ـــ نقول للملك الأبي والشعب الوفي: “لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة.”
لقد استمرت حالة عام الرمادة تسعة أشهر حسوما، ثم ما فتئ أن تحوّلت الحالة إلى الخصب والرفه والدعة، وحينها طفق الناس مترحلين عن المدينة متوجهين إلى سالف أماكنهم ينشدون معهود عيشهم الكريم، وقد حكى الإمام الشافعي ما بلغه من أن رجلا من العرب قال لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حينها: “لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة” يقصد بذلك أنه رضي الله عنه قد واسى الناس في محنتهم وأنصفهم وأحسن إليهم، بل عاش معهم ظروفهم وتقاسم معه آلام المأساة وشاطرهم مشاعر الحزن وانخرط معهم في التلبس بضيق العيش وقدرة الظروف وشظف محنتها، كما تناقلته كتب السير والرجال بأسانيد تجاوزت جسرالتواتر والقبول.
وإنّها لعبارة صادقة هي من جنس عاجل البُشرى لعمر كما لغيره ممن كان هذا دأبه زمن الفتن والأزمات، حري بنا كما حقيق بكل منصف أن يوجه بوحها الشاكر لملك المغرب الأبي وشعبه الوفي، وقد رأينا بل رأى العالم كيف تفاعل كلاهما بما يرد البصر ويضمد الجروح ويرتق الخروق، فلقد ضرب ملك البلاد بمعية شعبه مثالا له ثقله ووزنه وصفحاته الخالدة التي كتبت سطورها بماء العيون ودماء المغاربة الأحرار شعبا وملكا، ولسنا في هذا نرجم بالغيب ولا نزايد بالكذب والنصب، وإنّما انطلقنا من شواهد ومواقف وتحركات رصدتها أعين الغريب قبل القريب، والمتربص الحاقد قبل ابن البلد المكافح المجاهد، إنه تدبير لأزمة عرفنا لظلامها الحالك نورا وضياء، ولمأساتها الهالكة وجها متبشبشا مشرقا، لقد أحيى هذا الزلزال، وحركت رجاته في دواخل المغاربة عروة أخوة وثقى، كما أيقظت في نفوسهم جميعا بصيصا مشبعا بمفاهيم التراص وفلسفة الجسد الواحد، ولقد رأينا كما رأى العالم طوابير عريضة المنكبين طويلة الذيل لا يكاد البصر يستوعب سيلها الدافق من الرائمين التبرع بدماء أوصالهم، لقد فاض محيط المختبرات ومراكز تحاقن الدم وحوشها وضاقت الأزقة والشوارع بهؤلاء الأفاضل الأخيار، ناهيك عن ما راكمه الإحسان العمومي والجود والكرم الشعبي من أصناف وأضراب وأنواع من الطعام والملابس والأغطية حتى ضربت الأمثال والنكت الشعبية من فرط ما وقع ويقع بخصوص هذا الكرم الحاتمي الفريد الكمّ والكيف، جزى الله خيرا كل من واسى وأحسن وجاد وقاسم ضحايانا مشاعر الحزن وآلام المحنة آمين.
ـــ ما قدمه المغاربة وأشقاؤهم العرب من إحسان وجود وكرم إنما وقع بنية القربى وابتغاء الأجر والثواب، وما وقع من غير المسلمين فهو دائر بين ملتهم المسيحية أو نحلتهم الإنسانية.
وإنما وجب التنبيه على هذا الملحظ العزيز لأمور لم تعد تخفى على الناس، فثمة فصيل مجتمعي على قلته وإغرابه، غير أنه يمتلك أدوات الذيوع والانتشار، كما يمتلك منابره المدعومة إقليميا ومحليا يمارس من خلالها ضغطه وسطوته التوجيهية للأمور، فقد باتت سخائمه عاكفة على تصوير مجتمعنا المغربي المسلم في صورة ماخور أخلاقي لا مرجعية دينية تحكم ناصيته، ولا أصل له سابق يرشِّد حركته ويضبط عرى العلاقات داخله، إن هؤلاء وإن أخرصهم سلوك المغاربة المسلمين بالكسب والوراثة تجاه إخوتهم، فهم ما زالوا يناورون لتحريف مجرى السيل المستقيم، ومن ثم نسف مقاصد الطاعة في هذا الدفع والتآزر الذي تم بنية تدينية لا تخرج أنفاسه وحركته الدافقة عن ما يفرضه علينا ديننا الحنيف من سلوك تعاون على البر والإحسان المرهون بأجره المستشرف في الدنيا والآخرة.
إن المغاربة الأباة الأحرار ملكا وشعبا قد تحركت فيهم نوازع الخير، يدفعهم ما تعلموه من أحكام هذا الشرع المتين، وما علموه عن رسولهم وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أسلاف هذا البلد الأمين، وإنما جرى المعهود منهم أن يربطوا الأعمال الصالحات بمسبوق النيات الحسنة.
كما أنه من الإنصاف المجانب لبخس الناس أشياءهم أن نقرر في يقين، أن ما وقع من غير المسلمين من تكافل وتعاون وتآزر محمود، إنما الباعث عليه يبقى دائرا بين ما أخذوه من مسيحيتهم وكتبها التي لاتزال مربادة تحتفظ في هذا المقام بنقط بيضاء لم يمسسها سواد تحريف أو تعطيل، وبين ما تفرضه عليهم المشاعر الإنسانية الجياشة والمُحبة لكل جميل والمقبلة على كل عمل نبيل.
ــ ثمة فرق كبير بين أن يَسْرِقَ أهل الرمادة، وأن يُسْرَقَوا:
وإنما ذكرت عام الرمادة ابتداءً لأشير وأنوّه ثم أحاكي مقارنا… فقد حكت كتب السير وهي تتعرض ساردة تلك التفاصيل المؤلمة والظروف المأساوية التي ميزت وتميّزت بها الشهور العجاف لعام الرمادة عن الحكمة التي أدار بها أمير المؤمنين هذه الأزمة، تلك الأزمة التي بلغ مدى قسوة ظروفها المناخية أن أرمدت الأرض فاستبدلت زرعها وثمرها برماد أسود تذروه الرياح، وقد كان من أوجه هذه الحكمة أن عطّل رضي الله عنه العمل بالحدود التعزيرية، فلم تقطع يد سارق قد أزه الجوع إلى تلصص رغيف أو كيس حنطة أو رطل قمح يعيل به صغاره، ويدفع عن نفسه وعن من يعول أنين المعدة مضطرا مكرها في وطن عزّت فيه اللقمة وأباحت الضرورات المحظورات.
بل كان من ملامح تلك الحكمة العمرية أن أرجأ جباية الزكاة وأبقاها دينا على المأخوذة منهم للمدفوعة لهم من مستحقيها، وإنما كان هذا منه عملا بأحكام نصوص الوحي واستقراءً مناطات التنزيل ويا له من فهم يلامس منزلة الإلهام والتحديث…
وإذا كان هذا في حق من سرق من معوزي ورقيق وفقراء عام الرمادة، فكيف بمن سوّلت له نفسه سرقة أهل الرمادة أنفسهم؟؟؟
في حديثي عن هذا صنف من الناس، أحب أن أنطلق من قاعدة ذوقية مفادها أن أثر الغنم هاهنا كان أكبر وأوسع من أثر الغرم، فلقد بلغ الجود مبلغا لم يعد يشعر كمّه بنهب ولا غصب ولا لصوصية، وكأنه الماء المستبحر الذي جاوز القلتين فلم يحمل خبثا ولم تؤثر في طهوريته نجاسة، وهذه حقيقة لا تنفي أخرى ما فتئت تبحث في ماهية هذا الصنف من اللصوص الذين يتميّزون بروح إجرامية دنيئة تنشط زمن انشغال الناس عن أموالهم بموت أحبابهم ودراريهم، ناهيك عن هؤلاء الذين يتلصصون المؤن والهدايا والصدقات المرسلة إلى بؤر الإصابة، يقطعون طريقها ليبيعوها بثمن بخس للاهث مبخوس من نوعهم ألا ساء ما يعملون، ولا شك أن العزاء في إحاطة المشرع هذا النوع من السرقات بظروف التشديد، فما أبعد الشقة وما أوسع الشرخ بين اليوم وذلك الأمس حيث كانت تحكم اللصوص مواثيق أخلاقية، يوم كان اللص يقف متباهيا بكونه لم يسرق جارا ولا فقيرا ولا امرأة، بل كان بعض اللصوص يمتحنون التجار في مسائل فقه الزكاة، ويوجهون سطوهم لاقتناص أموال الفاسدين من السياسيين والأغنياء المترفين، ولسنا هاهنا نذكر هذا تلميحا إلى جواز جريمة السرقة فذلك سلوك منحرف عن جادة قيم المجتمع الإسلامي، بَلْهَ المجتمع الإنساني، وإنّما الغاية إثارة مفاضلة في دائرة السوء بين سيء الأمس وأسوء اليوم ليس إلا.
الزلازل والكوارث الطبيعية آية من آيات الله، قد يموت تحت ركام دمارها المؤمن والكافر، والصديق والزنديق، الأمين والخائن…
في كل كارثة تحل وخاصة في بلاد المسلمين وجغرافيا العرب، يطفق فصيل من أهل الحداثة والتنوير يخسفون على أثرها من ورق بهتانهم، يخافون أن تؤدي الآية مراد الله منها، يخافون أن يرعوي العصاة، ويتوب المذنبون، ويُنيب المسيئون، ويخبت المعاندون، ويذكرني صنيعهم المخادع هذا بما كان يقوم به كهنة فرعون وآيات الله التسعة تترادف منذرة باعثة إشارات ضوئية حمراء لفرعون وهامان وجنودهما، لقد كان هؤلاء المدلسون يبحثون عن تسويغ علمي محض وقراءة كونية تجرد الآية عن سياق الإنذار بها، وقد مكثوا على ذلك المنوال وتلك السيرة المخاتلة حتى هلك فرعون ومن معه غرقا، وهذه صنعة المتأخرين من أهل الهوى خصوم الوحي، ولذلك وجب التنبيه على أن هذه الزلازل والكوارث التي تحل بنا هي آيات من الله يخوف بها عباده، فيردهم في لحظة خاطفة إلى رشد الطاعة وسوي الصراط وفي هذا يقول الله عز وجل موضحا هذا المقصد الرباني:”وما نرسل بالآيات إلا تخويفا” وليس في هذا المعنى ما يفيد بالقطع والمطلق أن من هلك قد هلك عقابا، فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من صنف الشهداء صاحب الهدم، وفي هذا الامتياز المؤنة الكافية للإقرار بالاستثناء في هذا المقام، فقد يهلك من هلك وينجو من نجا وليس في تقديم الأول وإرجاء أجل الثاني ما يعطي أو يزكي هذا الأخير عند ربه سبحانه وتعالى، وهذه حقيقة لا تعارض أخرى، ذلك أن هذه الزلازل تعيد للأذهان المستغنية في طغيان أن ثمة إله قوي عزيز جبار، وأن القوة لله جميعا، فقد اقتضت ربوبيته وقيوميته أن يقلب معهود الأمور لتحل فُجاءة الموت ودمار العمران في ثواني معدودات، وكلها آيات كفيلة بإخراج الخلق من سكرة البغي والطغيان، وتحريره من حجاب الإلف والعادة، فلطالما حال هذا الحجاب بين الانسان وبين إحصاء معهود نعم الله عليه فلا يبادر إلى شكرها بله إلى تحسس نعيمها إلا بفقدها، وتلك آفتنا وهذه مصيبتنا التي لا نستفيق من سباتها العميق، ونومها المرضي الموبوء إلا على وقع الرجفة فالراجفة والصيحة تتبعها الرادفة نسأل الله ألا يأخذنا بذنوبنا كما أخبر عن أخذه لأقوام اجتمعت فينا من المعاصي ما تفرق فيهم إذ قال جل جلاله: “فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ـ العنكبوت 40.