..كانت لبعض علماء أهل السنة ردود علمية على الفلاسفة المشائين في قولهم بقدم العالم، منهم: عبد الرحمن ابن الجوزي وابن تيمية، فالأول ذكر أن الفيلسوف اليوناني جالينوس (ت:200م) قال -مؤيدا لفكرة قدم الكون-: (لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة)، فردّ عليه ابن الجوزي بقوله: (قد يفسد الشيء بنفسه بغتة لا بالذبول، ثم من أين له أنها لا تذبل؟ فإنها بمقدار الأرض مائة وسبعين مرة أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبل، لم يبن ذلك للحس، ثم نحن نعلم أن الذهب والياقوت، يقبلان الفساد وقد يبقيان سنين، ولا يُحس بنقصانهما).
ويلاحظ على قول جالينوس، أنه مجرد تخمين، ورجم بالغيب بناه على الظن والهوى، والنظر السطحي في مسألة غيبية خطيرة، لا دليل قاطع له فيها، لكن رد ابن الجوزي كان ردا علميا، أقامه على الإمكان العقلي والمشاهدة المادية الحسية، وقوله هو الصحيح يُؤيده النقل والعقل والعلم الحديث، بناء على ما سنبينه قريبا إن شاء الله تعالى.
وأما الثاني -أي ابن تيمية- فله مناقشات وردود مطولة على الفلاسفة المشائين، في قضية قدم العالم، نجدها مبثوثة في كتبه كمنهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، ومجموع الفتاوى، من ذلك أنه أكد أنه ليس للفلاسفة دليل ظني ولا قطعي يدل على قدم شيء من العالم، وأنهم بقولهم ذلك قد خالفوا جمهور العالم من جميع الطوائف، الذين قالوا: إن كل ما سوى الله مخلوق، كائن بعد عدم، ثم قرر ابن تيمية أنه لا يقدر أي إنسان أن يقيم دليلا عقليا صحيحا ينفي ما جاء في القرآن الكريم من أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام -أي مراحل-.
وأقول: إن ما زعمه الفلاسفة المشاؤون من المسلمين وغيرهم، في قولهم بقدم العالم، هو زعم باطل من ثلاثة أوجه، أولها إن القرآن الكريم قد حسم هذا الأمر نهائيا، ونص صراحة على أن الله تعالى خلق الكون بأسره في ستة أيام -أي مراحل- بعد أن لم يكن، قال تعالى: (هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) سورة الفرقان: 59.
والثاني: هو أن العقل الفطري الصريح المجرد عن الهوى، إذا ما تدبر في نفسه أدرك أنه مخلوق حادث عاجز، وُجد بعد عدم؛ وإذا ما تدبر في مظاهر الكون كالشمس والقمر والرياح والأمطار، وجدها مخلوقة مسخرة له، وهذا يشير إلى حدوثها، ولا يستطيع العقل المجرد أن يدرك بداياتها، لأنها لابد أن تسبقه في الوجود لكي يوجد هو، وأما القائلون بقدم الكون فليس لهم إلا الشبهات والظنون، ومن ثمّ لا يمكنهم إثبات قدمه، ولا في مقدورهم نفي حدوثه.
وثالثها: إن العلم الحديث قد حسم قضية حدوث الكون من أزليته حسما نهائيا، لصالح القائلين بحدوثه، وأثبت خطأ القائلين بقدمه، فأصبح من الثابت في العلم الحديث أن الكون بأسره حادث وليس أزليا، خلقه الله تعالى منذ سنين عديدة، وأن الشمس في تناقص مستمر من جراء فقدانها لطاقتها، وأنها ستنطفئ مستقبلا، وهذه من أكبر الانتصارات العلمية التي كانت لصالح الدين الذي أكد أن الكون سينتهي لا محالة.
وأشير هنا إلى أن هناك حقائق شرعية أخرى، أنكرها الفلاسفة المسلمون المشاؤون، وعلماء أهل السنة لم يسكتوا عنهم، فردوا عليهم وفضحوهم، منها أنهم أنكروا وجود الملائكة والجن، والمعاد الجسماني يوم القيامة.
ويتبين مما قلناه في هذا المبحث أن تصدي أهل السنة للفلاسفة المسلمين المشائين في إنكارهم لحقائق دين الإسلام، كان موفقا في إقامة الحجة عليهم، وإظهار تناقضاتهم في موقفهم من حقائق الدين الإسلامي الذي ينتسبون إليه، فما عليهم إلا أن يُراجعوا مواقفهم تجاهه، كما أن مسلكهم -أي أهل السنة- الذي اتبعوه في الرد على هؤلاء كان حاسما، فقوّض فلسفة هؤلاء الميتافيزيقية، وفضحهم أمام المسلمين.