طالعنا في العدد 152 من مجلة العربي لشهر يوليوز 1971 “ترجمة الشيخ أبو الهدى الصيادي” (1849-1909) بقلم سامي الكيالي. ولقد لفت نظرنا بصفة خاصة الحملة الشعواء التي حملها صاحب الترجمة على السلطان عبد الحميد الثاني: حيث قال بالحرف الواحد: “أما السلطان الأحمر فهو السلطان عبد الحميد الثاني، سلطان البحرين وخاقان البرين وخادم الحرمين الشريفين والذي ظل في دست السلطنة خليفة للمسلمين مدة ثلاثة وثلاثين عاما (1876-1909) وقد أطلق عليه لقب “السلطان الأحمر” لسياسة البطش التي اتخذها أثناء حكمه.
ولا نعرض لسيرته وقد كتبت عنها المجلدات وأصبحت سيئاته وحسناته إن كانت له حسنات بيد التاريخ المنصف العادل وكثيرا لا ينصف” انتهى بلفظه.
ومن عجب أنه رغم مرور نصف قرن على وفاة هذا السلطان المسلم فما زال بعض كتاب المشرق العربي يحملون حقدا عليه ولم ينصفه فيما نعلم إلا كاتبان مسلمان هما المرحوم الأمير شكيب أرسلان في كتابه “حاضر العالم الإسلامي” وأنور الجندي في كتابيه “الإسلام والاستعمار” و”قضايا الأقطار الإسلامية”. أما نحن المغاربة فلا نكن للسلطان عبد الحميد الثاني إلا التبجيل والاحترام لأسباب ثلاثة:
أولا: أن المغرب لم يخضع قط إلى حكمه وإلى حكم أسلافه آل عثمان في حين أن المشرق العربي وليبيا والجزائر وتونس خضعوا لهم.
ثانيا: أغلبية المغاربة بربر ولا يحملون حقدا على الأتراك العثمانيين بخلاف كتاب المشرق العربي وخصوصا منهم العرب المسيحيين الذين يحملون حقدا لا مزيد عليه على الأتراك العثمانيين.
ثالثا: موقف السلطان عبد الحميد الثاني المشرف الواضح من الصهيونية والاستعمار الأوربي.
لقد آن الأوان بعد ما كتبه سامي الكيالي عن هذا السلطان أن ننظر إلى موقف هذا الأخير من التاريخ بعين الإنصاف.
ارتقاء عبد الحميد الثاني عرش آل عثمان
كان ارتقاؤه إلى العرش سنة 1876 في آن شديد عصيب فقد كانت الدولة، يقول الأمير شكيب أرسلان في “حاضر العالم الإسلامي”، على أبواب الحرب العثمانية الروسية وكانت الحكومة في أيدي عصبة من الساسة يسعون سعي المصلحين في تجديدها على الطراز الحديث والنهج بها على المناهج السياسية الدستورية الغربية، فلما أخذ عبد الحميد بأزمة الأمور أخذ يستصرخ الأمم الإسلامية في كل رقعة من رقاع العالم الإسلامي لتمديد العون إليه وتشد أزره بالالتفات من حوله قاصدا بذلك قذف الرعب في روع الدول الغربية التي كانت تتآمر فيما بينها وتتشاور وتتخذ الوسائل وتقوم بالتدبيرات للانقضاض على المملكة العثمانية.
الرجل المريض
لقد ظلت بريطانيا وفرنسا وروسيا، يقول أنور الجندي.. سنوات طويلة تعمل للقضاء على دولة الرجل المريض وتحول دون قيام نهضة أو قوة في العالم الإسلامي من شأنها أن تجدد شباب الإمبراطورية أو تبني دولة جديدة.
مطيحوا الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد الثاني
1- الحركة الشعوبية
وقد حملت الحركة الشعوبية الضخمة التي كانت مصر أكبر مراكزها حيث كان البريطانيون يفتحون الأبواب لجماعات مختلفة من الدعاة وأصحاب الصحف من مختلف الأجناس والأديان ممن يجعلهم العداء للإسلام والدولة العثمانية لواء العمل لتحقيق أشياء كثيرة تحققت فعلا بعد الحرب العالمية الأولى:
أولا: تمزيق الدولة العثمانية التي تمثل قوة إسلامية كبرى وتجد لها في مسلمي الهند وأندونيسيا ومختلف أنحاء العالم الإسلامي صدى وتأييدا.
ثانيا: السيطرة على الأجزاء العربية من الدولة ووضعها تحت سلطان الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي.
ثالثا: إقامة إسرائيل في فلسطين قلب العالم الإسلامي.
2- حزب الاتحاد والترقي
هؤلاء “الاتحاديون” هم ثمرة الدعوة التي كان طابعها في أول الأمر الحرية والدستور والتقدم والتي بدأت عملها منذ وقت طويل وكانت خصما عنيدا طوال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني تحت شعارات براقة مغرية هي: شعارات الحكم النيابي والخروج من الجمود والتأخر. وأي مقارنة بين حكم السلطان عبد الحميد الثاني وبين حكم الاتحاديين دعاة الحرية والإخاء والمساواة يكشف -يقول أنور الجندي- مدى الفارق البعيد ويصور كيف تحولت دعوة الحرية في أيديهم إلى تسلط وعنف وطغيان لا حد له.
3- الدونمة
هم أتباع الدجال شبتاني زقي الذي اعتنق الإسلام في الظاهر طمعا بالامتيازات وخوفا من عقوبة الموت.
وقادت جماعة الدونمة (اليهودية التي أسلمت تقية) في سالونيك بتركيا قيادة المعركة ضد الجامعة الإسلامية تحت أسماء مختلفة أهمها حركة حزب الاتحاد والترقي واتخذت من صغار المحافل الماسونية مراكز لها للعمل وخلقت في فترة طويلة الحملة على السلطان عبد الحميد الثاني واتهامه بالاستبداد.
وقد أكد الباحثون أن جمعية الاتحاد والترقي كانت القناع الخارجي الذي تقنعت به جماعة الدونمة المتظاهرين بالإسلام من يهود إسبانيا الذين اتخذوا من مدينة سالونيك مقاما لهم بعد فرارهم من محاكم التفتيش التي نصبها الإسبانيون لمخالفيهم في العقيدة سواء من المسلمين أم اليهود.
4- الماسونية
قد كان للماسونية دور بعيد المدى في تقويض الدولة العثمانية. وقد أجمع المؤرخون وتكشفت الحقائق في الفترة الأخيرة عن أن الماسونية كان لها اليد الطولى في إسقاط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة وخلع السلطان عبد الحميد الثاني وأن دعوتها الأساسية كانت تهدف إلى بناء هيكل سليمان في مدينة القدس على أنقاض المسجد الأقصى.
وللماسونية يرجع الأثر الأكبر في إذاعة صورة كريهة للسلطان عبد الحميد الذي يمثل أقوى مراحل المقاومة للنفوذ الصهيوني وموقفه من الصهيونية المشرف الواضح ما زال يحمل طابع الشرف والكرامة لهذا الرجل الذي أحيط بصورة خطيرة من الاتهام. فقد وقف موقف المدافع عن القدس ورفع لواء الوحدة الإسلامية في وجه النفوذ الأجنبي في جهاته المختلفة ورفض أن يمنح اليهود شبرا واحدا من أرض فلسطين بالرغم من العرض الضخم المغري الذي تقدموا به إليه في وقت كانت الدولة العثمانية في أشد حالات العجز المالي والإفلاس.
5- الصهيونية والاستعمار
قد بدأت الصهيونية في حملتها مع الدولة العثمانية إلى الإغراء فالتآمر ثم استغلت قوة داخلية تركية أساسية لهدم الدولة بعد أن أزاحت السلطان عبد الحميد الذي استطاعت الصهيونة العالمية بالاشتراك مع الاستعمار الأوربي أن ترميه بكل نقيصة في محاولة إظهاره للمسلمين في أبشع صورة بعد أن استطاعت خلال أربعين عاما أن يشغل أوربا بمشاكلها الخاصة وأن يحبط مؤامراتها وذلك برفع لواء الوحدة الإسلامية. وقد حاول سفير بلغاريا في اسطنبول أن يؤلب الدول الأوربية على السلطان عبد الحميد الثاني حين قال أنه من طراز السلطان محمد الفاتح الذي سبق له أن طرق بجيوشه أبواب أوربا وأن عبد الحميد يهدف إلى إعادة عظمة الدولة العثمانية وإعادة مجد المسلمين فعليكم تناسي خلافاتكم ومعرفة أي شخص تواجهون.
الواقع أن تاريخ السلطان عبد الحميد الثاني لم يكتب بعد إلا من جهة واحدة هي جهة خصومه وأعدائه من اليهود والاستعمار والغربيين وأتباعهم من أصحاب الأقلام التي تكتب باللغة العربية وتحمل الجنسية العربية المسيحية كأصحاب الهلال والمقطم وسركيس وغيرهم؛ وكتاباتهم عن هذا السلطان المسلم الشجاع فيها كثير من المبالغة الصادرة عن الخصومة الشخصية أو المذهبية.
ومفتاح تصحيح شخصية السلطان عبد الحميد الثاني في نظر أنور الجندي إنما يتصل بنقطة واحدة هي: موقفه من الصهيونية ومقاوته لها وتآمر الصهيونية مع النفوذ على إقصائه.
فالنفوذ الأجنبي قد أحس بالعمل الخطير الذي أزعج أوربا وهو عبد الحميد للمسلمين أن يجتمعوا في جامعة إسلامية تواجه الزحف الاستعماري وأن هذه الدعوة وجدت استجابة تحت تأثير الغزو العسكري والسياسي الذي كان يجتاح جميع أجزاء العالم الإسلامي ولم يجد المسلمون نقطة التقاء أو عروة تجمع إلا في الدولة العثمانية التي تضم العرب والترك.
ومن هنا كان الضغط شديدا على هذه العروة لفصمها وتمزيقها. والجدير بالذكر أن عرب المشرق من أشد المتحمسين إلى الجامعة العربية منذ أن قاموا بثورتهم ضد الأتراك في حين أن عرب وبربر المغرب من المتحمسين إلى الجامعة الإسلامية لعدم خضوعهم للحكم التركي.
انخداع كتاب العرب المسلمين
لقد انخدعنا طويلا وراء ما ترويه المجلات المصرية والسورية واللبنانية وكتب التاريخ الحديث المطبوعة في المشرق العربي عن الدولة العثمانية وعن السلطان عبد الحميد الثاني وجرينا وراء العبارات التي حاولت أن تصور هذه الدولة في صورة الاستبداد والظلم والتأخر وتركز هذا كله على رجل واحد وعصر واحد هو السلطان عبد الحميد الثاني، ولا نظن أن قائدا في التاريخ كله أمكن أن توجه إليه مثل هذه الاتهامات الزائفة وأن تعيش طويلا فتظل تغذي أجيالا بعد أجيال دون أن تنكشف حقيقة الأمور التي تختلف كثيرا عما زيفه المارونيون الذين كانوا عملاء النفوذ الأجنبي والذين نفذوا خطة دقيقة رسمتها أيدي وعقول غربية قادرة على الغزو الفكري وتعرف ما وراء الكلمة من قدرة على إقناع الشعوب والأمم على الاعتقاد بوقائع زائفة توضع موضع الحقائق وتسبغ عليها كل عوامل البقاء والاستمرار.
في ضوء هذه الملاحظات من هنا وهناك يمكن النظر إلى موقف السلطان عبد الحميد الثاني من التاريخ بعين الإنصاف وفي السنوات الأخيرة أخذت تظهر وثائق كثيرة تكشف حقيقة هذا الرجل وتدفع عنه كثيرا مما شاب اسمه من اتهامات وشبهات ألصقها به النفوذ الاستعماري والصهيونية والعرب المسيحيين على السواء .
فمتى يكف كتاب المشرق العربي وخصوصا العرب المسيحيين عن اتهام السلطان عبد الحميد الثاني بما هو بريء منه؛ ونرجوا أن تكون حملة الكاتب سليم الكيالي في مجلة العربي على هذا السلطان المسلم -الذي يعتبر في نظر شكيب أرسلان داهية من أعظم دهاة العصر الحديث وسياسي في منتهى الحصافة- آخر حملات كتاب العرب المسيحيين عليه.
مقال لعبد القادر القادري بتصرف