محاصرة كولون ماسوتي بدار القاضي ذ. إدريس كرم

في العدد السابق استعرضنا بداية محاصرة كولون ماسوتي بدار القاضي من قبل الشياضمة ومن معهم من مناهضي الغزو الفرنسي لمحيط موكادور، ونواصل في هذه الحلقة استعراض ما جاء حول ذلك، وكيفية فك الحصار.
قضى ماسوتي الليلة في التخطيط للدفاع عن جنوده، وبحث خطة احتلال دار القاضي المجاورة للمعسكر، واستخدام برجها لتنظيم الدفاع عن جنوده، بعد احتلالهم لها كي يتحصنوا فيها، واتخاذ ذلك البرج مِرقابا للمحيط الذي تنطلق منه الهجمات عليهم من قبل السكان المعارضين لغزو البلاد.
في الساعة الثامنة صباحا تم احتلال البرج والدار من قبل مفرزة، وبذلك تم تأمين الدفاع شيئا فشيئا عن كولون ماسوتي الذي انتقل لها في ظروف حسنة، كما تم جلب بعض أمتعة الجنود والذخيرة للداخل، وما بقي منها في الخارج وضع أسفل الحيطان في انتظار إدخالها، وتم الانتهاء من ذلك في الساعة التاسعة والنصف.
بعد الدخول تم تنظيم الدفاعات، حيث وضعت الرشاشات في مخزن مركزي بالبرج.
الأعداء قاموا بهجوم عنيف لكنه فشل، وحوالي الساعة الرابعة بدأ الثوار يتراجعون في محاولة للاستيلاء على البرج بحيلة، فبعثوا ممثلين لهم من العرب يرمون بعصيهم في الهواء للأمام معلنين بصوت عال (أوقف إطلاق النار)، وقد انتهز المغاربة فرصة توقف إطلاق النيران للاقتراب من البرج ونهب الأغراض الباقية أسفل الحائط، في حين قام آخرون بدعوة جنود طابور البوليس للارتداد والالتحاق بهم، أما الأكثر جرأة والمتهورون فقد تسلقوا السور معتقدين أنهم سينزلون في ساحة الدار، فتم إطلاق النار عليهم من قبل المدافعين، فسقطوا قتلى بمجرد ما تم وصولهم للأعلى ودخولهم السطح، حيث قتل منهم حولي المائة.
في المساء هيأوا هجوما جديدا، لكن الرشاشات التي وضعت في الطابق الأول بالمخزن أبعدتهم، فلم يقوموا بعدها بأي هجوم جاد تاركين أمر القضاء على المفرزة لمن هو أكثر فتكا وقسوة منهم: الجوع والعطش ليقوما بذلك.
المدافعون لم يقوموا بالرد على مصادر النيران الخارجية حفاظا على الذخيرة فقط، الرشاشات هي التي تولت مهمة طرد المجموعات المحاولة تكوين فرجة في السور للنفاذ منها للداخل، لكن حامية البرج كانت تقاوم خصما أشد رعبا كما سبق القول من البربر، إنه العطش، ذلك أنه لم يكن هناك ماء بالبرج، فالحاوية التي به كانت فارغة ولم نتوجه لجلب الماء منذ 17 يوما؛ أثناء معركة اليوم لم يذق أحد طعاما.
يوم 18 كل البيدوات كانت فارغة من الماء، ولم يبق منه عند المحاصرين إلا ما يكفي يومين فقط، وبعض الخبز والخضر والكل فاسد.
يوم 19 قتلنا جمالا وبغالا لاستعمال لحمها في ضمان العيش، ويوم 20 تكبرتت وجوهنا واصفر جلدنا من شدة العطش، وأخذنا نشرب الماء الذي بمعدة الجمال المقتولة، بعض الجنود شربوا بولهم.
أنافلوس بعث مع ممثليه لنا 12 لترا من الماء، وزعت على الجنود ملعقتين لكل فرد في فمه، ولحسن الحظ أرعدت السماء ليلة 20 و21، وتساقط المطر فملئت الحاويات للنصف، وتم انقاذ الحامية المحاصرة من الهلاك عطشا أو الاستسلام.
يوم 19 دفنا القتلى ليوطنا و8 جنود زواوى، وأثناء ذلك المشهد الحزين جاء النهاب لمهاجمة واجهة البناية، فصعد المغاربة المنحدر البعيد بكلم، ولما اقتربوا بحوالي 150م بدأوا يختبئون بين منعرجات الأرض وآكامها ليصلوا الدار؛ وكانوا يكررون فعلهم يوميا، وعندما لا يستطيعون يوجهون لجنودنا الشتائم، خاصة لجنود طابور البوليس المكون من المغاربة، والتهديد بقتل الكولون إن لم يغادر بلادهم.
في صباح 24 دجنبر سمع دوي المدفع من بعيد وهو يقترب رويدا رويدا، ثم تلته طقطقة الرشاشات، فجلبة سير ازواوى، إنه كولون الجنرال برولارد قادم نحو المحاصرين بعدما خاض عدة معارك دامية حقيقية، ولم يصل دار القاضي إلا في 25، حيث دخل الجنرال البرج على الساعة العاشرة مساء، وقد وجده محاطا بركام مريع من جثث المغاربة الذين سقطوا صرعى أثناء محاولاتهم تسلق حائطه للدخول إليه، فبقوا هناك مرميين، ولم يستطع إخوانهم أخذهم تجنبا لقنصهم من المدافعين عن البرج؛ كان مشهدا مريعا لاح للجنرال في ضوء القمر الذي كان يظهر ويختفي في السحاب.
إنقاذ ماسوتي ومن معه من قبل الجنرار برولارد
في يوم 17 أعطيت الأوامر بوجوب إبحار القوات الكافية لإنقاذ كولون ماسوتي على وجه السرعة بحرا من الدار البيضاء، لتنزل في موكادور وآسفي ومزاكان تحت إمرة الجنرال برولارد الذي ركب البارجة دوشايلا مع ثلاثة سرايا من الفوج الرابع عشر قناصة الألب، وبطارية 75 من نفس السرية.
حدد يوم 19 للنزول في موكادور، لكن مع الأسف كان البحر هائجا ويستحيل معه الرسو في الميناء، ولم يتم ذلك إلا في يوم 23، وفي اليوم الموالي تحرك الجنرال مع ثلاثة سرايا ألبية وسرية قناصة وسريتي ازواوى في اتجاه دار القاضي المحاصرة، وقد قطع 30 كلم في 18 ساعة بين موكادور والدار، لقي فيها مقاومة شرسة من المغاربة، لكنه استطاع تشتيتهم بالمدفعية والرشاشات ليدخل الدار كما سبق القول يوم 25 على الساعة العاشرة ليلا، بعدما تكبد خسائر هامة عبارة عن مقتل ضابطين وثمانية جنود، وجرح ضابطين آخرين و65 جنديا.
عودة كولون برولارد لموكادور تضخم بمفرزة ماسوتي، وأثقل بقافلة طويلة من الجرحى متعِبة، منضاف لها هجمات النهاب التي لم تتوقف عليها وهي عائدة، وإن كانت لم تحدث فيها خسائر هامة، فقد كانوا يباغتونها بخروجهم من مكامن مما جعل المدفعية تعالج تلك الملاذات لإخراجهم منها وتدميرها، وتتمم الرشاشات عمليات التشتيت والإبعاد والصد.
مع الأسف رغم هذا الجهد تم إغلاق باب الناحية خلف الكولون بمجرد دخوله موكادور بالرغم من الدعم الذي جاء لكولون برولارد بواسطة ليوطنا كلونيل ريف القادم من مراكش لتغطية ناحية الشياضمة، بعد ذلك قام الكلونيل كيدون بقيادة ازواوى، بعدما اتخذ الهيجانُ في موكادور شكل ثورة.
هذه الانتكاسة التحريضية جاءت نتيجة ارتداد الموالين الأهليين الذين سلحناهم ووضعناهم تحت قيادة القائد أنافلوس، والذين تقووا بتعزيزات بعثها لهم الهبة من سوس.
في 31 دجنبر غادر الجنرال موكادور نحو الجنوب تاركا أمر التعرف والاستطلاع على الناحية لليوطنا كلونيل ريف على بعد سبعة كلم جنوب موكادور في ديابات، مع الفوج الألبي 14 المكون من أربعة سرايا مطاردة، وثلاثة سرايا سنغال، والكل تقدم لغاية نخيل موكادور على بعد 10 كلم من المدينة، حيث أملاك الناحية المجاورة التي عبد بها طريق شقتها قواتنا لتسهيل تحركها، وذلك لتشتيت الجماعات المعادية والتمركز في أماكن حصينة لقصف النهاب المتمركزين في المرتفعات وبين الروابي منها.
مفرزة بقيادة ريموند توجهت نحو الشمال لمراقبة طريق آسفي، وعسكرت على بعد 10 كلم أيضا من موكادور في أراضي الشياضمة، كما قامت مفرزة أخرى بالذهاب والمجيء بين المدينة والمعسكر لمراقبة الطريق وضمان التهدئة.
الكومندار ريموند دفع باستطلاعات لإشعار سكان البلد بتواجد الكولون قريبا منها، وتحذير قطاع الطرق الكثر بها من تعرضهم للقصاص القاسي إن لم يرعووا.
الشياضمة لم يقرروا بعد الذهاب مع المتمردين لمحاربتنا، فبقي الجنوبيون فقط هم المهددون الأساسيون لقواتنا المتحركة في الجبهات المحيطة بموكادور.
طيارا الكلونيل ريف أكدا بعد تحليقهما في الناحية بتواجد تجمعات قرب النخيل يقدر عددها ما بين 3000 و4000 بندقية.
في ليلة 4 و5 يناير 1913 هاجم ريف تجمعات النخيل، وبعَّد المسافة بين الكولون وبين الأعداء، في نفس الوقت عسكر الفوج المُقاد من قبل كودار أمام موكادور لتأمين التواصل مع المفاريز البعيدة التي كانت هدفا لهجمات لصوص قليلو العدد غير مركزين على هدف معين، يختفون بعد سماعهم إطلاق النار عليهم في هجوم يدوم من ثلاث لأربع ساعات.
في 7 يناير الكلونيل كيدون تقدم نحو 20 كلم غرب موكادور، واحتل قصبة القايد كيوهبان الذي بقي وفيا لنا وكان الهدف من وراء ذلك التحرك:
1- تحرير طريق موكادور مراكش المارة بوادي كسوب.
2- شق الشياضمة وعزل شمالها الذي ما يزال متمردا مع قبائل حاحا العصاة في ناحية الجنوب.
وقد توجه كيدون يمينا نحو الشرق، أما ريف فتابع طريقه في اتجاه الجنوب لغاية قصبة كوبن.
الكلونيل بحث مع القائد مسألة تموين موكادور بالحيوانات ووسائل النقل.
نفس المساء عرف هجوما عنيفا على الكولون الذي رد على المهاجمين، وقد فقدنا فيه سبعة قتلى و35 جريحا.
وفي الغد 8 يناير 1913 اقتفى الكولون أثر المهاجمين عليه بالأمس، حيث وجد تجمعهم في سوق الخميس على بعد 35 كلم من موكادور، فدارت هناك معركة دامت أربع ساعات ترك الأعداء فيها 500 قتيل في الميدان، وفر الباقي بينما فقدنا نحن 7 قتلى و30 جريحا.
من جانب آخر لم يواجه ريف أي خصم في تقدمه للأمام، كما أخذ معه كيدون من أجل التموين وإجلاء الجرحى بعدما التقاه في معركة 10 دجنبر، والتي نتج عنها إخلاء المعادين لنا موكادور نهائيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *