عن البركة أصحابها وأنواعها والمنتفعين بها الحلقة الثامنة* الدكتور محمد أبو نجيب

إن قدم لنا اللغويون من أصحاب المعاجم خدمات، فلأنهم -من غير أن يدركوا-سهلوا علينا مأمورية الخروج من ضيق الشك إلى رحاب اليقين. ثم إن القرآن الكريم بلسان عربي مبين نزل. مما يعني أنه مصدر ثري من مصادر لغة الضاد المضبوطة التي يحول ضبطها دون صرف ألفاظها عن المعاني التي وضعت لها. كـ”البركة” على سبيل أمثال. 

وعليه، فإننا لن نتوقف عن محاولة تقريب ما تدل عليه إلى الأذهان، إلا إذا قدمنا بكامل الوضوح ما يتوفر لدينا من براهين. وما تدل عليه -في البدء وفي الختام- يتناقض تمام التناقض مع القول بأنها سر أو أسرار سيالة، تنبع من قلوب شيوخ، أو من قلوب مرشدين، متدفقة مندفعة صوب قلوب المريدين أو المسترشدين!
وتعضد وجهة نظرنا ألفاظ أو كلمات قريبة منها، أو يربطها بها نسب مثل: “تبارك” و”مبارك” و”مباركة” الواردة كلها في القرآن العظيم.
ففي سورة الأعراف، نقف عند قوله سبحانه: “أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”. يعني أنه عز وجل تعالى وتعاظم وارتفع. فباسمه يتبرك المؤمن، أي يطلب الزيادة في الرزق والعلم والهداية. وباسمه يتيمن ويتفاءل. أي أنه يطلب ويتوقع الخير.
وفي سورة الأنعام نقرأ قوله جلت قدرته: “وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ”. فيكون لفظ “مبارك” هنا صفة تعني: بورك فيه، أي في القرآن الكريم الذي يستحيل علينا تحديد بركاته كخطاب “لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ”. مما يؤكد لنا كيف أن مضامينه بدون ما استثناء حقائق مطلقة، لا حقائق نسبية! ومما يؤكد لنا كيف أن كل حقيقة من حقائقه على حدة بركة قائمة الذات، وما يجمعها يندرج تحت مسمى العناية الإلهية التي نقرأها جلية في المعتقدات والعبادات وفي الأحكام الشرعية العملية. فتحريم الخمر وفرض الوضوء والغسل وتحريم الزنا بلغة القرآن. والعهارة بلغة الأخلاق، أمثلة مجسدة في الواقع لنعم الله على الإنسانية جمعاء. أو مجسدة إن شئنا لبركاته التي تمكن المؤمنين من أدوات، وظيفتها في الوقاية من مختلف الأمراض تشكل ثقافة لن يجادلنا أي ملحد، أو أي منافق، أو أي زنديق في وجاهتها! إنها كلها من بركاته عز وجل، نقصد من نعمه أو من أفضاله ومنحه ورحماته.
وفي سورة النور نقرأ قوله تعالى: “كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ”.
وفيها نقرأ: “فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً”.
ثم نقرأ في سورة الدخان: “حم؛ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ؛ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ”. والليلة “المباركة ليلة القدر، ويقال: ليلة النصف من شعبان. ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب”.
ونسوق هنا إتماما للفائدة قوله سبحانه: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ”.
فباركه وبارك له وفيه وعليه وحوله مباركة معناه: وضع فيه البركة التي تعني هنا نوعين من النعمة: مادية ومعنوية. فمن جهة بارك الله حول المسجد الأقصى بالثمار وبمجاري الأنهار، ومن جهة باركه لمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين(1). ومن هنا جاءت القداسة التي أضفاها عز وجل عليه. والقداسة بركة تميزه عن بقية مساجد أخرى غيره ما عدا الحرمين الشريفين، وكل بركة زيادة وكل زيادة نعمة ومدعاة إلى السعادة. مما يعني أن المقدسيين يقيمون على أرض مباركة طيبة وضاءة. دون أن نغض الطرف عما حول المسجد الذي تمتد إليه كذلك البركات… ودون أن يخطر ببالنا الحد الجغرافي الذي تمكن استفادته من “حوله” كظرف مكان يؤلمنا اليوم ويدمي قلوبنا ويحز في نفوسنا ما يتعرض له من اعتداءات مصدرها ملة الكفر الواحدة، التي تدوس القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحوافرها.
فعند الإمام أحمد في مسنده قوله صلى الله عليه وسلم: “كلوا في القصعة من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها. فإن البركة تنزل في وسطها”.
وعند أبي داود في سننه قوله عليه الصلاة والسلام: “البيعان بالخيار. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما. وإن كتما وكذبا، محقت البركة في بيعهما”.
وعند الإمام مسلم في صحيحه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا. وفي حديث المرادي: بكوكب كذا وكذا”.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله إليكم من زهرة الدنيا. قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: بركات الأرض”!
وفي موطأ الإمام مالك بن أنس عن أبي هريرة أنه قال: “كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإني عبدك ونبيك، وأنه دعاك لمكة. وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه”. ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر”.
وهكذا نستخلص من براهين نقلية: قرآنية وحديثية نتائج شديدة الوضوح إلى حد أنها قد لا تفسح المجال على الإطلاق أمام ادعاء من أي كان، بأن البركة قوة خفية لا مرئية فعالة من نصيب صفوة الصفوة! لمالكها قدرة خارقة على التأثير فيمن حوله وفيما حوله! بحيث إنها -أي البركة- تسري من قلب إلى قلب، أو إلى قلوب، مما يسمح لذويها بالتصرف في كل شيء! كما يحلو لهم أن يتصرفوا. كانوا على قيد الحياة، أو انتقلوا إلى عالم ما بعد الموت!
وإن نحن أبطلنا مثل هذه المزاعم الظلامية التي هي افتراء على الله والرسول! وعززنا إبطالنا لها بدعوتنا إلى التعامل مع دعاتها تعامل المختار معهم كمبتدعين ضالين! إساءتهم إلى الدين الحق لم تعد خافية. وإنما هي أصبحت مفضوحة مكشوفة. لزمنا التأكيد على أن البركة عطاء رباني يجسد في الواقع صورة مشرقة باهرة للعناية الإلهية الشاملة لكافة مخلوقاته سبحانه. ثم إنها منه منحة وفضل ونعمة. بإمكاننا التمييز فيها بين العامة والخاصة، وبين المطلقة والمقيدة، وبين المادية والمعنوية. فالعامة والمطلقة هنا بمعنى واحد، يعني أنه سبحانه لم يمنع من رحمته كل من خلق، وكل ما خلق. أو لم يخبرنا في البسملة بأنه عز وجل رحمن رحيم؟ أو لا نجد رحمته في الرياح والغيث والزروع والوديان والغابات وكافة الأرزاق التي نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر؟ أو لم تصل هذه الرحمة إلى الإنسان حيث هو مقيم؟ أو لم تصل إلى مختلف الحيوانات والطيور والحشرات والحيتان في البحر؟
أما البركات المقيدة بالإيمان والتقوى فأرزاق خاصة يتفاوت بخصوصها المؤمنون. ومن جملتها التفقه في الدين والتبحر في العلوم، إنما هل بمقدور أصحاب البركات التصرف فيها بالجود والكرم. تمثلت في المتاع الدنيوي أو تمثلت فيما لدى الأتقياء من حسنات عدها من باب المستحيلات؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- تجدر الإشارة أنه تمت إضافة كلمة “الأخيرة” خطأ إلى الحلقة السابعة من هذه السلسلة؛ في حين أن حلقاتها لا زالت مستمرة مع الدكتور محمد أبو نجيب.
1- لم يذكر هذا التفسير إلا القرطبي وذكر الأنبياء فقط لا الصالحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *