“علامات الفكر المتهافت” بناء الأحكام على علل غير عللها الحقيقية الشيخ مولود السريري

 

 

العلّة الحقيقيّة لمغايرة حال المؤمن للعلماني المتمرّد:

أمّا من جهة العلمانيين الملحدين فإنّ علّة ما هم عليه هي إنكار لحقيقة اقتضتها العقول والآيات القائمة بالخلق الموجبة لها، وهذه الحقيقة هي جريان ملك الخالق وسلطانه على خلقه تدبيرًا وتشريعًا.

هذا الإنكار الذي يعدّ ظلمًا لأنّه جحد لحقٍّ ثابت عقلاً وواقعًا، هو الموجِبُ -بالكسر- لما عليه قلوب هؤلاء العلمانيّين من أحوال.

والاقتران الدّائم والتّلازم بين هذه الأحوال وهذا الموجب -العلّة- وكذلك التّضادّ الحقيقيّ بينه وبين الأحوال المضادّة لهذه الأحوال دليل قاطع على هذا الذي ذكر.

فكلّ ما يجلب أمرًا معيّنًا ويدفع ما يضادّه هو علّة حقيقيّة في هذا الجلب وهذا الدّفع، وهذا يدرك بدلالة الواقع ومقتضيات العقول.

والممكنات لا تأتي ولا توجد بذواتها، بل بالعلل المناسبة لذلك، عقلاً، وواقعًا، وهي الّتي فيها المناسبة الخاصّة الصّالحة بذاتها لذلك الإيجاد، ولكلّ شيء حقيقته القائمة به، والخصوصية الذّاتية تقوم بهذه الحقيقة بالطّبع، كما هو معلوم في مجريات العوائد واطّرادها.

فقيام الأشياء بالتّدبير والتّقدير يوجب الملك والسّلطان للمدبّر المقدّر، ومقتضى ذلك أنّ له التّشريع والقضاء على جميع خلقه، إذ لا يجري سلطانه وموجب ملكه حقًّا تامًّا إلاّ بذلك، وما سوى ذلك بتر ونقص مستحيل جريانه في مقتضيات العقول باعتبار أنّ السّلطان المطلق لا يتمّ إلاّ بهذا، ولا يحصل إلاّ به.

إذا تقرّر لديك هذا الأمر عرفت على قطع أنّ موجب ما عليه هؤلاء المنكرين لحقائق الدّين من أحوال نفسيّة ونظريّة وسلوك مضطرب معذّب هو هذا الإنكار، وهذا الجحود والعناد الّذي هو في واقع الأمر ظلم فاحش، كما تشهد بذلك الأدلّة الواقعيّة.

قد يشمخ أحدهم بأنفه إذا سمع هذا القول، ثمّ يرغي ويزبد صارخا بأنّ هذا تفسير دينيّ وهو غير مرضيّ بالنّسبة لنا معشر العلمانيين “أرباب الفكر الخالص” ثمّ إنّنا لسنا مرضى، ولا معذّبين، وقلوبنا أحوالها طيّبة، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا.

وفي الأخير يبتسم مستهزئًا إن كان في جمع، ثمّ يختصر كلّ هذا الذي ذكر في عبارة “الفكر الرّجعي”.

والحقُّ أنّ هذا ليس مستغربًا، ممّن لا يريد أن يدرس حقائق الأشياء على ما هي عليه من حال، كما يريد بحث النّسبة الّتي بين الأشياء الّتي يرد بعضها عقب بعض باطّراد وتلازم، بل من لا يعرف جهات الدّلالة في المدركات المادّيّة والمعنويّة، ولا في الأمور المترابطة فيما بينها، ولا أنّ الموضوع فيه مجمل، وأنّ المحمول هو الّذي يبيّنه بالطّرق النّظريّة الموجبة له.

ومن تأمّل بإنصاف هذا التّفسير فإنّه سيجده مدركا بطريقة السبر والتّقسيم، والنّظر المجرّد، إذ قد نظر في جميع ما قد يكون على وجه الإمكان علّة لهذا الحال الّذي عليه هؤلاء المنكرون للشّرع الإسلامي، فما وجد شيء استجمع شرائط العلّة لهذا الأمر إلَّا الّذي ذكر، لأنّه مطّرد معلوله، كما أنّه منعكس ـ أيضا ـ وهذا أمر مقطوع به بمقتضى الأدلّة الواقعيّة الّتي لا ينكرها إلَّا سوفسطائيّ يجحد البدهيات.

علّة أحوال قلب المؤمن:

المؤمن الملتزم علّة ما هو عليه من حال حقيقته هو الإقرار بالملك والسّلطان للخالق المدبّر، وبذلك كان يناقض في كلّ أحواله (1) من ينكر هذه الحقيقة ويجحدها.

وهذا المتجلّي في المؤمن الملتزم وضدّه من الأحوال المتناقضة المركّب بعضها على بعض هو ناموس وقانون كوني مؤسّس على أسباب وجودية شأنه شأن النّواميس الطبيعية – السّنن الكونيّة – بلا فرق.

وذلك لأنّ فيه صفة التّلازم المطّرد، وذلك ما به قيام النّواميس والقوانين الطبيعية، كما هو معلوم على قطع.

وربّ قائل يقول: إنّ هذا الذي ذكر ليس موجب المغايرة بين الطّرفين، بل قد يكون شيئًا آخر غيره.

نعم، إن كان هذا موجودًا؛ فليذكر وليبيّن ما هو، فالتّشوّف إلى هذا قائم بالنّفوس الّتي تحبّ الحقيقة وتبحث عنها، وبذلك فالواجب إيراده علّة، وبيانه على جلاء.

وقد يقول آخر: إنّ السّلطان الجاري عليّ هو سلطاني، فأنا حرّ وملك نفسي لي، ولا سلطان لأحد عليّ على الإطلاق.

هذا غير صحيح، الواقع يشهد على ذلك، وذلك أنّ ما سوى الخالق ليس له إلَّا التّصرّف المحدّد بالتّسخير، فما سخّر له فإنّه يتصرف فيه، وما تخلّف فيه ذلك خرج عن إمرته وحكمه، وهذا بيّن ثابت بالمشاهدة والحسّ، وبدليل العطاء والأخذ -النّزع- والوضع المفروض عليه الّذي يجبر على الخضوع له مكرهًا.

ثمّ إنّه لو كان له الملك لملكَ غيره بالإرادة والرّضى، ولكانت الأشياء تخلق على وفق إرادته، ولكانت هذه الإرادة سابقة على ذلك.

إذ لا ريب أنّ المخلوق إرادة إيجاده وخلقه سابقة عليه بأدلّة منها:

دليل العناية، والتّقدير والتّدبير المثمر لهذا الانتظام القائم به، والجاري مقتضاه عليه في الظّاهر، والباطن، ولهذا الاستعداد الذّاتي للإقرار بالحقّ، وإنكاره على وجه معجز يشهد على التّوافق العجيب بين خلقه، وتكليفه، ثمّ دليل استحالة ظهور شيء ما على صورة مخصوصة مركّبة على شكل مقصود دون سابق تصوّر له في ذهن الموجد له المظهر له -(ولله المثل الأعلى)- عن قصد.

وغير ذلك من الأدلّة الّتي ليس هذا موضع بسطها، وتفصيل المقال فيها.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *