عندما يوافق باطن المؤمن ظاهره ويصدق سره علانيته، يظهر سمت التقوى ويتجلى نور الإيمان في أقواله وأفعاله وسلوكاته، وذلك لأنه جعل الله عز وجل هو الرقيب عليه واستحضر محاسبة الخالق له في حركاته وسكناته قبل محاسبة النفس والخلق، فيُخلص في عمله ويضعه في ميزان الشرع، ويمحصه بمعيار أحكام الكتاب والسنة، قبل الإقدام عليه مخافة مخالفة الصواب والجنوح عن الصراط المستقيم.
يقول الله تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ” الزمر:2-3. والإخلاص في مجمله يتضمن معاني الاختيار والصفوة والتوحيد: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا” مريم:51، وقُرِئَ مُخْلِصًا والمُخْلَصُ الذي أخلصه الله، جعله مختارا خالصا من الدنس، والمخلص: الذي وحد الله تعالى خالصا ولذلك قيل لسورة “قل هو الله أحد”: “سورة الإخلاص” ابن منظور، لسان العرب: 5/127.
والنية هي مبتدأ العمل، فهو متعلق بها صحة وفسادا، فمنها نية إصلاح وتقرب إلى الخالق، فإذا خلُصت لوجهه تعالى، ترتب عنها ما يرضيه عز وجل فيستفيد منها العبد ثوابا وعموم العباد انتفاعا، وإن صُرفت لغير وجه الله تعالى، افتقد العبد أجرها انتفاء وإن نال منها مكسبا ماديا دنيويا كسلطة أو منصب أو شهرة..
ومنها نية إفساد وابتداع، فوِزرها على صاحبها دنيا وآخرة شقاء وضنكا، يحمل أثقالها وأثقال من عمل بها وبما ترتب عنها من بعده إلى يوم الدين، وما أثقله من عبء وأشقه من حمل، فيكون بذلك قد سن في العباد سنة فساد، واستحدث في الأمة عادة إضلال، وابتدع في القوم فتنة سوء، يقول الله تعالى: “وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ” الأنعام:138، 139.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسَنةً فلهُ أجرُها، وأجرُ مَنْ عمِلَ بِها من بعدِهِ، من غيرِ أنْ يُنقَصَ من أُجورِهمْ شيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً فعليهِ وِزرُها، ووِزرُ مَنْ عمِلَ بِها من بعدِهِ، من غيرِ أنْ يُنقَصَ من أوْزارِهمْ شيءٌ” صحيح الجامع: 6305.
ومن ذلك أيضا ما ابتدعه اليهود من التعامل بالربا الحرام عوض البيع الحلال المشروع، حتى شاع وابتلي به السواد الأعظم من الناس، يقول الله تعالى: “فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا” النساء: 160-161. “أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل” ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 2/469.
فالنية إذا أصل العمل ومبتداه، وهو تصديق لها وتجسيد، فإن خلصت لله تعالى مع قصد العمل الصالح استتبعها خلوصه وصلاحه، وإن فسدت أعقبها فساده ووباله على النفس والخَلق، يقول الله تعالى: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ” البينة: 5، وهذا باب له من لزوم التفكر فيه ما له، وعليه من حق التنبه إليه ما عليه، فلا يهمله إلا فاقد تعقل ولا يستهين به إلا أعمى بصيرة.
وإخلاص العمل، دينيا كان أم دنيويا، يقتضي من العبد إتقانه وحسن أدائه وهذا من دواعي محبة الله تعالى لصاحبه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحبُ إذا عملَ أحدكُم عملا أن يتقنهُ” السلسلة الصحيحة:1113.
فالعمل الخالص في الطاعات والعبادات منجاة من الوقوع في الرياء والنفاق والشرك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ تباركَ وتعالَى يقولُ: أنا خَيرُ شريكٍ، فمَن أشرَكَ معي شريكًا فَهو لشريكي، يا أيُّها النَّاسُ، أخلِصوا أعمالَكُم فإنَّ اللَّهَ تباركَ وتعالَى، لا يقبلُ من الأعمالِ إلَّا ما خلصَ لَهُ، ولا تقولوا هذِهِ للَّهِ وللرَّحمِ، فإنَّها للرَّحمِ، وليسَ للَّهِ منها شيءٌ، ولا تقولوا هذِهِ للَّهِ ولوجوهِكُم، فإنَّها لوجهِكُم وليسَ للَّهِ منها شيءٌ” الترغيب والترهيب 1/40.)لا بأس به(.
أما العمل الخالص في المهنة والصنعة والوظيفة فهو مدعاة لاحترام الناس وكسب لثقتهم والقيام بمصالحهم على الوجه المطلوب ففيه من الراحة والطمأنينة والرضا النفسي ما فيه، استشعارا من العامل إبراء ذمته وإخلاء مسؤوليته من واجب عمله، وفيه أيضا استحلال للمكسب والمطعم والمشرب، وهذا سبيل لاستجابة الدعوة من الباري عز وجل.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا سعدُ! أَطِبْ مَطْعَمَكَ، تَكُنْ مستجابَ الدعوةِ، والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، إن العبدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ منه عَمَلَ أربعين يومًا” السلسلة الضعيفة:1812) ضعيف جدا(.
وكل هذه المعاني الجليلة التي تتجسد في قيمة الإخلاص، تناقض في عمومها سلوكات ذمها الإسلام ونهى عنها كالغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل والتغرير بهم في أرزاقهم ومكاسبهم ومصالحهم، فعن النبي صلى الله عليه وسلم “أنه مرَّ علَى صُبرةٍ مِن طعامٍ فأدخلَ يدَهُ فيها، فَنالَت أصابعُهُ بللًا. فقالَ: يا صاحبَ الطَّعامِ ما هذَا؟ قالَ: أصابَتهُ السَّماءُ، يا رسولَ اللَّهِ. قالَ: أفَلا جعلتَهُ فَوقَ الطَّعامِ حتَّى يراهُ النَّاسُ، ثمَّ قالَ: مَن غشَّ فلَيسَ منَّا” صحيح الترمذي:1315.
والإخلاص قرين الصدق، كل منهما يتكامل ويتظافر بمقتضى وجود الآخر، ولذلك وصف القرآن الكريم في غير ما موضع أهل الصدق من الأنبياء والأتقياء والصالحين بصفة الإخلاص، كقول الله تعالى في حق يوسف عليه الصلاة والسلام: “وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ” يوسف: 24.
فلما تبين الحق بعد مرور سنوات من السجن ظلما، “قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ” يوسف:51، تأكد صدق يوسف وزهق الافتراء الباطل.
يقول القرطبي: “وهذا القول منها إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته.. فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك..” الجامع لأحكام القرآن: 9/183.
فهذا موقف ونموذج من أمثلة كثيرة تجسد لنا مظهرا من مظاهر اقتران الصدق بالإخلاص، فلما صدق المبدأ والمعتقد والمقصد، خلص العمل وتوقف الإقدام عما يعاكس الفطرة ويغاير الصلاح وهذا نور يقذفه الله تعالى في قلب أصفيائه.
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.
والحمد لله رب العالمين.