تعليقاتي على الكتب ربيع السملالي

1- يقول الدّكتور عبد الفتاح كيليطو في كتابه (لن تتكلّم لُغتي ص 38 ) ط دار الطّليعة بيروت :
الجاحظ لا يتكلّم باسمه، وإنما ينسب الكلام إلى الغير، وهي طريقة عزيزة عليه، وكثيرًا ما يلجأ إليها، ليس في كتاب الحيوان فحسب، وإنما في سائر كتبه ورسائله. وهذا يقتضي منا أن نحترس وأن لا نسارع إلى الاعتقاد بأنه يؤمن ضرورة بما يعرضه من آراء، مثلما أننا، عندما نقرأ رواية من الروايات، لا نجزم بأن ما يفوه به أشخاصها يعكس حتمًا اعتقاد الكاتب. اهـ.
قلتُ:
بل من قال كلامًا فيه سوءُ أدبٍ مع الله، أو استخفاف برسُله وملائكته وآياته وغير ذلك من الأمور المُقدّسة في ديننا، فقد خلعَ ربقة الإسلام من عنقه إن كان مسلمًا، وحتّى لو قالها على سبيل اللّهو واللّعب بين شخوص رواياته، وهذا شيء لا أظنّ أحدًا من علماء الإسلام خالف فيها، إلاّ إذا كان المُرجئة أو الجهمية ..
يقول شيخ الإسلام ابنُ تيمية في كتابه الصّارم المسلول: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يقصد الكفرَ أحدٌ إلاّ ما شاء الله .
قلتُ: وسأضرب لذلك مثالا ليتّضح المقال، في رواية (إنّي راحلة) للهالك يوسف السباعي ص 307 على لسان البطلة: ما فائدة قدرته [يعني الله] إن لم يُعِد إليّ أحمد؟ …إنّي أكرهُ الله كما كرهني.. إنّي أكفرُ به لما قسا عليّ به. لقد كنت كافرة بالحب.. فأصبحتُ ملحدةً بالله.. وبكلّ شيء.
ومثل هذه الأقوال الشّنيعة تعجّ بها الرّوايات العربية.. فكيف نقول يا أستاذنا كيليطو (عندما نقرأ رواية من الروايات، لا نجزم بأن ما يفوه به أشخاصها يعكس حتمًا اعتقاد الكاتب). أما علمتَ أنّ كلّ إناء بما فيه ينضح !

2- ذكر علاّمةُ المُحقّقين عبد السّلام هارون في كتابه تحقيق النّصوص ونشرها ص 63-64 ط مكتبة الخانجي أنّه قرأ كتاب الحيوان للجاحظ سبع مرّات حين أراد أن يُحقّقه !
قال ربيع :
كتاب الحيوان يقع في سبع مجلّدات! فانظر -يرعاك الله- إلى هِمّة هذا الرّجل، وصبره على سبر أغوار هذا الكتاب الدّسم! كان العلم يجري في دمهم هو وأمثاله من علماء التّحقيق في ذلك الوقت الذي لم يمرّ عليه الكثير! وهذا كتاب واحد فقط، وإلاّ فله عشرات التّحقيقات على عشرات الكتب لا يتّسع وقتي الآن لذِكرها !
أمّا اليوم فأصبح كلّ من هبّ ودبّ يبحث عن مخطوطة مُصوّرة فيقرأها قراءة سطحية كلّ همّه أن يرى اسمه (النّكرة أبو فلان الأثري السّلفي) على جلدة الكتاب متربّعا تحت عرش اسم صاحب الكتاب الأصل، لعلّه يقرن به أو يسير في ركابه ولو عن طريق الوهم !ثمّ يخرج الكتاب بعد ذلك مشوّها خديجا لا علاقة له بالتّحقيق، ولا وشيجة بينه وبين هذا العمل الذي كان العلماء ينفقون في سبيل القيام به الليالي والأيام والشّهور والأعوام !
وصدق أستاذي بلبصير حين قال لي يومًا: في هذا العصر أصبح بعض أدعياء التّحقيق يفعلون كما قيل قديما: خذ من هنا ومن هنا وقُل هذا كتابنا !
3- لستُ بطلاً بالتّأكيد، أنا شخص ما يحبّ الأدب، شخص ما يؤمن بعمله ويخلص له ويحبّه أكثر من حُبّه للمال أو الشّهرة، لو أتى المال وأتت الشهرة فمرحبًا بهما، لكنّهما لم يكونا غايتي أبدًا، فأنا أحبّ الكتابةَ أكثر من أي شيء آخر !
نجيب محفوظ / مجلة العربي العدد 576 ص28.
قال ربيع:
وقد صدق لله درّه فالعمل الذي يمارس بلا حبّ ولا إخلاص يبوء بفشل ذريع، أو يكون هزيلا ضعيفًا لا قيمة له ..وفي هذا المعنى يقول الدكتور صبري قباني في مقدمة كتابه الجميل يوميات طبيب ص 7 :
كلّ مهنةٍ إذا فرغت من المحبة غدتْ حركة جوفاءَ آلية كتلك التي يؤدّيها الإنسانُ الآليّ، المحبّة هي التي أبدعت الرّوائع الإنسانية، وهي التي لولاها لتعذّر كلّ تقدّم وعمران !

4- ذكر الأستاذ فهد بن صالح الحمود في كتابه الماتع (قراءة القراءة) أنّ العلاّمة ابن دقيق العيد حين وصل إليه كتاب الشّرح الكبير للرافعي، اشتغل بمطالعته وصار يقتصر في الصّلَوات على الفرائض فقط !
قال ربيع‬ :‬‬
أمّا نحن وما أدراك ما نحن، فحين وصل إلينا الفاسبوك اشتغلنا به وبتفاهات أربابه عن الصّلوات، فرائضها ونوافلها، وأضعنا الحقوق والواجبات وفسدت منّا الأخلاق، وظهرت عيوبنا على مرأى ومسمع العالم بعدما كانت مستورة لا يعلم بها إلاّ الله وبعض أفراد القبيلة ..!

5- ومن هنا أقول: يجبُ أن يحصلَ المُبدع على عائدٍ من كتبه وأن تكون العلاقة بين النّاشر والمبدع والمُوزّع معروفة ومحكومة بقوانينَ لا تظلمُ المبدع ولا تأكل حقّه !
مجلّة العربية العدد 464 المقالة الافتتاحية يوليو 2015م
قلت :
وفي هذا الصّدد يقول الكاتب والشّاعر التونسي الرّائع منصف المزغني في مقالة له ساخرة في مجلة دبي الثقافية العدد 105 ص75 :
فجميع الحقوق منقوضة ومرفوضة ومعضوضة ومرضوضة وغير محظوظة ومقروضة وغير مفروضة، وما حقوق الكتاب في جزء كبير من عالمنا العربي إلاّ شبيهة بحكاية بعوضة !
ويقول واسيني الأعرج في مقالة له بعنوان فوضى الأدغال الورقية، في المجلة العربية العدد 461 ص 83-84 :
لا يوجد كاتب عربي واحد يستطيع اليومَ أن يُعلن بدقّة كم كانت مبيعات كتبه. العدد؟ الأمكنة؟ الحقوق؟…اهـ
ومن لطيف ما يحضرني حين كنت أقرأ قبل عشر سنوات كتب عصام البرقاوي الشّهير بأبي محمد المقدسي الإلكترونية التي تتحدث عن الجهاد، عبارة كان يُصدّر بها كُتبَه وهي: جميع الحقوق غير محفوظة إغاظةً لأعداء الله !

6-(وشاءت سُخريةُ القَدَر) !
لم أكن أتوقّع أن تصدر هذه الكلمة من قامة علمية فكرية أدبية لها باع كبير في سبيل نصرة دين الله.. ذاك هو العلاّمة المغربي عبد الله گنون في كتابه التّعاشيب ص 79! ..فالقضاء والقدر من أصول إيماننا السّتة ..والله هو صاحبه لا يُسأل عما يفعل! ..لذلك لا يجوز أن نصف القدر بالسخرية أو اللعنة أو العبث كما فعل نجيب محفوظ الذي سمّى رواية له بعنوان قبيح وهو (عبثُ الأقدار) ..وهذه الألفاظ كثيرة جدًا في الرّوايات فالحذرَ الحذر !

7- يرى ابنُ الجوزي في صيد خاطره أنّ تأليف الكتب الشّرعية لا ينبغي أن يُقْدِم عليها طالبُ العلم إلاّ بعد سنّ الأربعين، أمّا قبلها فهو زمن الطّلب والحفظ والقراءة والانشغال بالعلم، وأكّد أنّ المقصود من التّأليف ليس جمع شيء كيف كان، بل ينبغي أن يجمع ما تفرّق، أو يُرتّب ما شُتّتَ، أو يشرح ما أهمِل، هذا هو التّصنيف المُفيد.
وفي مقدّمة كشف الظّنون لحاجي خليفة فصل مهمّ عن مراتب العلم وشروط التّأليف، وللسيوطي رسالة مختصرة اقتنيتها، وطالعتها عنوانها (التّعريف بآداب التّأليف) فلعلّ من الخير الاطّلاع عليها، لمن يهمّه الأمر، وكذلك رسالتي التّعالم وحلية طالب العلم، كلاهما للبحاثة بكر أبي زيد يجمل بالكاتب قراءتهما حتّى لا تحمله نفسه على التّزبّب قبل التّحصرم، والتّصدر قبل الأوان، وقد ذكر السيوطي في مقدّمة كتابه بُغية الوعاة أنّه طالع ثلاثمائة كتاب من أجل تصنيف هذا الكتاب، والشيخ أبو غدّة استغرق في تأليف كتابه: صفحات من صبر العلماء، عشرين سنة، وهو في مجلّد واحد ..ولا أعرف رجلا يكثر من التّأليف والجمع من هنا ومن هنا بلا كبير فائدة، كالشيخ أبي عمار محمود المصري، عنده إسهال في القَصّ واللّصق نسال الله السّلامة والعافية !

8-قال الدّكتور سلمان العودة في آخر سطر من كتاب الزنزانة ص 379 :
قبل أن تغادرَ يمكنك أن تُدوّن لصديقك بعض انطباعاتك التي خرجت بها .
وهذا انطباعي الأوّل :
أشعرُ بالفخر حين أنهي كتابا كثيف الأوراق والصفحات، ويعتريني حزن شديد لمفارقته بعدما قضيت في صحبته والجلوس إليه الليالي ذوات العدد، وهذا ما حصل لي الليلة مع كتاب زنزانة للدكتور سلمان العودة (عدد صفحاته 379).. انتهيت من قراءته فانتهت بذلك متعتي للأسف الشّديد ..فهو كتاب كما قلت لمن سألني عنه :
الكتاب مقالات دُبّجت بطريقة أدبية جميلة، ولغة سلسلة، يمكن تصنيفه ضمن ما يُسمى بالتّنمية البشرية، لكن برؤية إسلامية صرفة، وتجارب حياتية مهمّة جدّا، مع إعطاء أمثلة، وقصص من الواقع ومن التراث ..وهذه المقالات في مجملها، تتحدّث عن عادات الإنسان وتقاليده في جميع جوانبه الدّينية الدّنيوية وعالجها بطريقة ميسرة يستوعبها الجميع فيما أعتقد ..فهو يشحذ الهمم للخير والحب والجمال …حقيقة الكتاب أحببته أكثر مما ينبغي ..!

9- استشهدَ الأستاذ الدّكتور عمر سليمان الأشقر رحمه الله في كتابه (صفحات من حياتي ص 7-8 طبعة دار النّفائس للنّشر والتّوزيع) بهذا البيت الشّعري الذي ذكره العلاّمة ابن كثير في البداية والنّهاية في ترجمة ابن الجوزي :
مازلتَ تدأبُ في التّاريخ مجتهدًا …حتّى رأيتكَ في التّاريخ مكتوبًا
ثمّ قال: لقد صار ابن الجوزي تاريخًا، وصار ابن كثير تاريخًا، وسأصير أنا تاريخًا، فليس هناك أحدٌ خالد في هذه الحياة، فكلّنا هالكون أبناء هالكين !
قال ربيع:
وهنا أتذكر ما قاله القاصّ المغربي إدريس الخوري في مقالة ينعي فيها نفسه:
ها قد بلغت من الكبر عتيا، فماذا تبقى لك من الوقت لكي تختفي عن الأنظار نهائيا؟ (هذا ما يتمناه بعضهم) تلتفت يمينا وشمالا فلا ترى أحدا بجانبك، الكل منشغل بذاته وبأسرته الصغيرة وأنت قابع في محنتك النفسية والجسدية تجترّ آلامك في صمت .
من يزرع الفرح في قلبك الآن؟ لا أحد إلا حِفنة قليلة من الأصدقاء يملأون عليك وقتك الفائض بحضورهم الجسدي والمعنوي، المقتطع من أوقاتهم، حتى إذا ذهبوا إلى بيوتهم ونسائهم بقيت وحدك تجتر وحدتك القاسية، في بيتك الصغير فوق سطح العمارة.
يُتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *