سلسلة مرافعات في الدعوة السلفية المرافعة الثانية: (مكانة العقل في الفكر السلفي)!* الجزء الثاني: طريقة العلمانيين العرب مع الوحي ذ.طارق الحمودي

للعلمانيين مع نصوص النبي عليه الصلاة والسلام طريقتان: طريقة التبديل وطريقة التجهيل، وأهل التبديل نوعان: أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف والتأويل.

أما أهل الوهم والتخييل فهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه؛ ولكنه خاطبهم بما يتخيلون ويتوهمون. كما فعلوا في أسلحة القتال قبل قيام الساعة وأحاديث الفتن؛ فقالوا إنما هي دبابات وصواريخ! وانظر في ذلك كتاب (العقلانيون ومشكلتهم مع أحاديث الفتن) لمبارك البراك.
وهي طريقة ابن سينا في كتابه (الرسالة الأضحوية) يقولون: الأنبياء قصدوا إفهام الناس بالكذب والباطل للمصلحة! وربما قال بعضهم إنه كان لا يعرف الحق أصلا.
وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بأقواله إلا ما هو الحق في نفس الأمر؛ وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم وهذه غالب طرقهم ولهم في ذلك أساليب كثيرة كدعواهم بأن النصوص تاريخية.
وهؤلاء أكثر الناس استعمالا للشبه والمغالطات الفكرية.
أهذه هي العقلانية!؟
وطرق المغالطة عندهم ذكرها الشيخ حسن حبنكة الميداني في كتابه (صراع مع الملاحدة حتى العظم).
طريقة التجهيل وحقيقة قولهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه جاهلون ضالون!! وهؤلاء لا يختلف في كفرهم أحد من المؤمنين!..
وهذا التقسيم مأخوذ أنموذجه من درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية رحمه الله!
فطريقتهم عموما رفض مبدأ اليقين الذي هو أحد مميزات الخطاب الإيماني ومقتضى نجوع الوسيلة ونفع الغاية؛ بخلاف عقلانية القرآن والسنة (الوحي) النازل لصلاح الإنسان وبيان النفع اليقيني والوسيلة إليه.
ليس المشكل في الميزان نفسه بل المشكل في الوزان العلماني.. فـ(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).
لقد تنبه العقلانيون إلى فلسفة العلمانية الليبرالية العالمية والعربية القائمة على عدم احترام العقل وعلى تطويع العقل للهوى، فلاحظوا عليهم المكابرة في قبول العقل الصريح والجناية على الفكر المنضبط، ومن أبشع مكابراتهم اعتقادهم أن الكون لم يخلق!! وكثير من العلمانيين العرب على هذا، وآخرون يعيشون تدافعا فكريا بين أن يوافقوا علمانيي الغرب وبين أن يحكموا عقولهم عند النظر في عجائب الخلق وجماليته في الكون..! وليس هذا محلا لدحض شبه الزبالة الداروينية فعذرا أيها العقل!
لماذا يتهمون السلفيين بأنهم.. (لاعقلانيون)!
إن كان علمانيو الغرب لهم نوع عذر في مواجهة الكنيسة بهذه الشراسة الممنهجة فإنك لا تجد ولن تجد مسوغا مثله لعلمانيي الشرق إلا أن يكون الجهل! فإن من جهل شيئا عاداه!
إن بعض العلمانيين سلفيون أيضا في عقلانيتهم! لهم سلفهم كذلك يرجعون إليه ويستمدون حججهم وشبههم منهم؛ مع الأخذ أيضا بشبه المستشرقين فإنهم حداثيون ومجددون أصالة ومعاصرة.
من هؤلاء بل من أبرزهم محمد أركون الجزائري الأصل الفرنسي التربية السوربوني الفكر الباطني الهواية الإسماعيلي الصداقة!
ومدرسة محمد أركون لا تخفى ملامحها على الباحث العقلاني! خليط غير متجانس من العقلانية القديمة والحديثة! وهو من القلائل الذين لا يجدون أية مشكلة في البوح بفكره ومجه مجا في وجوه من يسميهم السلفيين، فقد أقر بأن له امتدادا فكريا إلى عقلانية المعتزلة إقرارا صارخا، فقال في قضايا في نقد العقل الديني (ص:278؛ حاوره فيه الأستاذ هاشم صالح): (مأساتنا نحن المسلمين هي أن الأطروحة الثانية أي الأطروحة الحنبلية القائلة بأن القرآن غير مخلوق هي التي انتصرت وترسخت في التاريخ.. وحذفت مقولة المعتزلة التي لم تنتصر إلا لفترة قصيرة وفي الأوساط العقلانية المستنيرة أيام المأمون بشكل خاص).
ويقول: (أنا لا أعارض تصورات الأصوليين بكلام مجلوب من الخارج من أوروبا أو من عصر التنوير أو من السوربون فليكفوا إذن عن القول: هذا استغراب هذه تبعية للمناهج الغربية إلخ. لا أنا أعارض الأصوليين بما أجده داخل التراث الإسلامي ذاته، لا يمكنك أن تدحض كلام السلفيين المعاصرين بالنظريات الفلسفية الغربية، يمكنك أن تدحضه بكلام الشق الثاني من التراث الإسلامي ذاته) ويقصد المعتزلة.. ثم تسمع من بعض المثقفين إنكارهم على السلفيين استمرارهم في طرح مسألة الفرق ومذاهبها!!
هكذا يستمر النزاع بين السلفيين والمدرسة المعتزلية منذ الدولة العباسية منذ أول مواجهة بين ابن أبي دؤاد المعتزلي المتقوي بالسلطان وبين الإمام أحمد بن حنبل (رأس أعلام الحركة السلفية وإمامها الأول والأبرز) كما يقول الدكتور محمد عمارة في (السلفية/ص12) وكان شعار الإمام حينها ولا يزال كما يقول عمارة: (لابد من العودة إلى إسلام السلف، الإسلام الذي مضى وسلف، الإسلام الذي أصبح غريبا في مناخ فكري تفلسف وقدم العقل وبراهينه على النصوص والمأثورات، وأعمل الرأي والقياس والتأويل في هذه النصوص وتلك المأثورات…) مع أنني أسجل على الأستاذ محمد عمارة بكل أدب أغلاطا تاريخية وأخطاء منهجية في رسالته تلك ربما يكون لي معها وقفات!
وقد رمى العلمانيون (الحداثيون!!!؟) السلفيين بأنواع كثيرة من التهم الأكاديمية أحيانا والسوقية أحيانا أخرى!
فقالوا: لاعقلانيون ماضويون أعداء الحداثة والتجديد لا يهتمون بمقاصد الشريعة وروحها وهذه تهم أكاديمية فيها نوع من الروح الرياضية.
وقالوا: ظلاميون رجعيون!
بل قد حاول بعض (الباحثين!!!) المغاربة أن يصور لاعقلانية السلفيين في صورة نمطية، فزعم أن التدين السلفي تدين أصحاب الحرف والبائعين المتجولين وسكان أحياء الصفيح!
مشكلة هؤلاء أنهم يبحثون للوصول إلى نتائج مسبقة معدة في أذهانهم وهذه مصادرة كما يقول علماء المنطق يجعلون النتيجة مضمنة في أحد مقدمات القياس!!! وإلا فالباحث يجهل أن التدين السلفي تدين للجميع، فهناك أطباء رجالا ونساء، ومهندسون سلفيون، وأساتذة جامعات سلفيون، ورجال دولة سلفيون أيضا وقضاة، فما ترك الفكر السلفي مكانا بل إن السلفية كانت تديّن وزارات في عهد محمد الخامس ومن قبله، كالعلامة محمد بن العربي العلوي وزير العدلية والحجوي الثعالبي وزير الثقافة ومحمد الفاسي وزير التعليم والقاضي السرغيني وغيرهم بل كانت تدين بعض ملوك المغرب!!
فهل هؤلاء لاعقلانيون!؟
فلم المغالطة من هؤلاء وقد زعموا أنهم باحثون والنتائج مسبقة ومثل هذه الدراسات لا تكون منصفة ولا يخضعها صاحبها للمعايير الأكاديمية في البحث!!
للعلمانيين أساليب سوقية قوامها التدليس الاصطلاحي في الحوار الفكري، فهم يرمون العلماء عامة والسلفيين خاصة بعدم العقلانية ويوهمون الناس أن الأمر كذلك.
والصادم أنهم ينفون العقل (اللاعقلاني) عن السلفيين والسلفيون يثبتون (العقل الصريح المنضبط) هكذا هي حقيقة الصورة وإلا فقد خدعوك فقالوا..
ــــــــــــــــــــــــــــــ

*- كنت نسبت في الجزء الأول من المرافعة الثانية: لـ(مكانة العقل في الفكر السلفي) سهوا كتاب: نقد العقل المحض لـ”جون لوك” والصحيح أنه لـ”إمنويل كانت”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *