وقفات أخلاقية مع آية في كتاب رب البرية

قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
يمدنا القرآن الكريم بدعائم الأخلاق وكرائم الخصال، حتى تقوم حياة مجتمع المسلمين على قدر وافر من التقدير والإعزاز والإكرام.
وللقرآن مقاصد ثلاثة: تصحيح عقيدة، وتصحيح عبادة، وإقامة أخلاق.. والأخلاق الحسنة لها أثر جليل في تأسيس المودة والحب بين الناس..
قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت……. فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
في هذه الآية الكريمة نهى الله عن أخلاق ذميمة ثلاثة:
1 – نهى عن السخرية.. وهي الاستهزاء بالآخرين أو التقليل من شأنهم وتحقيرهم، وهذا يخالف الآداب الإسلامية.. قال أحد الصالحين: “لو سخرت من رضيع لخشيت أن يجوز بي فعله”.
2 – ونهى عن اللمز.. وهو الغمز بالوجه مثلاً أو تحريك الشفاه بما لا يفهم، قال الله تعالى: {وقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ}.
3 – ونـهــى عــن التنابز بالألقاب: وهو مناداة الرجل بما يكره من الأسماء، ولذا قال تعالى: {بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ} وهو نَهْىٌ عام في كل لقب يكره المسلم أن ينادى به.
إن الكلمة إذا سَرَتْ سخريةً فإنها تفرق الوحدة وتمزق الألفة.. وهل للشيطان تأثير إلا من خلالها.
ففي الصمت نجاة؛ قال معاذ بن جبل رضى الله عنه: يا رسول الله.. أنحن محاسبون على الكلمة نقولها؟.. فقال صلى الله عليه وسلم: “ثكلتك أمك يا معاذ؛ وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”.
ورَد أن قُسَّ بن ساعدة الإيادي -خطيب العرب- اجتمع ذات يوم هو وأكثم بن صيفي حكيم العرب، فقال أحدهما للآخر: كم وجدت في ابن آدم من عيوب؟ قال: هي أكثر من أن تحصى، وقد وجدت خصلة إذا استعملها سترت عيوبه، وهي حفظ اللسان.
ولله در الشاعر حين قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى…..إن البلاء موكل بالمنطق
تضمنت الآية نهيا عن ثلاث: السخرية واللمز والتنابز، وهن ثلاث تؤرق أمن الجماعة المؤمنة نفسياً، واعـتـبــر الإســلام أن مـــن يعملها إنما يسئ إلى نفسه، ويوجه السهم إلى نحره: {ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} كأن الآية تقــــول: لا تسخر من غيرك فلربما كان في ميزان الله أفضل منك، إن لله موازين يزن بها أقدار الناس وعلى أساسها يتحدد المصير.. إنْ في الجنة وإنْ في النار.
وكأنها تقول كذلك: لا تلمز غيرك فهو أخوك ونفسك، والأخوة بينكما لحمة البناء، فإن فعلت فنفسك تصيب وعيبك تفضح.
وكأنها تقول أيضاً: لا تُنَابِزْ بالألقاب فتؤذي شعور مَنْ تنابزه وتشدخ كبرياءه، وتفصم آصرة الود بينك وبينه.
واعلم أن هذا الجرم قد شبهه المفسرون بالــردة من بعد إيمان: {بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ}. ومن وقع منه ذلك ولم يتب فإنـمــا يظلم نفسه، ويوبقها بأغلال تهوي به إلى الجحيم: {ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ومن الآية نستنبط هذه الإشارات:
أولهـا: لا يليق بمجتمع رباه الإسلام أن تسود فيه موبقات السخرية واللمز والتنابز، ففيه مخالفة للمهمة التي من أجلها بعث صلى الله عليه وسلم حيث قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وثانيها: أن هذه الصفات المسيئة تضع موازين للناس غير موازين الله تعالى حيث قال: {إنَّ أَكْرَمَـكُـمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} فـهـي لا تنتقص الرجل إلا من فقر أو ضعف أو سذاجة وما إلى ذلك؛ وهـــي لا تنتقص المــرأة إلا بسبب دمامة أو قِصَر أو تشوُّهٍ وما إلى ذلك.
إن ميزان الله أساسه التقوى وهو أبقى وأعدل: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ثم أيمكن أن يكرم الله ابن آدم على خلقه ويسخر له البر والبحر والجو، ونُهَوِّنُ نحن من شأنه بشىء مــــن ذلـك..{ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
إن آثار الأمر كما يبدو أبعدُ من أن تكون كلمة تقال تسخر أو تلمز.. لأن الله نهى عن ذلك نهياً أكيداً حفاظاً على قيمة التقوى التي هي ميزان الله لأقدار الناس.
ولقد تضافرت آيات كثيرة على كف الناس عن هذه الصفات قال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} واقرأ السورة إلى آخرها وتصور العقاب: {كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ، ومَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} أي تأكل الجلد فاللحم فالعظم حتى تصل إلى عضلة القلب نعوذ بالله من ذلك الهول: {إنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}، وقال تعالى في سورة القلم يصف الوليد بن المغيرة ضمن أوصاف أخـــــــرى: {هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}.
وقال جل شأنه: {قُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ({ولا تلمزوا أنفسكم} تساوي: {ولا تقتلوا أنفسكم} في سورة النساء).
قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت أكـبـر مـني سناً قلت سبقني بالإسلام والعمل الصالح فهو أفضل مني.. وإذا رأيت أصغر مني ســناً قلت سبقته بالذنوب وارتكاب المعاصي فهو أفضل مني.. وإذا رأيت إخواني يكرمونني قلت: نعمة تفضلوا بها علىّ.. وإذا رأيتهم يقصرون في حقي قلت: من ذنب أصبته.
رحم الله سلفنا الصالح الذين امتثلوا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله تعالى أن يوقنا للسير على دربهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *