نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد نقد موقف ابن رشد من السنة النبوية و مذهب أهل الحديث و مواضيع أخرى ثالثا: نقد موقف ابن رشد من الهداية و الضلال

:

ورابعا إنه -أي ابن رشد- عندما أراد تبرير موقفه والاحتجاج له، تساءل: إذا قيل ما الحاجة إلى خلق صنف من المخلوقات مُهيئين بطباعهم للضلال وهذا جور؟، ثم قال: (إن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك، وأن الجور كان يكون في غير ذلك. وذلك أن الطبيعة التي خُلق منها الإنسان، والتركيب الذي رُكب عليه، اقتضى أن يكون بعض الناس وهم الأقل شرارا بطباعهم. وكذلك الأسباب المترتبة من خارج لهداية الناس لَحِقها أن تكون لبعض الناس مُضلة، وإن كانت للأكثر مُرشدة).  فوجود الخير الأكثر مع الشر الأقل، أفضل من إعدام الخير الأكثر بسب وجود الشر الأقل.

وقوله لا يصح فيما يتعلق بهداية الإنسان وضلاله، لأنه سبق أن بينا أن الإنسان مفطور على الخير والشر، وأنه قابل للهداية والضلال، ومن ثم لا يصح زعمه بوجود صنف من الناس مُهيئين للضلال، وهو زعم يتناقض مع العدل الإلهي شرعا وعقلا، وحقيقة قوله أنه قول بالجبرية.

وأما احتجاجه بالحكمة، فهو احتجاج نقض لها، لأن الحكمة الإلهية لا تقتضي ظلما ولا جورا، وإنما تقتضي عدلا ورحمة ومصلحة، وليس من العدل ولا من الحكمة، ولا من المصلحة أن يخلق الله صنفا من الناس ضالين بطباعهم من دون ذنب ولا اختيار منهم!!. والله تعالى أخبرنا أنه لا يظلم أحدا، وزعم ابن رشد هو الظلم بعينه، فهذا الظلم الذي نسبه ابن رشد إلى الله تعالى يتنزه عنه الإنسان المُحترم العادل، فما بالك برب العالمين أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين،  وأرحم الراحمين؟؟!!.

وأما احتجاجه بالشر القليل والخير الكثير، فهو لا يصح الاحتجاج به في مسألة الهداية والضلال، لأنه سبق أن بينا أن الإنسان مجبول على الخير والشر، وقابل للهداية والضلال، وأنه مسؤول عن أفعاله، حمّله الله تعالى أمانة العبودية، وهذا يستلزم حتما أن يكون كل إنسان حرا على قدر المسؤولية التي كُلّف بها.

وزعمه بأن مُكوّنات الإنسان اقتضت أن يكون قلة من الناس أشرارا بطباعهم فضلّوا، وأكثريتهم كانت خيّرة فاهتدت. فهذا لا يصح، وخلاف الشرع والعقل، لأنه سبق أن بينا بطلان منطلقه الفكري من جهة، وأن الشرع نصّ صراحة على أن معظم الناس كفار ضالون أشرار وليس العكس كما ادعى ابن رشد، بدليل قوله تعالى (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) سورة الفرقان: 50، و (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) سورة يوسف: 103.

وأما واقعا فإن التاريخ والواقع يشهدان على عكس ما قاله ابن رشد، فإن الكفر هو الغالب على بني آدم، فغالبية الشعوب والحضارات التي شهدها التاريخ لم تكن تدين بدين الإسلام، وغالبية سكان العالم اليوم كفار ليسوا بمسلمين، الأمر الذي يعني أن الله تعالى سيدخل الغالبية الساحقة من بني آدم جهنم وبئس المصير. فأين الخير الكثير الموجود في بني آدم مقابل الشر القليل؟، وأليس العكس هو الصحيح؟. لكن هذا لا يعني أن غالبية البشر أشرار بطباعهم، وإنما يعني أن هؤلاء اختاروا الكفر اختيارا أو ورثوه عن أجدادهم، وكان في مقدورهم التخلص منه واعتناق دين الإسلام لو أرادوا ذلك.

ويُستنتج مما ذكرناه أن ابن رشد أخطأ فيما ذهب إليه بسب انحراف منهجه الفكري الذي أقامه على دعوى باطلة، مفادها أن نُصوص الشرع متعارضة في موضوع الهداية والضلال يجب تأويلها بما يُوجبه العقل، وهذا انحراف خطير أوقعه في ذلك الخطأ الشنيع، وقد تتبعنا زعمه وناقشناه فيه وبينا بطلانه شرعا وعقلا وواقعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *