من فقه البيوع النوع الثالث من البيوع المحرمة: بيوع الربا (الحلقة السادسة) الأجناس التي يجري فيها الربا (تابع) ياسين رخصي

سبق في الحلقة الماضية ذكر مذاهب أهل العلم في الأجناس التي يجري فيها الربا، كما حكاها العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين، ورجح رحمه الله قول مالك الذي خص تحريم التفاضل في المطعومات بالقوت وما يصلحه.
والقوت ما يدخر من الطعام للعيش غالبا، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة والسمسم والقطاني، وكذلك اللحوم والألبان والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، وعلى هذا القول لا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثري والقثاء والخيار، والباذنجان وغير ذلك من الخضراوات(1).
وقد علل المالكية رحمهم الله قولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم التفاضل في أصناف من الطعام وهي البر والشعير، والتمر والملح؛ ولو كانت العلة في جريان الربا في هذه الأربعة هو الطُّعم وحده لاكتفى بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأصناف، فلما ذكر عددا عُلِم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه، وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام(2).
وتم قول فيه احتياط، وهو قول من جعل علة الربا في الأصناف المذكورة هي الطُّعم وحده سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن كذلك، وسواء كان قوتا أو لم يكن، كما هو قول الشافعي ورواية عن أحمد(3).
وقد احتج أصحاب هذا القول بأدلة منها:
1 – ما رواه مسلم عن معمر بن عبد الله قال: “كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل”(4).
وجه الدلالة من الحديث: أنه علق الحكم على الطعام وهو اسم مشتق؛ وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليق بما منه الاشتقاق، وهو الطُّعم، فتكون العلة هي الطعم(5).
2 – ما روى عبد الرزاق في مصنفه وابن حزم وصححه، قال: “ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا بيد، البر بالتمر والزبيب بالشعير” وكَرِهَهُ نسيئة.
وجه الدلالة من الحديث: أن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر الطعام وعلق الحكم على ما اختلفت أصنافه منه، فدل على أن العلة هي الطعم(6).
3 – استدلوا من جهة النظر بأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، فاقتضى ذلك التعليل به(7).
وإنما كان هذا القول أحوط لأنه يشمل كل مطعوم سواء أكان مكيلا أو موزونا أو لم يكن، وسواء أكان قوتا أو لم يكن، وأيضا فإنه أسلم الأقوال القوية من المناقشة.
والحق أن هذه المسألة من المسائل المعضلة المشكلة، حتى إن ابن عقيل مع قوله بالقياس لما لم تظهر له علة واضحة قصر التحريم على ما ورد به النص موافقا بذلك أهل الظاهر.
وسواء قلنا إن العلة في جريان الربا في الأصناف المطعومة المذكورة في حديث عبادة وغيره هي الطُّعم وحده، أو الطعم مع الكيل أو الوزن، أو الطعم مع الاقتيات والادخار، فإن غير المطعوم -عدا الذهب والفضة وما في معناهما كما سيأتي بيانه- لا يحرم فيه التفاضل ولا النَّساء.
فيجوز مثلا بيع سيارة بسيارتين، أو ثوبا بثوبين، أو بيتا ببيتين ونحو ذلك، سواء كان ذلك حالاًّ (عاجلاً) أو نسيئة (لأجَل) لأن هذه الأشياء ليست من الأجناس التي يدخلها الربا(8).
ومن أمثلة ذلك أيضا: أنه يجوز أن يدفع الرجل سيارته القديمة إلى آخر ويأخذ بدلا عنها سيارة جديدة ويدفع الفرق بين قيمتي السيارتين، فهذا بيع سيارة بأخرى مع المفاضلة، وليس ذلك من الربا، لأن السيارات ليست من الأنواع الربوية(9).
وبالله التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- أنظر المعونة للقاضي عبد الوهاب (2/5) وجامع الأحكام الفقهية للقرطبي من تفسيره لفريد الجندي (2/7).
(2)- أنظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/223).
(3)- أصحاب هذا القول لا يجيزون بيع بيضة ببيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين، لا يدا بيد ولا نسيئة، لأن ذلك كله طعام مأكول.
(4)- رواه مسلم (2/1214).
(5)- أنظر الزيادة وأثرها في المعاوضات المالية لعبد الرؤوف الكمالي (2/481-482).
(6)- أنظر المصدر السابق (2/487).
(7)- المصدر السابق (2/489).
(8)- أنظر فتاوى اللجنة الدائمة (13/280).
(9)- أنظر فتاوى اللجنة الدائمة (13/284).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *