظم مكايدها! وما أكثر مصايدها!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- قاله البقاعي رحمه الله في نظم الدرر 14/28.
2- انظر طلب العلم وطبقات المتعلمين 7.
3- قاله الشوكاني رحمه الله في أدب الطلب 79.
4- الأخلاق بين الطبع والتطبع 228.
5- الفتاوي 28/146.
6- الفتاوي 35/366.
7- الفتح 10/589.
8- انظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي رحمه الله 64.
9- إعلام الموقعين 3/127.
10- أحكام أهل الذمة لابن القيم رحمه الله 1/38.
11- الرسالة القبرصية لابن تيمية رحمه الله.
12- الفتاوي 3/245.
13- قاله العلامة السعدي رحمه الله في تيسير الكريم الرحمن 915.
14- جامع بيان العلم 1/131، وهذه قولة الإمام مالك رحمه الله في زمانه، فما القول في مثل زماننا هذا؟! والله المستعان.
15- الديباج المذهب 1/96.
16- جامع بيان العلم 1/131.
17- الأدب الصغير والأدب الكبير 73.
18- قاله ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد 2/407 بتصرف.
19- الفتاوي 28/55.
20- ريحانة الكتاب لذي الوزارتين 1/26.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *