كل الطرق الصوفية على غير المذاهب الفقهية (3/2) د. محمد وراضي

ورد في باب «ذكر عبادة مالك وورعه وخوفه وعزلته وإجابة دعائه» ما سجله القاضي عياض في الصفحة 53-54 من المرجع المذكور للتو: «قال التنيسي (راوي الحكاية): كنا عند مالك وأصحابه حوله؛ فقال رجل: عندنا قوم يقال لهم الصوفية! يأكلون كثيرا! ثم يأخذون في القصائد! ثم يقومون فيرقصون! فقال مالك: أصبيان هم؟ قال الرجل: لا؛ ثم قال مالك: أمجانين هم؟ أجاب الرجل: هم قوم مشايخ وغير ذلك، (هم) عقلاء! فقال مالك: ما سمعت أن أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا!!!
فقال له الرجل: بل يأكلون ثم يقومون ويرقصون دوائب! (أي يبذلون قصارى الجهد)، ويلطم بعضهم رأسه وبعضهم وجهه!!! فضحك مالك ثم قام فدخل منزله؛ فقال أصحاب مالك للرجل: لقد كنت يا هذا مشؤوما على صاحبنا، لقد جالسناه نيفا وثلاثين سنة، ما رأيناه ضحك إلا في هذا اليوم»!!!
يعني أن ما استهجنه مالك، واستنكره واستقبحه، أبعد -كما قال- عن أهل الإسلام! فالذكر على هيأة الاجتماع مقرونا بالرقص الذي يأتي بعد تناول الطعام، أو غير مقرون به، لم ينص عليه كتاب الله، ولا دعا إليه رسول الله ولا مارسه! إنه إما من فعل الصبيان! وإما من فعل المجانين! أي أنه أبعد ما يكون عن فعل العقلاء!!! وإلا فليتصور القراء رسول الله وأصحابه الكرام في حلقة أشبه ما تكون بحلقة الدرقاويين والعيساويين! حيث تسدل اللحى وتتمايل الأجساد يمنة ويسرة إلى حد أن الراقصين يتبادلون الدفع اللاشعوري في أغلب الأحيان!
وعلى نفس نهج مالك في التصدي للبدع -وللذكر الجماعي مع الرقص بالخصوص- سار كبار علماء المالكية الذين يقدرون ما للسنة النبوية من مكانة في الدين الحق، إذ هالهم تشويهه وتحريفه بإضافات أو بتعديلات تتقاطع في الآن ذاته مع العقل والنقل! فقد سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي المذهب عن فعل الصوفية -وهم يذكرون الله على حد ما يزعمون- فقال: «مذهب هؤلاء بطالة وضلالة وجهالة… وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار»!
وقال العلامة ابن عقيل: «وهل شيء يزري بالعقل ويخرج عن سمت الحلم والأدب، أقبح من ذي لحية يرقص؟ (الرسول وأصحابه كلهم ملتحون)، فكيف إذا كانت شيبة، ترقص وتصفق على توقيع الألحان والقضبان؟؟»!
والأذكار المؤداة جماعة كلها لم تثبت عن رسول الله، ولا صح قط أن الصحابة يؤدونها كذلك، ولا ورد من أي مصدر موثوق بأن واحدا من كبار أئمة الفقه والحديث، كان يعقد حلقات للذكر على هيأة الاجتماع، مع أناس يوصفون بكونهم مريديه أو تلامذته أو أتباعه، فقد تساءل صاحب «الإبريز» عبد العزيز الدباغ -وهو شاذلي الطريقة- عما إذا كانت «الحضرة» أو «العمارة» من فعل الرسول؟ أو من فعل الخلفاء الأربعة الراشدين؟ أو من فعل الصحابة؟ أو من فعل التابعين؟ أو من فعل أتباع التابعين؟ فكان أن انتهى إلى هذه النتيجة المنطقية: «علمنا أن ما لم يفعله هؤلاء القرون الثلاثة لا خير فيه»!!! يقصد ما لم يفعله من عاشوا في القرن الأول، والثاني، والثالث للهجرة النبوية.
وما لا خير فيه، هو الذي أصر المبتدعة على العمل به! وإصرارهم على العمل به (مؤيد رسميا) هو إصرارهم على انتقاد نهج الرسول في التعبد، وهذه من أكبر البدع والضلالات، مقدمين أنفسهم عليه في اختيار كيفيات أحدثوها للتقرب إليه سبحانه كما زينت لهم نفوسهم ما هم عليه يواظبون!
ولم يقف الأمر عند إحداث المبتدعين لكيفيات في الذكر الجماعي قصد التعبد، وإنما هم توغلوا كذلك في إحداث نوع الأذكار التي يرددونها لعشرات أو لمئات المرات! غافلين أو متغافلين عما عليه رسول الله وهو يؤدي واجب العبادة لله عز وجل! فما قاله المشايخ الصوفيون ودعوا إليه وفرضوه على من انضم إليهم كأتباع مخدوعين، متقدم هكذا ظلما وافتراء على المسنون الذي يجب أن يكون عليه من يدّعون أن مالك بن أنس إمامهم في الدين! أو يدعون أن إمامهم فيه هو الإمام الشافعي! أو يدعون أنه هو أبو حنيفة النعمان أو الإمام أحمد بن حنبل!
وما تم لشيوخ الطرق ابتداعه من صيغ للأذكار، لا يمكننا حصره في عجالة من الكلام، وبالتالي حصر ما يحويه من ضلال نظير ما يعبر عنه مسمى «الصلاة المشيشية» أو «المسبعات العشر» المضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم زورا من طرف الحالمين المصدقين بوجود مسمى الخضر!
وليفتح من أراد التوسع في الوقوف على الأذكار الشاذلية المبتدعة كتاب «النفحة العلية في أوراد الشاذلية»، فسوف يجد أول ما يجده «حزب البر» الذي قال عنه صاحبه أبو الحسن الشاذلي: «من قرأ حزبنا فله ما لنا وعليه ما علينا»! وقال: «ما كتبت منه حرفا إلا بإذن من الله ورسوله»!! وهو «ورد الصبح؛ ولا يتكلم (المريد) حال تلاوته، وله سر عظيم في كل شيء لا يعلمه إلا الله»!
مما يعني أن الرجل قبل أن يكتب ما يكتبه، لا بد أن يحصل على إذن من الله ورسوله! إنما كيف؟ وهذا الزعم عند أهله غير قابل للمناقشة! إنه لا يخضع لمنطق العقل! وإنما لمنطق التسليم! إن كان مسموحا لنا أن نصف التسليم بكونه منطقا يقبله العقل السليم!
ثم نمضي في تعداد بقية أوراد الشاذلية لنقف عند «مناجاة ابن عطاء الله السكندري» و«المنظومة على سفينة النجاة» لسيدي أحمد زروق (مجدد الشاذلية الثاني بعد الجزولي صاحب «دلائل الخيرات») فيكون من بين الظلام الذي تشتغل به الفرق الصوفية المنتمية إلى الشاذلية -وهي كلها كذلك ما عدا القادرية والتجانية- ما ورد في منظومة زروق المشار إليها قبله، ومن ضمنها قوله:

وملكت أرض الغرب طرا بأسرها           وكل بلاد الشرق في طي قبضتي!
فأرفـع قدرا ثم أخفـض منصبــــــا           بـأرفــع مقــدار وأرفــع همـــــــة
وأعـزل قومـا ثم أولي سواهـــــــم           وأعلي مقام البعض فوق المنصـة
أنا لمريـدي جـامــع لشتاتـــــــــــه           إذا ما سطا جور الزمان بسطوتي

ثم نمضي للوقوف على مزيد من أنواع الظلاميات التي هي بالنسبة للفرق الشاذلية أذكار تفعل في أصحابها فعل «الإكسير» المتدفق من عين الحياة إن هم حصلوا عليه!!! دون أن نحصي كل الأذكار الشاذلية لكثرتها! تكفي الإشارة إلى أن خاتمتها هي ذكر عبد الوهاب الشعراني صاحب «الطبقات» التي تزخر بخرافات وأضاليل وترهات لا حد لها ولا حصر! وأعد بتقديم بعض منها في المقبل من الأيام.
وهل نقول -بعد كل ما قدمناه موجزين-: إن المنتمين المغاربة إلى الطرق الصوفية الشاذلية مالكيون؟ والحال أن مالك قد تبرأ منهم مسبقا من خلال مواقفه المشهورة من مختلف البدع! (انظر ترجمته في ترتيب المدارك)، فكيف لو قيل له: إن مجدد الشاذلية المزعوم أحمد زروق، ادعى في منظومته أنه يمسك في طي قبضته مشارق الأرض ومغاربها؟! وأنه يرفع قدر من يريد ويخفض قدر من يريد! وأنه يعزل من يريد عزلهم عن مكانهم ليولي قوما آخرين بدلا عنهم كما يحلو له! وأنه جامع لشتات أتباعه إن هم تعرضوا لجور الزمان! وما عليهم إن وجدوا أنفسهم في ضيق وشدة، سوى أن ينادوا باسمه فيحضر لإنقاذهم في لمح البصر! وكأنه ينكر قوله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}!!
هذا عن شريط أذكار الشاذلية، وموعدنا في العدد المقبل بحول الله مع شريط أذكار القادريين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *