الخطاب التربوي في ألفية ابن مالك طارق الحمودي

الأدب حلية المتعلمين، وزينة العلماء العاملين، وهو من أهم ما يبادر إليه ألوا الألباب والهمم، إذ هو ثمرة التعلم، ودليل الإخلاص في الطلب ، وقد كان علماء السلف يحرصون على تأديب طلبتهم أكثر من حرصهم على تعليمهم الحديث وغيره ، فقال مخلد بن الحسين لابن المبارك كما في تذكرة السامع والمتكلم للإمام بدر الدين بن جماعة الشافعي رحمه الله تعالى: «نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث ». وكان الآباء يوصون أبناءهم بالأدب قبل الطلب، كما قال بعضهم لابنه ـوهو في التذكرة ـ: «يا بني، لأن تعلم بابا من الأدب أحب إلي من أن تتعلم سبعين بابا من أبواب العلم ».. وقد لا حظت وأنا أطالع ألفية الإمام ابن مالك في النحو، أن مصنفها رحمه الله، لم يخل أبياتها التي قصد منها تلخيص القواعد النحوية والصرفية، من ومضات تربوية، في شكل أمثلة بيانية مناسبة لقواعد خلاصته يحلي بها كتابه، وقد أتقن سبك تلكم الخطابات الموجهة في الخلاصة، بأسلوب سلس لا يتفطن إليه إلا من أحسن قراءتها بتدبر وتفهم، مشيرا رحمه الله إلى أنه لا انفكاك للنحو عن الخلق الحسن، والمنهج الصحيح في التدين.

وقد اخترت بعضا قليلا منها على ترتيبها في الخلاصة غير مستوعب والله أعلم، للدلالة بالأقل على الأكثر، واقتصرت على محل الشاهد فيها معتمدا على حفظ من يحفظ، وعلى سهولة الرجوع إلى الخلاصة.

قال المصنف رحمه الله:

كلامنا لفظ مفيد كـ(استقم)

هذا من جميل براعة المصنف في التمثيل، وليس أروع من الابتداء بوصية الاستقامة على صراط الله تعالى، وليس في الكلام العربي المركب المفيد أحسن من الدعوة إلى الاستقامة على شرع الله تعالى.

وشاع نحو (خاف ربه عمر)

يشير رحمه الله تعالى إلى خوف عمر بن الخطاب الذي يضرب به المثل، فقد كانت صورة الحساب لا تفارقه رضي الله عنه برهة، خوفا من الله تعالى.

(ورغبة في الخير خير)

أشار رحمه الله تعالى إلى أن النية خير من العمل، وليس معنى هذا الإعراض عنه، والاقصار على النية دونه، بل المقصود منه أن العبرة بالنية عظيمها وحقيرها، فرب عمل قليل تعظمه النية.

كـ(ما لنا إلا اتباع أحمدا)

قصد المصنف بهذه العبارة القوية أن يعلم القارئ أنه ليس للمسلم اختيار أمام حكم الله ورسوله، وأنه لا سعادة له إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

تنصبه كـ(كان سيدا عمر)

يشير رحمه الله تعالى إلى مذهب أهل الحق في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهم يعتقدون أنه سيد من أكابر سادات المؤمنين، إمام من أئمة الهدى المهتدين، وثاني الخلفاء الراشدين، والفاروق الإلاهي بين الحق والباطل، القوي الشديد، والملهم الشهيد، الذي قتل غدرا على يد أعداء الدين، تولى كبرها أبو لؤلؤة المجوسي، الذي يحبه الشيعة لأجل قتله عمر، ويسمونه (بابا شجاع الدين) فهم يكفرون صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ويخصون أبا بكر وعمر بالزيادة، فعليهم من الله ما يستحقون.

(وقد تزاد كان في حشو كـ(ما كان أصح علم من تقدما)

تعجُّبُ المصنف من صحة علم من تقدم أبلغُ في مدحه، وكان هنا زائدة كما هو معنى البيت، وفيه رد على من قال: «مذهب السلف أورع ومذهب الخلف أعلم»، فالصواب أن السلف هم أصح علما وأورع القرون مطلقا، كيف لا وهم أهل لا إله إلا الله وأعلم الناس بمعناها ومقتضياتها بشهادة الله لهم.

من بعد نفي أو مضاهيه كـ(لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا)

يشير المؤلف إلى تحذير الباغي من استسهال ما يفعله، لأن عاقبة الظلم ظلمات يوم القيامة كما صح بذلك الخبر.

ميز كـ(أكرم بأبي بكر أبا)

أشار والله أعلم إلى مذهب أهل السنة والجماعة في توقير أبي بكر وحبه وتقديره فإنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وخليفته الأول من بعده، والسائر على نهجه، والمقتدي بهديه رضي الله عنه، خلافا للشيعة الذين يسبونه بل يكفرونه وباقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

معناه كـ(المُعطى كفافا يكتفي)

هذه زبدة الزهد وخامته، فالاكتفاء بالكفاف الحلال من شيم الصالحين أهل العرفان والمراقبة، وقد كان هذا الخلق قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم  وكان عليه الصلاة والسلام يطيب خاطر أمته بمثل ذلك، ويرغبهم في سلوك مهيعه.

معنى كـ(محمود المقاصد الورع)

الورع أس الدين ورأس مال الصالحين، وهو مقصد من مقاصد السالكين،  وحالة لا يعرف لها حد، ولا يستطيع أن يصفها أحد، وقد سئل الإمام أحمد عن حد الورع فقال: لا أدري. كما في كتاب الورع للمروزي. وهي مقصود النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور لا يعرفها كثير من الناس…»الحديث.

كـ(طاهر القلب جميل الظاهر)

هذه إشارة ممتازة من المصنف رحمه الله تعالى إلى ما فرط فيه عموم المتسنين، حين أقبلوا على إصلاح الظواهر متغافلين أو غافلين عن إصلاح البواطن، وهو  داء يذهب ببهاء الالتزام والاستقامة، فالباطن أصل للظاهر، والظاهر عنوانه، وهما متلازمان غالبا إن كان الإخلاص الصمغَ الذي يجمعهما، مع التنبه إلى فائدة غريبة على ثلة من الأسماع وهي أن للظاهر تأثيرا في الباطن وأثرا، فقد يستعين العبد بالجوارح على استمالة القلب إلى الصراط المستقيم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم». وهذا خلاف ما يعتقده بعض العوام من أن الاقتصار على إصلاح الباطن زعموا يغني عن إصلاح الظاهر والذي ذكرناه من تلازمهما يرد عليهم فمحال أن يصلح الباطن ولا يظهر على الظاهر من أثره شيء إلا أن يكون ذلك كذبا أو لعلة.

وفي المثال أيضا تنبيه إلى وجوب التحلي بأدبين من آداب طالب العلم، وهما إصلاح الظاهر بتحسين الهيئة والسمت والتخلق برفيع الأدب وإصلاح الباطن بالنية الصحيحة وتزكية النفس.

كـ(العلم نعم المقتنى والمقتفى)

أحسن المصنف في سَوْق هذا المثال بمثل هذه العبارة البليغة فقد مدح العلم وسيلة ومقصدا، وهو المعروف، فعلوم الحديث واللغة وغيرها كلها وسائل لمعرفة العبد ربه وهو أجل علم وهو المقصد، إذ شرف العلم تابع لشرف المعلوم، والله تعالى أعلى وأعلم.

(إياك والشر) ونحوه نصب

هذه نصيحة عامة بترك الشر وهي تشمل نصف الدين والنصف الآخر يشمله الأمر بالخير، وليس الدين كله إلا أمر بمعروف وخير بجلب مصلحة، أو نهي عن منكر وشر بدفع مفسدة، وقد أشار المصنف إلى النصفين منطوقا ومفهوما فأشار إلى الشر بمنطوق صريح، وأشار إلى الأمر بالخير بمفهوم المخالفة والله تعالى أعلم.

حتم كـ(جد حتى تسر ذا حزن)

أراد المصنف عليه رحمة الله حض القارئ على كشف ضيق الإخوان والسعي في قضاء حوائجهم، وأحسن التعبير لذلك بعبارة رائعة فتأملها.

كـ(إن تجد إذا لنا مكافأه)

أي عندنا مكافأة. وهذا من الأخلاق الرفيعة التي امتاز بها الإسلام، وهي مكافأة من أسدى إليك معروفا، فإن فيها شكرا للناس وتأليفا للقلوب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *