مرت ثلاثة أشهر منذ بداية تطبيق عقد الحماية الذي عُهد للجنرال ليوطي تطبيق بنوده، فما الذي تم تحقيقه بعد مرور ثلاثة أشهر من سريان تنفيذه؟
بوصول الجنرال ليوطي لفاس باعتباره قائد القوات الفرنسية العاملة بالمغرب والتي كانت تابعة لوزارات مختلفة وتحت قيادات مختلفة، تم توحيدها تحت قيادته ووضع لها برنامجا متناسقا ومتكاثفا يهدف لغاية واحدة هو مزيد من الاختراق والتهدئة باسم السلطان، مع إبراز للقوة لتفادي استعمالها، مستخلصا أن الوضعية بالمغرب تتطلب تحقيق ضمان أمن المناطق المحتلة، وسلامة التواصل بين العاصمة فاس والبحر، معتبرا أن مفتاح حل المسألة المغربية يكمن في فاس باعتبار مكانتها ورمزيتها.
ولضمان السيطرة عليها يجب إيجاد منطقة آمنة حولها من جهات الشمال والشرق والجنوب، لأن في الشمال قبيلة اشراكة، وفي الشرق هناك تجمعات معادية تجتمع على الضفة اليمنى لواد سبو على بعض كلومترات من المدينة؛ وفي الجنوب تدور مواجهات حول صفرو تقريبا يوميا مع المعادين لتواجدنا.
ولمعالجة هذه الوضعية تم تكليف الجنرال “كورو” بالاستقرار بالمنطقة المضطربة، بصلاحيات واسعة سياسية وعسكرية تجعل من عمله عملا وازنا فعالا، يؤدي للقضاء على الوحدات المعارضة التي تعذر إخضاعها واستسلامها بالقوة، وتنظيم المجال الخاضع للسلطة الفرنسية، وتنظيم إدارة الاحتلال.
لقد انطلق عمل “كورو” يوم 14 يونيو 1912 ضد البؤر المتمردة بقوات متحركة مكونة من ثمانية كتائب ونصف، وسريتين وبطارية محمولة، وأربع فصائل مدفعية جبال لتحقيق إقامة المنطقة المحمية حول فاس السالف ذكرها، وبذلك تم استقرار الوضع الأمني في الجهات الثلاثة: الشمال والجنوب والشرق، بعدما نجحت قواتنا المتواجدة بحامية صفرو في الإمساك بالعناصر التي فشلت في إثارة الفتنة والبلبلة في القبائل الخاضعة.
كما أن عمليات كلون “دالبيز” شرعت في إبعاد الثوار الملتفين حول سيدي رحو عن بني امطير والحيلولة دون تجمعهم ومساعدتهم وتقوية صفوفهم، كما نجح “كورو” في توجهه لقبيلة لحياينة شرق فاس، حيث قضا على تجمعات معادية في عين بومرشد، بعدما مكث هناك أسبوعا كاملا في طقس حار ملتهب لإفهام المتمردين بعدم جدوى مقاومتهم.
وبفضل دعم قائد أهلي وشرفاء المنطقة المرافقين لقواتنا بقيادة “كورو” بدأت التهدئة تسود في منطقة لحياينة في الأيام الأولى من شهر يوليوز 1912، بطلب الأمان من أكبر الفخذات، إلا أنه مع الأسف لم يمتد ذلك الفعل لعمق المنطقة، إذ سرعان ما قام “روكي” في فشتالة ضدنا ضاما إليه سكان مناطق موالية لنا في اشراكة.
مشروع “بوحمارة المزور” هذا، انتشر بشكل سريع في البلاد الخاضعة لنا، وصار يشن على قواتنا هجمات حيوية تتصاعد باستمرار، إلا أن أمره انتهى في الأخير بهزيمة قاسية رجع بعدها الكلون المتحرك لفاس بعد إعادة اشراكة للطاعة وباقي الفخذات المتمردة التي تبعت الروكي المزيف.
بيد أن هذا الأخير رغم الهزيمة التي لحقت به، عاد من جديد لما كان قد قام به من هجمات على قواتنا وما خضع لنا من فخذات ومناطق، بتحريض من بعض سكان اشراكة الرافضين لنا وسكان شرق لحياينة وآخرين من النواحي الخاضعة لنا مما استوجب على “كورو” إقامة مراكز عسكرية متعددة مسندة من قبل مجموعات عسكرية متحركة، تُكوَّن بفاس وترسل للميدان عند الحاجة، لتعزيز قوات المراكز الثابتة لتلك المراكز المنتشرة وسط المناطق الخاضعة لتثبيت التهدئة ومراقبة تحرك السكان.
كما انتعش الأمن في نواحي مكناس لضمان أمن المواصلات بين فاس والبحر وإعادة النظام لجنوب مكناس بتدخلات من الجنرال “دالبيز” الذي عالج البؤر المضطربة هناك في منتصف يونيو في كل من بني امطير وكروان والعناصر التي تنشط بين الحاجب وإفران، فضمن بذلك هدوء فخذة من بني امطير، وأبعد العناصر المتمردة عنها الرافضة الخضوع والطاعة، مواصلا معالجة مسألة متمردي كروان في إطار حل شامل للمنطقة برمتها تضمن أمن الطريق والساكنة الخاضعين.
لقد كان أمام قواتنا العاملة في هذه المناطق مواجهة ثلاث مجموعات معادية، هي:
– منشقو قبيلة بني امطير الرافضين الخضوع والطاعة وطلب الأمان.
– أنصار القائد حمو الزياني.
– قوات سيدي رحو.
العنصر الأول من متمردي بني امطير معادل للخاضعين لنا، ولا يقاتل الآن، لكنه يكن لنا عداء كبيرا وعلى استعداد لقتالنا في أي وقت وحين.
أما القائد حمو “الثائر الديني” فواضح أنه مدعوم من قبائل أخرى خارجة عن منطقته، كزعير مثلا الخاضعة لنا في الجزء المتاخم للشاوية وطريق فاس الرباط، وقد فرض علينا معارك لم نكن نريدها، كما أننا لا نريد التشبث بالأماكن التي تم احتلال قواتنا لها والمتاخمة لقبيلته، بيد أننا منعنا سكان الجبال التابعة لنفوذه من النزول للسهل لحراثة أرضهم، وبالرغم من أنه لم يتدخل ضدنا إلا أننا سجلنا هجمات على مراكزنا من قبل مجموعات مقاتلة موالية له.
بقي الوصول لسيدي رحو، قائد المتمردين -الذي ليس سهلا- والذي سبق أن أعلن مهاجمة صفرو مع أيت سغروشن التي سبق لنا الاستيلاء عليها.
الجنرال “دالبيز” الذي سبق أن فشل في إخضاع بني امطير لا بد له من أن يجد وسيلة لسحق قوى المقاومة الصلبة هناك، ويلوح أنه سينجح في ذلك قريبا بفضل تحرك مباشر في ناحية صفرو من أجل التخلص من الغارات الدائمة التي يشنها موالو سيدي رحو على مركزنا بصفرو؛ بيد أن عمله لن يكون كافيا إلا إذا تحركت القوات العاملة في مختلف المناطق بشكل متعاون ومباشر في نفس الوقت انطلاقا من مكناس وفاس وصفرو للقضاء على جميع نقط تواجد المتمردين والمعادين للقضاء عليهم بصفة نهائية.
تجدر الإشارة للوضع المضطرب في مراكش جنوب غرب المغرب، حيث لم يستطع الباشا مَنُّو تنصيب السي محمد لكلاوي بدله، كما أن لمتوكي وضع عاصمة الجنوب أمام جملة من التحديات تسمح بعودة الفوضى للحوز، زد على ذلك تنافس القياد الكبار للساحل ومعاداة بعضهم البعض يثير الكثير من علامات الاستفهام حول ولائهم.
كما أن نجاح الهبة بن ماء العينين في المناداة به سلطانا للجنوب سار يتأكد يوما بعد يوم، وقوته تتنامى وهو متوجه للشمال مقتربا من مراكش، ويمكن القول بأنه استولى على كل سوس، محرضا على اجتياح المغرب بأكمله، وقياد الحوز ينظرون له بعين الرضا والقبول، ولدينا دليل على تواصله مع الزياني من أجل توسيع مجال الثورة التي يقودها ضد تواجدنا، وحركته الزاحفة للشمال تثير الفوضى في القبائل التي يصلها أنصاره والداعين له، وذلك بدرجة مخيفة.
وبعبارة أخرى ليس هناك عنصر قوي في منحدرات شمال الأطلس المتوسط، ممن يمكن الاعتماد عليه للوقوف في وجه زحفه نحو مناطقنا المحتلة الخاضعة لنا.
صحيح أن الوضعية في مراكش غير متفاقمة؛ لمتوكي متمترس في موقعه بالقوة، ولا يتوقع في الوقت الحالي السيطرة عليه، لكن لا شيء موثوق به في هذا الجانب.
الصعوبة المطروحة في الجنوب ناتجة عن عدم ثقتنا في قياد تلك النواحي من كونهم سيقفون لجانبنا ضد زحف الهبة ومساعدة أعدائنا له في التخوم المحاذية لمستعمراتنا في الشمال والشمال الشرقي، مما يعاظم قوته.
(أنظر “إفريقيا الفرنسية 1912″، ص:299 وما بعدها).