حقيقة الديمقراطية الغربية ذ.الحسن العسال

منذ كانت أعمارنا في عمر الزهور ونحن نسمع أن كلمة “ديمقراطية” مشتقة من الكلمة اليونانية “ديموس” التي تعني الشعب،”وكراتوس” التي تعني حكم، أي حكم الشعب لنفسه؛ بحيث هو الذي يملك السلطة السيادية على المجلس التشريعي والحكومة.
ومع توالي الأيام والشهور والسنوات أصبحت كلمة ديمقراطية ذات زَخْم عجيب، حمالة لكل بُنَيّات الأفكار، سوى ما يتعلق بالإسلام، بدعوى أن الأديان تُفَرّق ولا تَجْمَعُ.
وبالنظر إلى أصلها اليوناني فهي تقوم على أساس حكم الأغلبية المقرون بحقوق الفرد والأقليات.
ويقول المدافعون عنها إنها البلسم من تمركز السلطة، والحارس الأمين على حياض الحريات العامة والفردية تعبيرا ومعتقدا.
ودون الخوض في نظرة الإسلام للفلسفة التي تقوم عليها الديمقراطية، نستقرئ السلوك الغربي لتطبيق الديمقراطية النظرية التي يروج لها، ومدى أمانته في الحفاظ على أصولها، وانسجامه مع نفسه ومع مبادئها.
نبدأ بالديمقراطية الدولية الممثلة فيما يسمى بالأمم المتحدة، التي تتمركز السلطة فيها بين أعضاء مجلس الأمن المحتكرين لحق النقض، في ضرب سافر لمبدأ الديمقراطية من الأساس.
وتظهر ديمقراطية السيف الغربية جلية مع تنظيم غلاديو الإرهابي، الذي أسسته المخابرات البريطانية سنة 1949، بتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. والذي كان الهدف الرئيس من إنشائه تدبير وشن عمليات إرهابية ضد المدنيين العزل في أوربا ونسبتها إلى القوى اليسارية الأوروبية، للحد من المد الشيوعي آنذاك(1)؛ وفي إطار هذه العملية قامت هذه القوات السرية بالفعل بشن مئات العمليات الإرهابية في البرتغال وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وباقي الدول الأوروبية.
كما شملت هذه العملية أيضا تمويل إرهابيين من اليمينيين المعادين للشيوعية وتزويدهم بالمتفجرات لشن العمليات الإرهابية. والفكرة الجوهرية وراء “عملية غلاديو” هذه تمثلت في أنه إذا لم توجد عمليات إرهابية يمكن الاحتجاج بها، فإنه يجب خلق وتدبير هذه العمليات.
يقول أحد المشاركين في هذه العملية: «كان علينا أن نهاجم المدنيين من الأبرياء، نساء وأطفالا، والذين لا علاقة لهم بلعبة السياسة. والهدف هو إجبار هؤلاء على أن يلجأوا إلى الدولة طلبا للحماية في مواجهة الإرهاب المزعوم للقوى اليسارية«.
هكذا إذن كانت تطبق الديمقراطية بحد السيف في السر، مع لعن حامله في العلن.
ولك أن تقيس على هذا، “الديمقراطية المجهضة” في الجزائر عندما أوشكت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على تسلم زمام السلطة. وكذا الانقلاب على حزب النهضة في تونس، والمحاولات الفاشلة للإطاحة بتشافيز؛ ليستبين لك مفهوم الديمقراطية الغربية في أجلى صوره.
ومن عجائب الديمقراطية الغربية وتناقضها مع نفسها ومبادئها -إن كانت لها مبادئ أصلا- ما يسمى بحق تقرير مصائر الشعوب، حيث أصدرت الأمم المتحدة قرارا بحق تقرير مصير كشمير في أواخر أربعينيات القرن الماضي، لكن شيئا من ذلك لم يكن. وفي المقابل حظيت تيمور الشرقية بالانفصال عن أندونيسيا سنة 1999 بدعم ومباركة من الديمقراطية الغربية وعلى رأسها أستراليا!
أما في فلسطين السليبة فحدث ولا حرج، حيث لم تَحترم الديمقراطية الغربية حتى قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة سنة 1947م، بل كانت ولازالت تستمتع بقضم اليهود للأرض المباركة قطعة قطعة، في أفق التمدد نحو النيل والفرات.
وللقارئ الكريم أن يقيس على هذا: الانفصال الفعلي للكيان الكردي في شمال العراق، والانفصال المرتقب لجنوب السودان.
أما مشكلة الباسك فشأن داخلي لا يجوز التدخل فيه، بله تدويله.
وعلى مستوى الحقوق الفردية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، قرار المدير العام للانتخابات مارسيل بلانشيت منع المنتقبات من التصويت في مقاطعة كيبيك الكندية وذلك في عام 2007، ولم نر إعلام الديمقراطية الغربية يسلط الضوء على المسألة، أو يعيد بثها عشرات المرات على شاشات قنواته، كي تُحْفَظَ عن ظهر قلب، كما يفعل مع كل الجزئيات، ناهيك عن القضايا التي يرى أنها تقض مضاجع المسلمين!
وحقوق المحتجبات في التعليم بين أحضان الديمقراطية الغربية أشهر من أن يذكّر بها، وتليها حقوق المنتقبات حتى في ارتياد الأماكن العامة!!!
ولأن الغرب ديمقراطي حتى النخاع فقد خصه بان كيمون بندائه، لما حث الدول الأوربية على التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق المهاجرين في العالم المبرمة سنة1990، في ذكرى الاحتفال باليوم الدولي للمهاجرين الذي تم تخليده في 18 دجنبر من الشهر المنصرم. وذلك لأن أوربا “تحتضن” -رغم أنفها- 215 مليون مهاجر، إلا أنها دأبت على رفض التصديق على اتفاقية تلزمها بحماية المهاجرين وضمان أمنهم!
لقد أصبح الغرب، عوض أن يسهر على تطبيق الديمقراطية كما يقنع بذلك المغفلين والمتواطئين يوزع “حسن السيرة الديمقراطية” لمؤيديه وأتباعه من الأنظمة الحاكمة، كما كان يوزع أسلافه صكوك الغفران لأن المهم هو المصالح التي يدور معها الغرب وجودا وعدما، وليست الديمقراطية أو غيرها. والدليل على ذلك هو السكوت عن التزوير الواسع النطاق في مصر، ومباركة الانتخابات في العراق منذ الغزو، على الرغم من أنها تُخاض تحت لافتة الدين بامتياز، مادام القائمون بها موالون للغرب.
ولأن الديمقراطية الغربية لا مفهوم لها في الحقيقة إلا مفهوم المصلحة؛ فإنها تصمت عن التوريث الضارب أطنابه بين الرؤساء العرب وغيرهم من الموالين على الرغم من أنه ضد مفاهيم الديمقراطية النظرية!
إن البون شاسع بين الديمقراطية على المستوى النظري، وما يروج له الغرب، وبين واقع الديمقراطية في العالم، وما يباركه أو يصمت عنه بالفعل.
ــــــــــــــــــــــــــ

1- وعلى غرار “غلاديو” تم استخدام “خيار السلفادور” في العراق، الذي استخدم في أمريكا الوسطى ضد المقاتلين اليساريين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *