قَـدْ شَـغَفَتْــهُ حُبًّـــا عبد الحكيم فرحي

 لا زال حديث عهد بشيء اسمه الحب، لم يخض غماره، أو سبق له أن ذاق من هذه الكأس، لكنه صادف قلبا خاليا فتمكنا، ليس مجرد حب وانتهى الأمر، ولا مجرد وصال انفرط عقده… لا لا، إنه بلغ درجة الهُيَام الذي جعله يفقد عقله ويخرج عن حد الصواب، وصار يهذي في كل وقت وحين، مَنْ لهذا القلب المسكين؟؟ مَنْ لهذا المفجوع الذي أَذَابَهُ الأنين؟؟ بُعْدُ الحَبِيبِ وما إليه وصول. وَيْكَأَنَّ الساعات تمضي متثاقلة كأنها السنين، ظلمة تخيم على سكون القلب الذي هدأ مدُّه وجزره وغدا آسِناً، وصار الضيق والضجر يجثم عليه وعلى تضاريس أحاسيسه.

تحامل على رجليه بعد لأْيٍ لما طرق مسامعه بأن أجل الوصال قد دان، ولقاء الحبيب قد حان. لم يكد أن يصدق الخبر، لولا ثقته في الناقل، وأنه محال أن يفتري عليه كذبا، ويأتي شيئا إِدًّا. بدأت أسارير وجهه تشرق بعدما كانت مُلبَّدة بغيوم قاتمة تحجب أثر النور، فتنفس الصعداء وشعر بأن روح الحياة بدأت تدب فيه من جديد (حصل هذا فقط لمجرد سماع الخبر، فماذا لو عاين بنفسه؟؟)

ما أعظم لحظة الوصال، وكم تكون كذلك إن طال الغياب، كم تكون عذبة كأنها ماء زلال يصب على القلب صبا، تحت ظل شجرة بمحاذاة الوادي، يا ساداتي هُيام بلغ منتهاه، ومن ذا يتمالك نفسه أمام حسناء فاقت الجمال إشراقة، والبهاء نضارة، فما يكون من هذا المسكين إلا أن تتفتح حدقتا عينيه إعجابا وذهولا من هذا الحبيب الذي زادته الأيام والليالي ضياء ونورا، ويخر جاثيا على الركب من هول ما نزل… وله في الضم والعناق جنون وفنون…

يا ساداتي ليس حب قيس لليلاه، ولا عنترة لعبلاه، لا تذهبوا بعيدا إنما هذا فاق ذلك كله، فهي قد شغفته حبا، وملكت عليه كل مشاعره، إنها الكتب وما أدراك ما الكتب، إذا تمكن حبها في قلب أحد لم يَرَ غيرها، ولم يخطب غير ودها…

ولما كان المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، الذي تحج له الناس زرافات ووحدانا، هذا العرس الذي تتزين فيه الكتب في أبهى الحلل، ولسان حالها “هيت لك” وتكون طبعة أنيقة رشيقة مرصعة بزخرفة يحار العقل في وصفها، فيدخل زائر مثلي وكله شغف في أن يرضى بالقلادة بما أحاط بالعنق، لا ترفع بصرها نحوي، ولا تكف من الخضوع في القول، أستجمع ما بقي عندي من قوة فأقول: “ما عاد الله إنه ربي أحسن مثواي” لكن كيدها عظيم، وسطوتها على القلب منقطعة النظير، إن رمتك بطرف فكبر على نفسك أربعا، لن تفلت من شراكها فقد حِيك بإحكام، إنما الحب من أول نظرة، ويا لها من نظرة جعلت القلب يذوب شوقا جرَّاء هذا السهم الذي أصابه في مقتل، وحسبك به رام برع في الرماية إلى حد الاحتراف، فمحال أن يخطئ ولو رمية واحدة.

كم تبتهج النفس وتطير فرحا حينما ترى الطوابير على مدخل المعرض، ما أتوا إلا طمعا في الكتاب وكل قد علم صلاته وتسبيحه، وكم يُحسن الآباء حينما يصطحبون أطفالهم لهذا الفضاء الماتع، لترسيخ حب الكتاب وربط علاقة وطيدة معه منذ نعومة الأظفار، فحينما يشب يرى أثر ذلك في نفسه، ولن يحيل بينه وبين شغفه بالكتاب حائل.

جعلتني نظراتها أخر جاثيا على الركب، وأطلب الغوث، واغوثاه!! واغوثاه!! فأنا معي دراهم معدودة، وكيف لي بحسناء كفلقة قمر مهرها غال؟؟ وأنا لا أملك من حطام الدنيا غير قلم وحبر أسود كحظي، بعد جولة جُبْتُ فيها المعرض طولا وعرضا حتى إن قدماي لم تَقْويَا على حملي.

نبذت ما كان بحوزتي من مال وحصلت على بعض الكتب التي كنت أنشدها ، لكن بقيت في القلب لوعة حزن في أن المال لم يكفني لأشفي غليلي، وأروي عليلي، فكثيرة هي الطبعات التي تغريني، لكنني منكسر الجناح، وما إليها بلوغ، فأبتلع ريقي الذي صار مرا، قال لي أخي: يجب أن تخرج الآن فقد أفلستَ، لا مُقام لك هنا فارجع، كظمت غيظي وأسررتها في نفسي، وكم توعدني بأن أغض بصري حتى نصل إلى المخرج بأمان، فأنا دخلت المعرض مُنْتَعِلاً  وخرجت منه حافي القدمين!!

وهذا حال من تمكن منه حب الكتاب إلى حد الجنون…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *