خطر من مات وهو يدعو مع الله ندّا

 

دلَّ القرآن الكريم والسُنة النبوية على تحريم دعاء غير الله عز وجل، والتصريح بأن ذلك مِنَ الشرك الذي يُدخل صاحبه النار، ومِنْ ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}(الأحقاف:5).

قال الطبري: “يقول تعالى ذِكْرُه: وأيّ عبْدٍ أضلّ مِنْ عَبْدٍ يدعو مِنْ دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تُجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك.

وقوله: {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} وآلهتهم التي يدعونهم عن دعائهم إياهم في غفلة، لأنها لا تسمع ولا تنطق، ولا تعقل.. وإنما هذا توبيخ مِنَ الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم، وقُبْح اختيارهم في عبادتهم مَنْ لا يعقل شيئًا ولا يفهم، وتركهم عبادة مَنْ جميع ما بهم مِنْ نعمته، ومَنْ به استغاثتهم عندما ينزل بهم مِنَ الحوائج والمصائب”.

قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}(يونس:106). قال السعدي: “وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى. {فَإِنْ فَعَلْتَ} بأن دعوتَ مِنْ دون الله، ما لا ينفعك ولا يضرك {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(لقمان:13) فإذا كان خير الخَلْق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟!!”.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّه، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّه) رواه الترمذي.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم كَلِمة وقُلتُ أُخْرَى، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَن مَاتَ وهْوَ يَدْعُو مِن دُون اللَّه نِدًّا (النِدّ: المِثل والنظير) دَخَل النَّار، وقُلتُ أنَا: مَنْ مات وهو لا يَدْعو لِلَّهِ نِدًّا دَخَل الجَنَّة) رواه البخاري. وفي رواية لمسلم وغيره: (سَمِعْتُ رَسول الله صَلى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقول: مَن ماتَ يُشْرِك باللَّه شيئًا دَخَل النَّار. وَقُلتُ أنا: ومَن مات لا يُشْرِك باللَّه شيئًا دَخَل الجَنَّة)..

وفي هذا الحديث النبوي: التَّحذير مِن الشِّرك بالله عزَّ وجلَّ وبيان عَظيم خَطرِه..

وفيه: بيان فَضْل الإيمان بالله تعالى وتوحيده، فكما أنَّ المُشرِك يدخُل النار، فمَن ليس يُشرِك -وهو المُؤمِن الموحِّد- يَدخُل الجَنَّة..

قال ابن حجر: “كأن ابن مسعود لم يبلغه حديث جابر الذي أخرجه مسلم بلفظ: (قيل يا رسول الله: ما الموجبتان؟ قال: مَنْ مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومَنْ مات يشرك بالله شيئا دخل النار).

وقال النووي: الجيد أن يُقال سمع ابن مسعود اللفظتين مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة وضم الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بين روايتي ابن مسعود وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين”.

وقال ابن القيم في “مدارج السالكين”: “(ومِنْ أنواعه (الشرك) طلب الحوائج مِنَ الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالَم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعاً، فضلاً عمَّن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده”.

وقال ابن تيمية: “وأما مَنْ يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو مَنْ يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا شرك صريح”.

فالدعاء لا يكون إلا لله تعالى وحده لا شريك له، فمَنْ دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ـ سواء كان هذا الغير المدعو نبيًّا، أوْ وليًّا، أو صالحا ـ مِنَ الأمور الشركية التي ينبغي الحذر منها، قال الله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ، وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس:107:106).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *