بين التباكي على القبور والسخرية من المقبورين.. مصطفى الحسناوي

– اليونسكو تدرج أضرحة ومزارات ومساجد تمبكتو ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر.
– موجة استنكار رسمية عارمة، بعد هدم بعض أضرحة ومزارات وقبور علماء ومشايخ تمبكتو.
– التيار الحداثي العلماني ممثلا بصحفييه ومفكريه، يستنكر ويندد، باعتداء من أسماهم بالإرهابيين على أضرحة تمبكتو، وتراثها الثقافي.
الغريب في كل هذا أن هذا التراث وهذا التاريخ وهذا الموروث الثقافي، ليس شيئا آخر غير الإسلام وعلمائه وشريعته وحكمه، الذي يحاربه العلمانيون ويستميت المجتمع الدولي في الحيلولة دون عودته واسترجاع أمجاده.
بمنطق المجتمع الدولي ومظلة الأمم المتحدة والقيم الغربية من تسامح وحوار؛ والدولة المدنية وآليات الديمقراطية؛ بمنطق العلمانيين؛ فإن هذا الموروث الثقافي الذي تجسده أضرحة ومزارات ومساجد تمبكتو، يجب أن يدان ويصنف ضمن الموروث الإرهابي الوهابي المتشدد، والإسلام الشمولي الاستبدادي الرجعي المتخلف، والفكر المتكلس، والقراءة الحرفية الظاهرية الماضوية للنصوص.
ذلك أن الطوارق كانوا شعبا يعشق التنقل والحرية، فعاشوا متنقلين متجولين في الصحراء الكبرى معتمدين على علومهم ومهاراتهم في الاهتداء بالنجوم والتداوي بالأعشاب، وكانت للمرأة عندهم مكانة عظيمة وتمتعت باستقلالية كبيرة، لذلك برزت في تاريخهم أسماء نسائية وسطع نجمها. إلى أن هبت نسائم الشرق فصدَّرت لهم الإسلام، فاستوطن المسلمون إحدى بلدانهم هي تمبكتو، والتي استمدت اسمها من عجوز طوارقية.
وكعادة المسلمين كلما استقر بهم المقام في مكان ما؛ بادروا لبناء مسجد جامع، ولو وسط مجتمعات وثنية، كان هذا المسجد هو مسجد تمبكتو مطلع القرن السادس الهجري، هذا المسجد كان له الدور المهم والبارز، ليصبغ الطوارق بصبغة إسلامية، ولتتحول ثقافة وتاريخ وحضارة هذا الشعب كلها إلى الإسلام؛ وتندثر كل المقومات الأخرى ويطويها التاريخ، حيث نجح الإسلام في محو تلك القيم التي تخالفه، فانمحت واندرست، ولم يعد من ذكر لتاريخ شعب وثني ثم نصراني يمتد لقرون، لذلك فإن الموروث الذي يتباكى عليه الكل، هو موروث إسلامي وإسلامي فقط، وهو ما تشهد عليه تلك الأضرحة والمزارات المنتصبة.
فبعد فرض المسلمين لمنظومة قيمهم وترسانة قوانينهم وتشريعاتهم، بقوة الحق والنقاء والصفاء والسماحة والعدل التي تجعل الآخر يقبل عليه طائعا راضيا، كان لدور (الحاكم الإسلامي المستبد)، و(علماء المسلمين المتشددين النصيين الحرفيين)، و(أحكام الشريعة) التي كانت تطبق على شعب الطوارق؛ كان لهذه العوامل مجتمعة الدور الكبير في جعل هوية شعب الطوارق الدينية والسياسية تبدو أحادية لا مجال فيها للتعددية وغيرها من القيم التي يستميت العلمانيون في الدفاع عنها، فأي تاريخ غير مشرف هذا الذي يتباكون عليه، ويسعون لتمجيد رموزه وإحيائهم في قلوب النشء ونقله للأجيال القادمة.
ولمزيد من التوضيح سأنقل كلاما صادما لمؤرخ مغربي هو الحسن بن محمد الوزان الفاسي المسمى “ليون الأفريقى” فقد ذكر في كتابه الشهير “وصف أفريقيا” رحلته إلى بلاد السودان التي صحب فيها عمه في مهمة سفارة بين ملك فاس -محمد الوطاطي- وملك السنغال -محمد اسكيا الكبير- في عام 917هـ/1511م ومما جاء في كلام هذا المؤرخ: “والبلاط الملكي على قدر كبير من النظام والأبهة وهذا الملك عدو لدود لليهود، وهو لا يريد أن يقطن أحد منهم في المدينة، وإذا علم أن تاجراً يخالطهم ويتاجر معهم صادر أمواله”.
وكان قبل هذا الملك (عدو الإنسانية والسامية)، ملك آخر تذكرنا أفعاله، بالاستعانة بشيوخ الشرق وأموال النفط، لفرض إسلام متطرف متحجر، وأسلمة كل مظاهر ومناحي الحياة، فقد حكم منسى موسى الأول أحد ملوك مالي الذي حكم خلال الفترة الممتدة بين 1307-1332م، وحين قفل من رحلته إلى الحج عائدا، اصطحب معه إلى بلاطه عددا من العلماء والفقهاء والقضاة وصرف عليهم الأموال الطائلة وسبائك الذهب الخالص، واقتنى كتب الدين المليئة بثقافة الإقصاء للآخر ومعاداته وتمجيد الذات والاستعلاء على الأمم (هذا حسب قول العلمانيين).
وكان ممن أغدق عليهم الأموال المهندس المعماري الشهير أبو إسحاق، الذي كلفه ببناء المسجد الجامع في مدينة غاو، والجامع الكبير والقصر الملكي في مدينة تمبكتو. وضم هذا الملك 24 مدينة سودانية في وقت وجيز، حيث غزاها بجيشه وفتحها وأدخل إليها الإسلام.
بعيدا عن لغة الاستهزاء والاستفزاز التي استعملتها في الفقرات السابقة، والتي اضطرني إلى استعمالها نفاق الغرب وأذنابه وأبواقه ومكاييلهم المتعددة، ولعبهم على الحبال، فإني أقول أن تاريخ مالي وتمبكتو على وجه التحديد هو تاريخ إسلامي مجيد مشرف، رغم أنوف المحاربين للشريعة، فقد عرفت هذه البلاد، تحت حكم الشريعة ازدهارا وإشعاعا علميا وثقافيا، لم تعرفه تحت الحكم الاستعماري ولا تحت الحكم العلماني عسكريا كان أو مدنيا، حيث تحدث بعض المؤرخين عن اكتشاف الماليين للقارة الأمريكية ، قبل -كولومبس- بقرنين من الزمان ، حسب دراسات عن آثار ولقيات أثرية في أمريكا ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وتتصل بإمبراطورية مالي ومدينة تمبكتو.
ويذكر منسى موسى أن الملك الذي تربع على كرسي مملكة مالي الإسلامية قبله، جهز بعثة بحرية مكونة من 200 سفينة مزودة بالمال والرجال، من أجل بلوغ نهاية المحيط الأطلسي الذي كان يحد إمبراطورية مالي الإسلامية غربا، وعندما لم تعد سفن تلك البعثة، قاد الملك بعثة أخرى بنفسه، وكانت هذه المرة تتكون من ألفي سفينة، لكنه لم يعد لا هو ولا سفنه، فتولى الحكم من بعده الملك الثري الحاج منسى موسى.
لقد عرفت مدينة تمبكتو خلال القرن السادس عشر الميلادي، رواجا وازدهارا وفترة ذهبية ضمت خلالها ثلاث جامعات كبيرة ونحو 180 مدرسة قرآنية آوت نحو 25.000 طالب علم يمولون كلهم من خزائن الأوقاف الإسلامية، وهو عدد كبير في ذلك الزمان.
جيوش من علماء الدين والطلبة والمفتين الذين ينظر إليهم الآن نظرة تنقيص وازدراء واحتقار، خلفوا تراثا شرعيا هائلا، ففي تمبكتو وحدها ما يزيد على 700.000 مخطوط.
فهل إحياء التراث والحفاظ عليه يكون بحفظ هذه المخطوطات (التي تأكلها الأرضة، ولا تجد أي عناية أو التفاتة)، وبالسعي إلى طبع ذلك التراث وترويجه وتعليمه وتمثله، وتمجيد أصحابه ووضعهم في المكانة اللائقة بهم واقتفاء أثرهم؛ أم بذرف دموع التماسيح على مراقدهم وقبابهم؟!
إن رجلا منهم كأحمد بابا التنبكتي، لو عاد حيا بيننا لوصف بالتشدد والتنطع والجهل والإرهاب والتخلف، ولو قام ذلك الرعيل من الحكام والعلماء من مراقدهم التي هدمت، لأطلق عليهم اسم “أنصار الدين”؛ ولأجلبت عليهم دول الغرب بخيلها ورجلها، مدعومة بأموال العرب، ونعيق العلمانيين، فلا تزايدوا علينا في الغيرة على التراث وأهله، فنحن أولى منكم به، وأحرص منكم عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *