الديمقراطية.. تحت المجهر ذ.الحسن العسال

يتلخص جوهر الديمقراطية في كون “الشعب” هو المشرع، بغض النظر عن مضمون اختياره، لأن المهم هو كيفية الاختيار، الشكل الديمقراطي في الاختيار، وليس جوهره أو قيمته. بمعنى أنه على المستوى النظري، لا قيمة للحق والباطل، أو للمصلحة والفساد، في الاختيار الديمقراطي، وإنما القيمة كل القيمة، في العدد الذي سيختار، مما يجعل من القيمة قيمة كمية وليست كيفية.

ثم، من هذا الذي يحكم على ديمقراطية “نظام” ديمقراطي ما؟ آالغرب؟ أم “الديمقراطيون” المحليون؟
فإذا كان الغرب، فالكل يعلم أنه يكيل بمكيالين، مكيال يخص به نفسه، ومكيال ينظر فيه مصلحته، إن وافقت الديمقراطية، فبها ونعمت، وإلا فالديمقراطية فاسدة، والخائضون فيها ليسوا ديمقراطيين.
والدليل أن فرنسا الديمقراطية جدا كانت تبشر بنظام ابن علي المخلوع، وتعتبره نظاما ديمقراطيا يحتذى في الشمال الإفريقي. بل ظلت وفية لديمقراطية 98% إلى آخر لحظة، حيث عرضت وزيرة خارجيتها ميشال أليو ماري، قبل ثلاثة أيام من هروب بن علي، تقديم يد المساعدة وإرسال شرطة مكافحة الشغب الفرنسية لإخماد شرارة الثورة.
وفي المقابل، ولأن العملية الانتخابية التونسية، مرت في أجواء ديمقراطية حسب معايييرهم هم، لم تنبس الحكومة الفرنسية ببنت شفة، ولم تهنئ حزب النهضة إلا بعد أسبوعين، وهي التي عودتنا على التطبيل والتزمير على الفور، لكل متسلق على ظهر الشعوب باسم الديمقراطية!
واليهود في فلسطين، وهم المغتصبون لأرض غيرهم، سمحت لهم ديمقراطيتهم بأن يجردوا أهل فلسطين من “مواطنتهم”، تنفيذا لإرادة إلهية بترسيم اليهود “شعب الله المختار”، ومع ذلك فبنو يهود ديمقراطيون حتى النخاع، ولا أحد يحق له أن يجادل في ذلك! ولأنهم ديمقراطيون فقد وافق “نتنياهو” على مشاريع قوانين تحد من أنشطة منظمات حقوق الإنسان وحركات اليسار المناهضة للاحتلال!
فهل مثل هؤلاء يُحتكم إليهم في تعيين الديمقراطي من غيره!
أما إن كان “الديمقراطيون” المحليون هم من سيحددون من هو الديمقراطي من عدمه، فإنهم يلعن بعضهم بعضا، ولن تظفر منهم بشيء.
لأنك لن تستطيع اعتبار أنظمة ابن علي ومبارك وعلي اليمن أنظمة ديمقراطية، مع أن الغرب قد باركها، أو سكت عنها! وإن كان هؤلاء غير ديمقراطيين، فكيف سنجعل منهم كذلك؟ وكل واحد منهم يدعي وصلا بليلى!
وإذا أردنا أن “نتفلسف” [1]أكثر، نقول: هل اختيارنا للديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، تم بشكل ديمقراطي؟
ألسنا مضطرين، في ظل عولمة الديمقراطية، بالأخذ بهذه الأخيرة على الرغم من أنوفنا !فيكون حكمنا حكم المضطر والمكره، أي أننا أكرهنا على الديمقراطية كرها، بمعنى أننا لم نختر الديمقراطية، بل هي التي اختارتنا !وبعبارة أوضح: إن الديمقراطية لم تكن أبدا اختيارا ذاتيا، ولكنها “اختيار” مفروض، تحت مطرقة هيمنة المرجعية الغربية.
إن الديمقراطية إذن؛ إعادة إنتاج، أي أنها منتوج هجين، والهجين لن يكون أبدا أصيلا.
ثم إن هناك ديمقراطية مباشرة، وأخرى نيابية، فأيهما الديمقراطية الحقيقية؟
ومع ذلك فالديمقراطية المباشرة مبتغى، ولا وجود لها على أرض الواقع، لأن حتى الديمقراطية السويسرية تنعت بشبه المباشرة، فلماذا لم تطبق الديمقراطية المباشرة لحد الآن، ألأن تطبيقها صعب المنال، أم لأنها تفضح حقيقة “الديمقراطيين”؟
وبالنسبة للديمقراطية التمثيلية، التي تعتبر نقيض المباشرة، هل يجب قبولها على علاَّتها؟
مثلا: إذا خان المرشح أو حتى الحزب وعوده، هل ينتظر الناخب ست سنوات، كي “يدافع عن حقه” بالتصويت لآخر، ولا أحد يضمن هل سيفي هو الآخر بوعوده، أم ينكثها؟.. وهكذا دواليك.
وإن كان المشهد الحزبي كله على هذه الشاكلة، وهو كذلك، فماذا ينتظر الناخب من الديمقراطية المدللة؟
وإن افترضنا أن المشهد الحزبي على ما يرام، فأين الديمقراطية من مطبخ الماسكين بزمام الأمور؟
وذلك أنه من حيث الإعداد يخضع التقطيع الانتخابي على سبيل المثال لهوى السلطة بين المعيار السكاني والمعيار الجغرافي، والمحدد هو مصلحتها لا مصلحة الديمقراطية.
فالنظام الفردي يركز على الأشخاص أكثر من الأحزاب والبرامج، ومن عيوبه أن يكون للمال وشراء الأصوات تأثير كبير على نتائج الانتخابات، كما يتيح للعصبيات والقبلية دوراً كبيراً في اختيار النواب في بعض الدوائر، استناداً إلى صلاتهم العائلية، بصرف النظر عن مؤهلاتهم وبرامجهم. ويأخذ كثيرون على هذا النظام أنه ينتج برلماناً لا يعكس الحجم الحقيقي لأصوات الناخبين.
فمن الممكن أن يصل مرشح إلى مجلس النواب بـ10 آلاف صوت في دائرة صغيرة، فيما يفشل مرشح آخر رغم حصوله على ضعف هذا العدد لأنه في دائرة أكبر.
أما في النظام النسبي فيتم التركيز على البرامج والأحزاب، وليس الأشخاص. غير أن عيوب هذا النظام تتلخص في ضعف الارتباط بين النائب والناخب بسبب اتساع حجم الدائرة.
والتمثيل النسبي هو عينه يختلف باختلاف النظام الانتخابي المطبق في الدول التي تتبعه. فهو إما أن يكون تمثيلا نسبيا للأحزاب السياسية فقط، أو أن يكون تمثيلا نسبيا للأحزاب والمناطق، أو تمثيلا نسبيا للأحزاب والمناطق والهيئات العامة كالنقابات.
وعند التطبيق، فإما أن تهيمن وزارة الداخلية على العملية برمتها فتصول وتجول تبعا لهواها، أو تعين هيئات وقضاة محدودي الصلاحية “للإشراف” على العملية الانتخابية، وهما أمران أحلاهما مر.
لماذا كل هذه التفاصيل؟ لأن الديمقراطيين، حينما يتكلمون عن الديمقراطية، يتعاملون معها وكأنها المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هل علينا سلخ جلودنا لنكون غربيين حتى نكون ديمقراطيين؟
هل قدرنا أن نتبع سراب الديمقراطية، وكأنها وحي مقدس لا ينبغي الحيدة عنه؟
ما المقياس الذي نقيس به الديمقراطي من غيره؟
أم نستنجد “بالسيد” الغربي كي يعطينا دروسا في الديمقراطية، ويختار منا الديمقراطي ويطرح غيره؟!
والمعلوم أن هذا “السيد” يعتبر الديمقراطية في العالم العربي خطا أحمر، ولو أنه بدا وكأنه يقبل بها بعد الربيع العربي في العلن وعلى مضض، تونس نموذجا، وما يفتأ أن يلتف عليها، ويجعلها نسخة طبق الأصل لما يريد، وإلا فهي ليست كذلك.
وأكبر آفة تعاني منها الديمقراطية هي سيطرة أرباب المال على مقاليدها. وهذا واضح من خلال سيطرة الشركات الكبرى في أمريكا، على “القرار الديمقراطي”. وآخر ما تداولته وكالات الأنباء العالمية في هذا الشأن هو أن جورج باباندريو لما طالب باستفتاء عام فيما يخص الأزمة اليونانية، أدى ذلك إلى اضطراب في الأسواق المالية، مما دفعه إلى التخلي عن هذه المطالبة! بل ألجئ إلى الاستقالة.
ليتضح لك أيها القارئ الكريم أن الديمقراطية ما هي إلا ورقة تتلاعب بها أطراف لا تؤمن بها بقدر ما تؤمن بمصالحها.
وحتى لو لم يكن المال في أمريكا هو سيد الموقف في اللعبة الديمقراطية، فهناك معامل لصناعة الرأي، يستحوذ عليها أرباب إمبراطوريات الإعلام الكاذب والمزيف للحقائق، مع محاربة أي صوت معارض بكل السبل التي لا يعجز أباطرة المال والإعلام عن توفيرها، ومنظمة الأيباك الأمريكية الصهيونية أكبر دليل على ذلك، لأنها الآمر الناهي في “الديمقراطية” الأمريكية العتيدة!!
إن صناعة الرأي توهم البسطاء أنهم يصوتون باختيارهم، والواقع أنهم مجرد أدوات ليس إلا، يستغلها “عُلِّيَّة الديمقراطية” لتحقيق مآربهم، وتلميع صورتهم، وقضاء مصالحهم، التي يوهمون بها المغفلين أنها لا تعدو أن تكون مصالحهم هم [أي المغفلين البسطاء]، مما يجعل هؤلاء يدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة وجهد.
وإمعانا في إغراقهم في الوهم، يرشونهم ببعض الشعارات المثيرة، ويستثيرونهم بالعواطف الجياشة، فيصابون بالسكر الديمقراطي، الذي يجعل منهم صوفية يبذلون النفس والنفيس من أجل الشعيرة الديمقراطية المقدسة.
وعلى الرغم من كل هذا علينا الإيمان القاطع بأن الديمقراطية هي أبدع ما في الإمكان، لأن هناك من يقول إذا كان في الديمقراطية عيوب، فعلينا العمل على تجاوزها، وتحسينها، عوض نبذها!
وهنا أسائل من يهيم بالديمقراطية حبا، أليس لكم عقول لإبداع نظام آخر غيرها؟ أوليس في الإمكان أبدع من الديمقراطية؟ أم أن حياة الأَسْرِ التي يعيشها بنو حداثة وبنو علمان في سجون الفكر الغربي، لا تخول لهم الانعتاق من الشرنقة التي وضعوا أنفسهم فيها، وليس بالإمكان التخلص من الأصفاد التي كبلوا عقولهم بها، ويستحيل عليهم التفكير خارج الحدود التي وضعها لهم سجانوهم.
لماذا القبول بمجلس المستشارين أو مجلس الشيوخ أو مجلس اللوردات، وإقامة حرب شعواء على فكرة أهل الحل والعقد؟ لأمر بسيط، لأن القوم عبيد لا يرون إلا ما يرى أسيادهم، لهم عيون لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم عقول لا يفكرون بها..
ذكرت في أول المقال أن جوهر الديمقراطية يتلخص في كون “الشعب” هو المشرع، ووضعت الشعب بين مزدوجتين إشارة إلى أن هذا لن يتأتى إلا في الديمقراطية المباشرة، وإلا فإن المشرع سيكون هم “نواب” الشعب.
ومهما يكن من أمر، فنحن في وسط إسلامي، فلا يليق بنا أن نخالف مرجعيتنا المعتمدة على الكتاب والسنة، من أجل سواد عيون الديمقراطية. أي إذا كانت اللعبة الديمقراطية ستجعلنا في مواجهة إسلامنا، فلتذهب إلى الجحيم، ولا أحد يزايد علينا بأن السياسة ليست من الإسلام في شيء، لأن هذا الشعار لا يرفعه إلا العاجزون عن نفي التناقض الحاصل بين الديمقراطية كما يريدها الغرب، وبين عقيدة أن المشرع هو الله تعالى، الذي شرع سبحانه قتل الزاني المحصن والمرتد والقاتل العامد، وهو سبحانه الذي شرع “للذكر مثل حظ الأنثيين”، وحرم اللواط، وأوجب الحجاب، وحرم الربا والخمر…إلخ. فلا يأتينَّ أحد في آخر الزمان، وباسم الديمقراطية، لإلغاء أحكام الله!
ولا يضحكنَّ علينا أحد بجعل الكنيسة مثل المسجد، والقرون الوسطى في أوربا، كقرون الازدهار في التاريخ الإسلامي، فيجمع بين المقدمات المتنافرة ليخلص إلى نتيجة متهافتة، أرادها هو ضدا على المنطق والعقل والتاريخ، مما يجعل من استنساخ الشروط التاريخية التي أسست للديمقراطية ضربا من الجنون.
والغريب العجيب أن الديمقراطي، بمجرد فشله في الحصول على نصيب من كعكة الحكومة، يلجأ تلقائيا إلى المعارضة، ولو لم تعقد الحكومة أي مجلس بعد!
ولا أدري أي عقلانية تجيز أن تحكم على شخصية ذاتية أو معنوية من عدم! إن لم تكن الأحكام المعيارية المسبقة، فهل كل من أصبح خارج الكعكة الحكومية، حتما وضرورة يجب أن يلعنها، ولو لم يتذوقها بعد، أو حتى يشم رائحتها!
وأعجب من هذا أن فوز حزب النهضة التونسي أظهر حقيقة الديمقراطيين، فالقطب الحداثي في تونس، والذي مني بهزيمة نكراء، خرج العشرات منه يتظاهرون رافعين لافتة تقول: “أحترمك يا صندوق، وكم أحتقر ما أفرزت”!
كما تظاهرت خمسمائة امرأة تونسية حداثية أمام مكتب الوزير الأول لحماية مكتسباتهن الحقوقية!
فيما استنجدت سهير بلحسن رئيسة الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان بفرنسا قصد حماية حقوق الإنسان والحداثة والديمقراطية!
ومع ذلك فالديمقراطية أبدع ما في الإمكان!
ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أولا معذرة عن هذا المصطلح، وثانيا المقصود به هو الغوص في أعماق الإشكاليات، عوض القبول بما هو متداول بشكل سطحي، قصد تمريره على ظهورنا، لقضاء مآرب خاصة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *