مفاسد ليست خفية في “الكاميرا الخفية” عبد القادر دغوتي

إن قصدي بـ”الكاميرا الخفية” في هذا المقال، هو ذلك النوع من البرامج الفنية الفكاهية التي تكون مادتها، مشاهد حية من الواقع المعيش، ويكون أبطالها وشخصياتها الأساسية، شخصيات واقعية، إضافة إلى شخصيات أخرى “تمثيلية” تلعب أدوارا مختلفة.
ولعل القصد الأول من مثل هذه البرامج الكوميدية، هو تقديم مادة فكاهية دسمة للمشاهد “المستهلك”، غنية بالعناصر المُغذية لغريزة حب الفكاهة والمزاح والمرح… فيقبل عليها بنهم، خصوصا أن عنصر التشويق فيها أقوى، إذ يعلم المشاهد أنه أمام مشاهد واقعية بشخصياتها ومواقفها وردود أفعالها، وليس مجرد تمثيل…
وقد تكون لها مقاصد أخرى، لكن نحن لسنا بصدد هذا، ولا بصدد النقد الفني لهذا اللون من البرامج ولا إصدار أحكام قيمة بشأنها ولا بيان الحكم الشرعي فيها؛ فإن لكل ذلك أهله، وإنما الغرض هو رصد بعض المفاسد التي تكتنفها، وسأخص بالذكر ما لا يخفى منها، ومن ذلك ما يلي:
الزَجَ بالناس في مواقف هزلية ساخرة، وجعلهم مادة يتفكه بها غيرهم، من غير استئذان منهم طبعا، وقد يصيرون عرضة للسخرية والاستهزاء، والغمز واللمز من المعارف والأقران، بعد رؤيتهم على تلك الأحوال. ولست أدري هل تُراعى موافقتهم من عدمها على عرض تلك المشاهد بعد تصويرها…
الجرأة على كبار السن، فإن من بين المستهدفين من عدسات الكاميرا الفكاهية الخفية: رجال كبار السن قد علا الشيب رؤوسهم، وكذلك نساء كبيرات. بينما يكون وراء الكاميرا من مصورين ومخرجين، أو أمامها ممن يؤدون أدوارا تمثيلية، شباب صغار، هم في عمر أبناء أو حتى أحفاد أولئك المستهدفين من الرجال والنساء.
والرأي عندي، أنه يجب أن لا نرضى لمن هم في أعمار ومقام آبائنا وأمهاتنا، أن نجعل منهم مادة نتفكه بها -من حيث لا يشعرون ولا يقصدون- ونخلع عنهم بذلك لباس الهيبة والوقار.
وإن ديننا الحنيف يحثنا على توقير الكبير وتقديره وإجلاله، ففي الحديث عن أنس بن مالك: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا”1.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يعرف شرف كبيرنا”2.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من إجلال الله -تعالى- إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط”3.
وفي الباب أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فتناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبَر، فدفعته إلى الأكبر”4.
وقد كان الصحابة الكرام متمسكين بهذه القيم الأخلاقية التي ربَاهم عليها مُربيهم ومُعلمهم صاحب الخلق العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، فكان شبابهم يُجلَون ويُوقرون الذين هم أكبر منهم سنَا، ويحفظون لهم قدرهم ومرتبتهم. ومن أمثلة ذلك ما روى مسلم بسنده عن سمرة بن جندب قال: “لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول؛ إلا هاهنا رجالا هم أسنَ مني”5.
لكن يبدو أن هذه القيم السامية، تختفي مع بعض المشاهد الهزلية الساخرة التي تُعرض عبر برامج “الكاميرا الخفية”، على شاشات قنواتنا أو على غيرها من القنوات الأجنبية.
ترويع الناس فإن مما تعتمده “مقالب” وفخاخ الكاميرا الخفية بغرض الفكاهة والمزاح؛ مواقف مزعجة بل مفزعة ومروعة أحيانا، فيُجبر المُستهدف على عيشها ومكابدتها وتحمل عنائها ولو للحظات معدودة.
وبعد أن يبلغوا به منتهى الترويع والإزعاج، يحاولون تهدئته بقولهم: “لقد شاركت معنا في الكاميرا الخفية”!! وليس كل الناس يستطيعون تحمل مثل تلكم المواقف المروعة دون عواقب سلبية، وقد تتسبب لبعضهم أضرارا صحية لا تخفى. فهل من الإنسانية أن نروع ونزعج أناسا هادئين لإضحاك آخرين؟!
وإذا نظرنا إلى هذا الأمر من زاوية شرعية؛ نجد أن الإسلام ينهى عن ترويع الآمنين ولو على سبيل المزاح والدعابة. فقد روى أبو داود عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: “حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لرجل أن يروع مسلما”.
وفي رواية عند الترمذي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا أو جادا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه”6.
فواضح أن أولئك الصحب الكرام آنسوا غفلة من صاحبهم أثناء قيلولته، فأخذوا شيئا من متاعه من باب المزاح والمداعبة، لكن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم نهاهم لما رأى فزع الرجل.
ومن هذا الباب أيضا نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه، ولو على سبيل المزاح. قال عليه الصلاة والسلام: “من أشار إلى أخيه بحديدة ؛ فإن الملائكة تنعله حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه”7.
وبعد
فهذا مجرد ملاحظة تتعلق ببعض المفاسد -التي أرى أنها غير خافية-، مما تقع فيه برامج الكاميرا الخفية الفكاهية، ولعل القيمين عليها أن يراجعوا منتوجهم على هدى من قيمنا الإسلامية، وأن يتحرروا من التبعية والتقليد لغيرهم في الشكل والمضمون، فباب الإبداع الفني واسع، وسيكون أجمل وأفيد لو انضبط بما يوافق قيمنا وثقافتنا الدينية والوطنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ سنن الترمذي، رقم 1919.
2 ـ نفسه، رقم 1920.
3 ـ صحيح رياض الصالحين، رقم341.
4 ـ صحيح مسلم، رقم 2271 .
5 ـ صحيح مسلم، رقم 964.
6 ـ سنن الترمذي، رقم 2160.
7 ـ صحيح رياض الصالحين، رقم 1525.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *