“إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة” من آثار الإيمان باسم الله السميع (الحلقة 65) ناصر عبد الغفور

4- الفرق بين سمع الله وسمع المخلوق:
تعتبر صفة السمع من الصفات المشتركة، فكما أن الله تعال متصف بالسمع فكذلك المخلوق متصف به، لكن هذا الاشتراك ليس تماثلا بل هو تشابه لأنه لا يتعدى كونه اشتراكا في أصل الصفة أما في كنهها وتمامها فشتان شتان بين سمع الله تعالى وسمع خلقه، وفي الحقيقة إن مثل هذه المسائل يكفينا فيها الآية العظيمة التي تعتبر دستورا في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة، ألا وهي قول الباري تعالى ذكره: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” (الشورى:11).
ومن الفروق بين سمع الله تعالى وسمع المخلوق:
أ- أن سمع الله جل وعلا من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن ذاته سبحانه، فهو لم يزل ولا يزال سميعا، بخلاف سمع الإنسان فهو سمع مخلوق كخلق صاحبه وليس ذاتيا بل مكتسبا.
ب- سمع الله تعالى لم يسبق بعدم ولا يلحقه نقص بوجه من الوجوه بخلاف سمع المخلوق فإنه ناقص بنقصانه، ومن وجوه هذا النقص:
* أنه سمع مكتسب فالله تعالى هو الذي وهبه هذا السمع وأكسبه إياه كما قال تعالى ممتنا: “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)” (النحل)، وقال تعالى: “هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)” (الإنسان).
* أنه سمع معرض للآفات من صمم وضعف وغير ذلك، بخلاف سمع الله تعالى فهو كامل لكماله.
* أن المخلوق لا يستطيع سمع كل شيء بل لا يسمع إلا ما قرب دون ما بعد وما علا دون ما دق أو خفي، ولا يستطيع تمييز الأصوات عند اختلاطها واللغات عند اختلافها، أما سمعه تعالى ذكره فهو سمع مستغرق لجميع المسموعات لا يعزب عن سمعه مسموع كيفما كان.
“فإن الله سبحانه هو السميع لكل الأصوات السر منها والعلن، العالي منها والمنخفض، فلا تشغله الأصوات الكثيرة عن الصوت المنفرد ولا تمنعه الأصوات الصاخبة عن الصوت المنخفض، فإن الله تبارك وتعالى يسمع دبة النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء..”(1).
وعلى العموم فإن سمع الله تعالى كامل لكماله وسمع المخلوق قاصر لقصوره وناقص لنقصانه، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: “للعبد من حيث الحس حظ في السمع لكنه قاصر فإنه لا يدرك جميع المسموعات بل ما قرب من الأصوات ثم إن إدراكه بجارحة وأداة معرضة للآفات فإن خفي الصوت قصر عن الإدراك وإن بعد لم يدرك وإن عظم الصوت ربما بطل السمع واضمحل”(2).
ج- سمع الله تعالى لا يعلم كنهه وحقيقته إلا هو سبحانه، فنحن نؤمن بأن الله تعالى سميع لكن ليس لأحد كيفما كان أن يعلم حقيقة سمعه جل وعلا وكيفيته، قال تعالى: “ولا يحيطون به علما”، وقال تعالى: “فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون”.
أما المخلوق فمعلوم كيف يسمع فقد سخر الله له آلة السمع وهي الأذن بأجزائها من صوان وقناة سمعية وطبلة وغيرها.
جاء في موقع المدرسة العربية ما نصه: “الصوت صورة من صور الطاقة الحركية ينجم عن اهتزاز الأجسام المصدرة للصوت ينتشر الصوت خلال الماء أو الهواء أو الأجسام الصلبة على شكل موجات صوتية طولية في جميع الاتجاهات.
عند وصول الموجات الصوتية إلى أذن الإنسان يقوم صيوان الأذن بتجميعها وتركيزها خلال القناة السمعية لتصل إلى غشاء الطبلة الذي يتأثر بها ويهتز اهتزازات مماثلة (بنفس التردد) تنتقل بواسطة عظيمات الأذن الوسطى التي تقوم بتضخيم هذه الاهتزازات ونقلها عبر غشاء الكوة البيضية إلى الأذن الداخلية محدثة في سائل الليمف الخارجي اهتزازات مماثلة وقوية. تسري بواسطة هذا السائل إلى القوقعة فتؤدي إلى اهتزاز جدارها، وبالتالي اهتزاز الليمف الداخلي حيث توجد الشعيرات وانحنائها. فيتم تنبيه الخلايا الحسية الشعرية فتتولد فيها نبضات عصبية معينة تسرى منها إلى الألياف العصبية السمعية وتنقل عبر العصب السمعي إلى مركز السمع في المخ”(3).
وفي الفرق بين سمع الخالق وسمع المخلوق يقول الإمام أبو القاسم الأصبهاني رحمه الله تعالى: “خلق الإنسان صغيراً لا يسمع(4)، فإن سمع لم يعقل ما يسمع فإذا عقل ميز بين المسموعات، فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميز بين الصوت الحسن والقبيح، وميز الكلام المستحسن من المستقبح ثم كان لسمعه مدى إذا جاوزه لم يسمع، ثم إن كلمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم، وعن إدراك جوابهم، والله عز وجل السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم، مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، والمخلوق يزول عنه السمع بالموت، والله تعالى لم يزل ولا يزال يفني الخلق ويرثهم، فإذا لم يبق أحداً قال: لمن الملك اليوم فلا يكون من يرد، فيقول: لله الواحد القهار”(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- “النور الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى” (ص:336).
2- “المقصد الأسنى” (ص:90).
3- موقع المدرسة العربية.
4- وفي هذا الكلام نظر فقد ثبت علميا أن الجنين يسمع في بطن أمه.
5- “الحجة في بيان المحجة” (1/112-113) دار الراية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *