السنة تجمع المسلمين والبدع والأهواء تفرقهم

السنة والاستقامة تعني الجماعة والعزة والتمكين، وعكسها البدعة والإعراض عن شرع الله فإن ذلك يعني بالضرورة (بالنسبة للمسلمين): الفرقة والذلة والهزيمة (والنكسات والنكبات).
ولكن أهل الأهواء والمنافقين -قديماً وحديثاً- عكسوا القاعدة -كعادتهم-، فزعموا أن التزام السنة ومحاربة البدع، والإنكار على أهل البدع والأهواء سببٌ رئيس (في النكسات التي أصابت الأمة) وهذا من التلبيس والجهل فإن العكس هو الصحيح، فإن المتأمل لأحوال المسلمين قديماً وحديثاً يجد أن من أعظم سمات أهل الأهواء والبدع والافتراق شؤمهم على المسلمين في كل زمان وحيثما كانوا.
ويكفيك أن تنتقل بذهنك إلى أحداث التاريخ المشهورة والتي ألحقت بالمسلمين الذلة والفرقة والتشتت تجدها من أهل الأهواء، وأمثلة ذلك:
أول فتنة فرقت الأمة فتنة السبئية، وقد أدت إلى قتل خليفة المسلمين الراشد عثمان -رضي الله عنه- ثم تمخضت عن افتراق الخوارج والشيعة، عن جماعة المسلمين وإمامهم.
ولما ظهرت القدرية والمعتزلة والجهمية أفسدت عقائد طوائف من الأمة، وأوقعتها في الأهواء والفرقة والخصومات والمراء في الدين والفتنة في العقائد.
ولما تمكنت المعتزلة في الدولة ألزمت الأمة بالقول بالكفر (خَلْق القرآن) وامتحنت العلماء وعرضتهم للسيف والسجن والإهانة، والقول بخلاف الحق.
ولما تمكنت دويلات الرافضة والباطنية كالبويهية والعبيدية والقرامطة، قمعت السنة وأهل الحديث وأظهرت البدع والإلحاد والزندقة والكفر وتسلط أوباش الباطنية على رقاب المسلمين، واعتدوا على المقدسات وقتلوا الحُجاج وأخذوا الحجر الأسود، وعاثوا في الأرض فساداً، وأباحوا المحرمات، ومكَّنوا للنصارى من دخول ديار المسلمين.
ولما تمكن بعض الرافضة من الوزارة في آخر عهد الدولة العباسية والدويلات التي تلتها خانوا الأمة وأدخلوا التتار والنصارى ديار المسلمين ومكنوهم فيها.
ولما تمكنت الطرق الصوفية وأهل البدع من الدولة العثمانية في آخر عهدها ضعفت الأمة وذلت وعلقت أقدارها بغير الله، وتعلقت بالأضرحة والبدع والغلو في الشيوخ وتقليدهم بلا بصيرة، فأصابها الذل والتشتت وسلط الله عليها الأعداء فمزقوها وفرقوا شملها.
ولا تزال الفرق والطرق الصوفية ببدعها ومحدثاتها من أعظم أسباب وهن الأمة وانحطاطها، ناهيك عن هيمنة الرافضة والباطنية وأهل الأهواء والبدع والعلمنة والإلحاد والإعراض عن دين الله وشرعه.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الآثار السلبية من جراء تأثير أهل الأهواء وتمكينهم. من ذلك:
شؤم الجعد بن درهم على دولة بني أمية ومروان بن محمد:
قال: (وقد قيل: إن أول من عرف أنه أظهر في الإسلام التعطيل الذي تضمنه قول فرعون، هو الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، إني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً؛ تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه، وشكر له علماء المسلمين ما فعله، كالحسن البصري وغيره.
وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم) 1.
وعن أثر الباطنية في إظهار الزندقة والرفض والإلحاد وشيوع البدع والطرق.
قال: (ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا الشام وغيرها ظهر فيها النفاق والزندقة الذي هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول فرعون (إنكار الصانع وإنكار عبادته) وخيار ما كانوا يتظاهرن به الرفض، فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة، وظهر بسببهم الرفض والإلحاد، حتى كان من كان ينزل الشام مثل بني حمدان الغلية ونحوهم متشيعين؛ وكذلك من كان من بني بويه في المشرق) 2.
أثر ابن سينا وأهل بيته (الباطنية الإسماعيلية) وشؤمهم على الدولة العباسية:
قال: (وكان ابن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم قال: وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة، وكان مبدأ ظهورهم من حين تولى المقتدر، ولم يكن بلغ بعد، وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية؛ ولهذا سمي حينئذ بأمير المؤمنين الأموي الذي كان بالأندلس، وكان قبل ذلك لا يسمى بهذا الاسم، ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان، فلما ولي المقتدر قال هذا صبي لا تصح ولايته فسمي بهذا الاسم)3.
وهكذا نجد ظهور البدع والزندقة والإلحاد على أيدي أهل البدع والأهواء والفرق سبب لدخول التتار بلاد المسلمين:
قال شيخ الإسلام:
(وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى إنه صنف الرازي كتاباً في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر، سماه (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم )، ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه، وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى أنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتاباً سماه (الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية) 4.
..ولو كان شيخ الإسلام حياً لرأى مصداق قوله في واقع المسلمين في كثير من بلاد المسلمين في الوقت الراهن تحت هيمنة أهل الأهواء والبدع العلمانية، والأقليات الباطنية، والرافضية، والصوفية، والمقابرية، والله المستعان.
..وهذا هو الحق لمن وفقه الله وهداه، وما عداه فهو الباطل الذي سيذهب جفاء بحول الله وقوته، نسأل الله الهداية والتوفيق، ونعوذ بالله من الضلالة والخذلان وحسبنا الله ونعم الوكيل. (حراسة العقيدة؛ د.ناصر العقل).
—————————-
(1)- الفتاوى ( 13 / 177 ) .
(2) – الفتاوى ( 13 / 117 ) .
(3) – المرجع السابق ( 13 / 117 ) .
(4) -المرجع السابق ( 13 / 180 ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *