الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن، فيسري مفعوله وأثره في باقي جوارحه وأعضائه، كما أنه يهدي إلى القول الثابت وإلى الفعل الصائب في الدنيا والآخرة، وهو ضياء ينير للمؤمن قبره، “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ” إبراهيم: 27.
فقد جاء في الحديث “…فيقالُ له أخبرْنا عما نسألُكَ…عنه فيقولُ: وعمَّ تسألوني؟ فيقالُ: أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه وما تشهدُ به عليه، فيقولُ أمحمدٌ؟ فيقالُ له: نعم، فيقولُ: أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنه جاء بالبيناتِ من عند اللهِ فصدَّقناه، فيقالُ له: على ذلكَ حييتَ وعلى ذلك متَّ وعلى ذلك تبعثُ إن شاء اللهُ، ثم يُفسحُ له في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا ويُنوَّرُ له فيه، ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ…” رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك على الصحيحين.
ونور الإيمان دليل إلى إدراك الحق من الباطل، وإلى الوقوف عند حدود الله، والتبصر في مآلات الأمور والمواقف برشد وبصيرة، وهذا فضل وتأييد من الله عز وجل لمن أراد بهم خيرا من عباده في الدنيا والآخرة، لأنه مستمد من نور الله عز وجل الذي أضاء به الأكوان وأنار به الصدور وكشف به الحقائق وفصل به بين الحق والباطل، وهدى إليه من شاء من عباده، “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”.
وهذا النور الرباني هو حياة القلوب وضياء الصدور وهداية الحائر، ومشكاة التائه في عصر الفتن والأباطيل، من افتقده اكتنفته الظلمات وأصاب العمى بصيرته، واستحوذت عليه الشكوك والهواجس، وأسره الهوى والشيطان، “أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ” النور: 40، وأصابته الأدواء النفسية والعضوية والقلبية، من هم وغم وقلق، وخمول ووهن وكسل، وضمور في القلب وضيق في الصدر، “فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ” الأنعام: 125.
روي أن عبد الله بن مسعود قال: يا رسول الله، وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم يدخل القلب نور. فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت” القرطبي: 7/75.
ويشير القرآن الكريم إلى الصراع الأزلي بين نور الإيمان وظلام الكفر، بين أهل الحق وأهل الباطل، الذين لا يألون جهدا في السعي إلى إخماد جذوة الإيمان ومحاولة إطفاء نوره، بشتى الطرق الماكرة والوسائل المضللة التي يعتقدون أنها كفيلة بذلك، لكنها في حقيقة الأمر لا تزيد من هذا النور إلا توهجا ولا تمنحه إلا سطوعا وإشعاعا، وهذا تأييد رباني من الله عز جل لعباده المؤمنين، فهو المدد الذي لا ينضب معينه والنصير الذي لا يخيب وليه، “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” التوبة: 32.
وكما أن نور الله عز وجل هو الأصل والمصدر والمشكاة منذ بداية الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن ما عداه من أنوار الأجرام المخلوقة من شموس ونجوم وكواكب، وما توصل له الإنسان بالهداية الإلهية من أضواء اصطناعية كالمصابيح الكهربائية، كلها نورها منطفئ، ضياؤها عارض، فلا يبقى لها أي أثر يوم القيامة ولا يستمر لها أي مفعول، فلا نور يومئذ إلا نور الله تعالى ولا ضياء إلا ضياؤه عز وجل، “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” الزمر:69.
كما يصور لنا القرآن الكريم في وصف بليغ مشاهد من يوم الحساب، وفضائل النور الإيماني الذي أمد الله تعالى به أهل الصدق والنجاة، “يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” الحديد:12.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ النَّاسَ يُعطونَ في الموقفِ نورَهم على قدرِ أعمالِهم فمِنهُم من يُعطى نورَهُ مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعى بينَ أيديهِم، ومنهُم من يُعطى نورَهُ أصغرَ من ذلِكَ، ومنهُم من يُعطى مثلَ النَّخلةِ بيدِهِ، ومنهُم من يُعطى أصغرَ من ذلِكَ، حتَّى يَكونَ آخرُهم رجلًا يُعطى نورَهُ على إبهامِ قدَميهِ يضيءُ مرَّةً ويطفأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قدَّمَ قدمَهُ وإذا طفئَ قامَ” رواه الحاكم وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3629.
نور الإيمان في الآخرة وعد محقق، ويقين ثابت يشهده الأنبياء والرسل والمؤمنون عيانا ويتلمسون حقيقته حسا واقعا ويعيشون حدوثه صدقا، لأنه وعد من الله تعالى جزاء لهم على تصديقهم بكتبه ورسله، واتباعهم أوامرهم واجتنابهم نواهيه، فكما أخلصوا في الإيمان والاعتقاد، كان الجزاء من جنس العمل، بأن حقق لهم ما وعدهم، فما خيب ظنهم وما أخزاهم عن صنيعهم، “يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” التحريم: 8.
وفي موقف آخر يخبرنا القرآن الكريم حال توسل أهل النفاق بهم، كي يمدوهم بشيء من ضياء النور الذي أنعم الله به عليهم بعد أن فقدوه وأظلمت بهم السبل وانقطعت بهم الأسباب، فيأتي الرد القاطع والأمر الواقع بالرجوع إلى الوراء والحرمان من هذا الفضل، بل أدهى من ذلك أن لا وجود لأي فسحة في اللحاق ولا فرصة في الاستدراك، بعد أن يُفصل بينهم بسور جهته رحمة قبالة المؤمنين، وظاهره عذاب على المنافقين، “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ” الحديد:13.
اللهم أنعم علينا بأنوار من عندك، نهتدي بها في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.