لم يكن مولاي الحسن يجهل استمرارية العمل الفرنسي وتفاقمه، بل كان يعرف عبر الاستعلامات المسلمة، كل المشاريع التي تدارستها من قبل، الحكومة الاستعمارية الجزائرية، إما من أجل تحريك القوات النظامية، وإما بمنح تفويض مطلق، محتمل، لأولاد سيدي الشيخ، كي يقودوا حمله أهلية، في محاولة، لاستمرار المفاوضات مع بعض الشخصيات التواتية.
بل بالإمكان الذهاب لغاية إرسال برنوص (سلهام) التنصيب، وطابع القيادة -المقصود تعيينه قايدا- للحاج عبد القادر بن باجودا، ليكون تابعا لفرنسا، مع أنه أخ شقيق للقائد الشريفي بعين صلاح.
مولاي الحسن أدرك أخيرا بأن الأزمة المفتوحة لم يتم تسويتها، وأن تهديدها ما يزال قائما، لم يتأثر بالظهائر العشرين، ولا بمواعظ العقيدة التي تم توجيهها لشياطين التواتيين المساكين.
“لقد أبلغت جنابنا الشريف، بكتاب مؤرخ في 11 يوليوز 1893 وجه لقايد عكروت، بأن الأجانب يواصلون أعمال البناء في المناطق المحيطة ببلدك، لقد أخذنا علما بذلك”.
لكن المحادثات المتبادلة مع الحكومة الفرنسية، كانت على درجة كبيرة من الأهمية، بحيث لم يعد هناك ما يمكن قوله، حول هذا الموضوع.
وبالفعل في هذه الأثناء، غادر السلطان عاصمته متوجها لتافلالت، على رأس جيش هام.
كان من السهل عليه العثور على ذريعة دبلوماسية لذلك التحرك؛ تتمثل في رغبته زيارة قبر جده، مؤسس الأسرة الفلالية الحاكمة، وقد ترك الجيش المرافق له، المكون من 15000 رجل أثره في الطرق الصحراوية التي كانت مضطربة، والتي غير سكانها تصرفاتهم، فاستقبلوه بحفاوة، وهدوء بين.
“أرسلت رسالة بواسطة من بني امحمد للقايد باحسون،
ليأتي لمقابلته في تافلالت، ذهب القائد إلى هناك، واعترف لأمير المومنين بأنه لم يرسل بعد، ظهائر التولية والأختام المتعلقة بعاهيطاغيل، واولاد غيراديج، معتذرا له عن المخاوف التي داهمته بعد موت أبيه الحاج محمد، التي وقعت بعد عودته من فاس مباشرة، وبعد أن أبقاه السلطان معه ثلاثة أشهر، قام بعزله”.
من خلال هذا الاهتمام الذي أبداه السلطان بالطوارق في الصحراء الوسطى، يمكننا أن نتصور أنه كان مهتما لحد ما، بمسألة الواحات الأكثر استعجالا، وأنه كان لديه فيما يتعلق بالمشاريع، ربما لا نعرفها أبدا بالضبط، لأن محاوره باحسون الذي يمكن إخبارنا بها قد مات.
لكن يمكننا الحصول على فكرة عن أهمية وصوله للقصور الصحراوية، من خلال أنه بمجرد وصوله لتافلالت، تلقى خطاب من السي قدور بن حمزة، هو رسالة بيعة، ثم غادر بعد بعثه لتلك الرسالة بوقت قصير، الأراضي الجزايرية، لاجئا لكورارة، ومنفصلا عن فرنسا.
إن الأحداث التي وقعت بعد ذلك في شمال إمبراطوريته، منعت الأمير من تنفيذ الخطط التي كان يعتزمها، وجنبته خوض الجهاد في الجزائر، التي كان مسؤولوها لا يحسون بأنها وشيكة.
نحن نعلم أن مولاي الحسن عاد على عجل لمراكش، لاستقبال المارشال مارتنيز كومبوز، سفير ملك إسبانيا (دجنبر1893).
لكن اهتمامه بالواحات المهددة، تجلى في تدخله الشخصي في إدارتها وحكمها.
السلطان يدير شخصيا شؤون الواحات:
“لقد كتبت لنا في 13 ماي 1893 بأن قايد دلدول تحدث عن عدوان رجال خديمنا محمد أو سالم (من تيميمون) على قومك، فقتلوا اثنين منهم، وقطعوا نخلا بسبب دعوى رفعها قومك عليهم، وأخبرتنا أيضا أن القايد حسون أثناء مروره، قد عقد الصلح بين الطرفين وأخيرا أخبرتمونا بقدوم أشخاص من ولاية الجزاير، أتوا كالعادة للتجارة، وكذالك بالشجار الذي وقع بين إدارتكم بمطرفة وإدارة الساحل، بمنطقة خديمنا محمد أوسالم، نتج عنه مقتل رجل من قصر، في هذه الأخيرة.
وقد صار بالبال.
لقد تلقينا تقريرك الذي يثبت أن الأخطاء في جانب أهل الساحل، فالذين جاؤوا للتجارة (من ولاية الجزاير) تصرفوا معهم على العادة، أما التهدئة التي قام بها القايد حسون، فهي جيدة وفعالة، يضيف الأمير إلى القايد نفسه:
لقد أرسلنا في 4 يونيو التالي أوامرنا الشريفة، للقايد محمد أوسالم، لإجراء تحقيق في أسباب عدوان أهل الساحل، ومعاقبتهم، ومنعهم من تكرار ذلك السلوك، والبدء من جديد في المستقبل.
وفي 15 من نفس الشهر، كتب الأمير لقايد تيميمون:
وصلتنا رسالتك التي تحيل فيها إلى شخصنا الشريف عينات من الحجارة، مرسلة برسالة من خديمنا عبد القادر باجودة -هذا القائد هو أخ قايد عين صالح، الذي كان يميل للفرنسيين، وقد سبق ذكره- ويطلب منا الجواب.
وقد صار بالبال.
المعلومات الواردة، تشير إلى أنه لا فائدة على الإطلاق من هذه الحجارة، احتفظ بهذه الإجابة لباعثك، وسرعان ما عاد القلق من تهديد المسيحيين للظهور، لذلك كتب مولاي الحسن في 31 مارس 1894 لقائديه في دلدول وبرينكين ما يلي:
لقد وصل لعلمنا الشريف، أن عددا معينا من هؤلاء المرترددين الذين يقدمون أنفسهم لكم على أنهم مجرد تجار، ولكنهم في الحقيقة لا يبحثون إلا عن إيذائكم، أنتم وبلدكم، وينسوكم عقيدتكم.
تنقلهم في هذا الوقت خفية في بلادكم لتلقي الأخبار وجمع المعلومات، لاستخدامها في معرفة ما تفكرون به وتضمرونه من معتقدات، فهم قادرون على تسهيل تحقيق رغباتهم، من خلال الإستفادة من كل فرصة قد تتاح لهم.
نحن حريصون على توجيهكم وإرشادكم، وتقوية غيرتكم على الدين، والكشف لكم عن تلك الحيل التي لا تدركونها.
كونوا يقظين، متوافقين بينكم، راقبوا إيمانكم، وتعاضدوا، وتعاونوا، على فعل الخير، والفضيلة، واجتنبوا الفرقة، واقتراف الآثام، وتوكلوا على الله، واتحدواولا تتفرقوا.
أنتم والحمد لله مومنون، والمومن للمومن كالبنيان المرصوص، دينكم الإسلام، فاحفظوه، واحذروا الغفلة عن الجواسيس من حولكم.
أرصدوا وأنذروا بعضكم البعض، فالوقت صعب، وفقط يقظة الجميع سوف تخدمكم وتنقذكم، حتى يأتي اليوم الذي فيه يمكنكم إلحاق الضرر بمن يستحقه.
(علق الكاتب) وهذه الجملة الأخيرة، جديرة بالملاحظة بشكل خاص، لأنها تعطي الصيغة العامة الدقيقة، للموقف الذي يتبناه “المسلمون الصالحون” تجاه غير المسلمين الذين يفرضون أنفسهم عليهم.
ثم إنه في بداية علم 1894 وقعت اضطرابات داخلية جديدة، بررت توجيه الرسالة المعممة التالية المورخة في 17 أبريل 1894 الموجهة لقياد: تيمي، اولاد اسعيد اخنافسة، بودة، تيميمون.
لقد وقعت صراعات بين رعاياك بسبب الخلافات والمؤامرات، وأخبرتمونا بأن اللوم يرجع عليهم، واستحال علينا أن نعرف الحقيقة، لأن رسائلكم لم تفصل الأمر بما يجعله مفهوما، ويسمح لنا بمتابعة تطوره، وتحديد المتسبب فيه، واتخاذ القرار الذي يضع حدا لتلك الخلافات، لذلك نأمرك عند استلام رسالتنا الحضور أمام شخصنا الشريف، ليتم استجوابك شخصيا، قصد تحديد مكمن النزاع، وإنهائه، بعد تحديد وتوضيح منطلقاته وأسبابه الظاهرة والخفية.
ونرى أيضا العاهل يعتني بـ”الأصدقاء” الرحل.
إلى خدامنا: القايد محمد أوسالم، والقايد عبد القادر؛ لخنافسة، السلام عيكم ورحمة الله تعالى..
لقد علمنا من خلال رسالتك أن دوي امنيع، ولغنانمة واولاد سليمان، أعشاش، وأولاد حسين، قد شكلوا مجموعة من الفرسان، ونهبوا قافلة بين بلادكم وتدكلت وأنك طاردتهم، وتمكنت من القبض على بعض المغيرين، بما معهم من منهوبات، وأن الأخيرين قد لجأوا لدلدول، حيث استقبلهم السكان، وتمكنوا من الفرار، من قمعك، وقد صار بالبال.
لقد كتبنا لسلطتهم، قصد اتخاذ الإجراء المناسب لضمان عدم تكرار مثل هذه الأفعال، التي تستحق العقاب، في أي وقت، وكذلك كتبنا لخديمنا في دلدول بأن لا يقدم أي دعم للفرسان بعد الآن. والسلام.
من 11 محرم 1311 (25 يوليو 1894).
4- موت مولاي الحسن:
عندما عاد القايد باحسون لتافلالت، في نونبر 1893 لم يتوقف في تيمي، بل غادر على الفور لعين صالح، حيث أرسل على وجه السرعة ظهائر التولية والأختام لـ: عهيطاغيل، وأولاد غيراجي بالهكار، وبقي مقيما في عين صالح ستة أشهر، وبها تلقى رسالة من السلطان مولاي عبد العزيز، يعلن فيها موت والده مولاي الحسن، ويعلن العزاء فيه للبلاد.
{توفي مولاي الحسن في 3 ذي الحجة 1311(6 يونيو 1894)}.
——————
أنظره في:……quatre siecle d,histoire maroc (ص:265-272).