تزممارت.. كما قرأتُها بقلم لطيفة أسير

 

 

من عايش الحدث ليس كمن قرأ عنه، ومن عاش في تزممارت ليس كمن قرأ عن تزممارت، نحن نقرأ بعض تفاصيل أحداث ذاك المعسكر السري ونبكي وتقشعر جلودنا من آلام سجنائه، وهم كانوا يعيشون تفاصيل هذا الألم والوجع كل دقيقة طيلة عقدين من الزمن.. فأنّى يستوي المشهدان!!

كنتُ من سنوات -أيام الجدّ- قرأت كثيرًا عن فصول التعذيب في سجون جمال عبدالناصر، وتملكتني يومها دهشة عظيمة، إذ لم يكن يقع في خلدي وجود هذه الكائنات المتوحشة على وجه البسيطة، وما كنت أستسيغ أنماط التعذيب المختلفة التي كان يتعرض لها المعتقلون من الإخوان المسلمين، وحين طالعت (تزممارت) ذاك المختبر المغربي السرّي (الذي جُربت فيه وصفات الموت البطيء على أبناء فقراء هذا الوطن)، أيقنتُ أن أداة القمع واحدة في أوطاننا، وأن الجلادين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم تظل لهم ذات الطباع وذات اللغة على مرّ العصور وفي كل البقاع.. في تزممارت المغرب كما في تدمر سوريا، ورزين الإمارات، ورومية لبنان، وجو البحرين، وجويدة الأردن، وعقرب مصر، ورواقية الجزائر، وكاظمية العراق.. وغيرها لا صوت يعلو على صوت الجلادين، ولا مكان للإنسانية في دهاليز السجون وأقبيتها، للوحوش الآدمية هدف واحد لا تكاد تحيد عنه قيد أنملة، وهو ممارسة غطرستها وعجرفتها وساديتها على السجناء الذين لا حول لهم ولا قوة.. لكن ماذا جنوا من جنون الغطرسة هذا، وماذا غنِموا من هذا التعذيب سوى لعنات تتبعهم من ضحاياهم وممن يقرأون عن مجازرهم، يقول المرزوقي في روايته تزممارت ص164:

(وبعد، ماذا ربح الجلادون من كل هذا العذاب المجاني؟ حُظوة؟ جاه؟ مال؟ رُتب؟ أوسمة؟ مناصب؟ نياشين؟ فأين الخوف من الله إذن؟ وإذا كان إيمانهم بالله لاغيًا، فأين الضمير؟ أين القيم؟ أين المبادئ؟ أين اختفى فيهم الإنسان؟ أمَا كان الرصاص أهون وأرحم مادام تصميمهم على القتل أمرًا لا مردّ له؟

فجاءنا الجواب من السماء، رقيقًا رحيمًا شافيًا وافيًا (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)اهـ.

رواية (تزممارت) يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية أرّخت لحادث الانقلاب الفاشل الذي شهده المغرب في بداية السبعينيات، سرَد من خلالها الكاتب أحمد المرزوقي مجموعة من الوقائع والأحداث بأزمنتها وفضاءاتها وشخوصها. غير أنّ هذا السرد شابه بعض التعثر في ترجمة الرواية للعربية، إذ غلبت عليه أخطاء لغوية وتعبيرية زعزعت تماسكه الفني، وكان بالإمكان تجويدها بشكل أفضل لتصبح تحفة أدبية في أدب السجون.

في كثير من فصول الحكاية كان أحمد المرزوقي موفقا في نقل معاناته ومعاناة إخوانه المعذبين،فكنّا نتألم لألمهم، ونشاطرهم بؤسهم وكل أحزانهم التي دامت خُمس قرنٍ، يقول أحمد المرزوقي متحدّثا عن بعض فصول هذه المأساة: (لقد تحمّلنا البرد القارس في الزنزانة – الثلاجة طوال شهور الشتاء ونحن حفاة وشبه عراة.. واختنقنا إلى حدّ الإغماء أحيانًا من فرط الحرارة وقلّة الماء والتهوية وطغيان الروائح الكريهة في الصيف. وتمزّقت أحشاؤنا بمناشير الجوع المروع ما يقرُب من خُمس قرن من الزمن. وتعرضت أجسام بعضنا إلى نهش العقارب وجحافل الحشرات التي معنا في الظلام) ويتابع قائلا: (ابتلينا جميعا بضروب لا عدّ لها من العلل والأمراض، وذقنا جميعًا أشكالاً لا حصر لها من البؤس والعوز والحرمان، وتعرضنا لكل أنواع الاحتقار والذّل والمهانة. ونزلنا بالتالي جميعا إلى المهاوي التي لا تُرمى فيها إلا النفايات القذرة، فكنّا بذلك في نظر جلادينا أحطّ مخلوقات الله على الإطلاق. ولكن رغم كل هذا، سنجانب الصواب وسنسقط في الافتراء إن زعمنا بأننا ذُقنا نصف ما ذاقه أيوب تزممارت أخونا المرحوم محمد لغالو)، وما جانَب المرزوقي الصواب، لأنّ فصول المعاناة التي نقلها عن المعذَّب محمد لغالو كانت شديدة الوطأة على نفسي، ولعلّها الحالة التي أثرت في نفسي بشكل عظيم، تفاصيل السرد كانت مؤلمة جدا حدّ الإصابة بالغثيان والله المستعان!!

ومع هذا السّرد الموجع كان المرزوقي يختلس بين الفينة والأخرى لحظات مرحٍ يقصّها على قرائه، فكنّا نبتسم مع هذه المستملحات التي كان السجناء يلطّفون بها تلك الأجواء القاتمة، ومن هذه المشاهد أقتبس هذا المشهد الطريف:

(أحسنُ أعماله -يقصد الرقيب الأول أحمد بوزيان- كانت تتمثل في مَدّنا من حين لحين بشيء من الماء مع ربط الاتصال بيننا في داخل العنبر. شكرته مرة حين مدني بإناء زائد من الماء فقلت له:

– لله درك يا بابا محمد

فاندهشت حين رأيته ينظر إلي بغيظ شديد وهو يندفع في ثرثرته المتذمرة:

– كفاش؟ وايلي.. أنا ضريتك؟ إو دير الخير فالمروك.. وايلي! ما دير خير ما يطرا باس.. وايلي..!) اهــ.

ولأنّ في طيات كل محنة منحة، فقد كانت محنة تزممارت فرصة للمرزوقي وأصدقائه ليغنموا أمورًا كثيرة زادتهم قربًا إلى الله تعالى وهوّنتْ عليهم مرارة أيام الاعتقال، وكان هذا مؤشرًا طيبًا على أصالة معدنهم وسمو نفوسهم، حيث تمكنوا من حفظ القرآن الكريم كاملا ومئات الأحاديث النبوية والأذكار والأدعية.

ولأن الطاقات والقدرات البشرية تتفاوت، فقد كان حظ بعض المعتقلين الموت في زنازين تزممارت، في حين صمد الآخرون ومنهم أحمد المرزوقي الذي شحذ كل همته بعد الإفراج عنه وكافة زملائه إثر عفو ملكي، فاستجمع كل قواه وتابع دراسته حتى نال شهادة الإجازة، وهذه عزيمة لا يكاد يظفر بها إلا من امتلك شجاعة وقوة عظيمة، وكيف لا يكون كذلك، وقد صمد عقدين من الزمن أمام كل المحن والأزمات بتزممارت!!

الرواية كما كانت مليئة بالمشاهد القاسية والمواقف اللاإنسانية، فقد كانت كذلك حُبلى بالمشاعر الإنسانية الجميلة، مشاعر التضامن والحب والإيثار بين السجناء، مشاعر التعاطف بين بعض الحراس والسجناء، لقاء المرزوقي بأهله خاصة بأمه، والذي كان حافلا بالمشاهد المؤثرة، رفق السجناء بالحيوان ولو في أحلك الظروف وتجلى ذلك خصوصا في علاقة المرزوقي بحمامة السلام.

أسأل الله أن يجعل آلام هذه السنين في ميزان حسنات المعذبين، وأن يجنّبنا ورود هذه البقاع المظلمة التي لا يعرف أهلها معروفا ولا ينكرون منكرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *