عبادات القلوب (ج1) طارق برغاني

العبادة تخص القلب كما تخص الجسد والجوارح، والعبادة في عمومها فاقدة لمغزاها، قاصرة في أجرها وثوابها ما لم تتأسس على الإيمان الخالص، وما لم يتحقق فيها شرط الخشوع الاستسلام، وما لم تصدق فيها النية الخالصة لله عز وجل. وكلها أركان محلها ومنبعما القلب ابتداء قبل أن يتجسد أثرها على الجوارح، وللقلب عبادات مخصوصة وطاعات معَيّنة، لها معاني ودلالات قد تكون في حقيقتها أقرب إلى المجرد السري منها إلى المعلن الحسي.
الإيمان:
وهو أعظم عبادة وأسمى طاعة، وهي الأصل والأساس الذي ينبني عليه الدين أجمع، والإيمان تصديق قلبي ويقين روحي، “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” الحجرات:14.
عن جبير بن مطعم قال: “سَمِعتُ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم يقرأُ في المغربِ بالطُّورِ، وذلك أولَ ما وَقَر الإيمانُ في قَلْبي” البخاري: 4023، ويكتمل الإيمان بالعمل الصالح، “مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ” الفتح: 29.
النية:
وهي القصد والإرادة ومحلها القلب، وهي أصل ثبات كل عمل قبولا أو بطلانا، وعليها يترتب أثره ثوابا أو عقابا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كُتِبَ على ابنِ آدمَ نصيبُهُ منَ الزِّنى مدرِكٌ ذلِكَ لا مَحالةَ، فالعينانِ زناهما النَّظرُ، والأذُنانِ زناهما الاستماعُ، واللِّسانُ زناهُ الكلامُ، واليدُ زناها البَطشُ، والرِّجلُ زناها الخُطا، والقلبُ يَهْوى ويتمنَّى، ويصدِّقُ ذلِكَ الفرجُ ويُكَذِّبُهُ” مسلم: 2657.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه” البخاري: 1، “…ووقع في معظم الروايات بإفراد النية، ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها. بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها؛ ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد للواحد الذي لا شريك له… قال النووي: النية القصد، وهي عزيمة القلب…” فتح الباري: 1/19-20.
التوكل:
طاقة إرادية منبعها القلب تحرك العبد إلى السعي والعمل المبنيان على التفويض التام والاعتماد المطلق على الهداية الربانية والتكفل الإلاهي في المآل والمصير، “رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” الممتحنة: 4، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لو أنَّكم توَكَّلتم على اللهِ حقَّ توَكُّلِهِ، لرزقَكم كما يرزقُ الطَّيرَ، تغدو خماصًا، وتروحُ بطانًا” صحيح ابن ماجة: 3377، وقد خص بالوصف جنس الطيور لصفاء أفئدتها ونقاء قلوبها، يؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: “يَدخُلُ الجنَّةَ أقوامٌ أفئدتُهُم مثلُ أفئدَةِ الطَّيرِ” مسلم: 2840. “…(مثل أفئدة الطير) جمع طائر… وقيل معناه المتوكلون وقيل أفئدتهم رقيقة أي فهي أسرع فهما وقبولا للخير وامتثالا له” محمد بن علان الصديقي، دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين.
التقوى:
وهي مقترنة بالتوكل مرتبطة به، مصداقا لقول الله عز وجل: ” وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ” المائدة: 11، وهي وقوف عند حدود الله واجتناب ما حرم مخافة الوقوع في الإثم، ومحلها القلب، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “المسلمُ على المسلمِ حرامٌ دمُه وعِرْضُه ومالُه المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يخذُلُه التَّقوى هاهنا وأومَأ بيدِه إلى القلبِ وحَسْبُ امرئٍ من الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلمَ” مجمع الزوائد: 8/86.
الدعاء:
ويشمل الرجاء والطلب والشكوى والاستغاثة لدفع ضر أو جلب نفع أو كشف بلاء، سرا وجهرا فالدعاء حشد للخشوع القلبي يصاحبه تذلل واستكانة يستتبعه تضرع استعطافي إلى الله عز وجل ويشترك فيه القلب والجسد معا كوضعية السجود، وعند الطواف بالبيت والوقوف بعرفات، “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” البقرة:127، وعند الزحف، وغيره، “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” الأنفال:09-10.
التفكر والتدبر:
ويكون في آيات الله الكونية وسننه الماضية ومعجزاته الباهرة، “وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ق: 36-37، كما يكون بالتأمل في آيات كتابه العزيز والعمل بأحكامها والتخلق بآدابها، والاتعاظ بأمثالها، والامتثال لأوامرها، “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ” محمد: 24.
الشكر:
يكون خالصا كلما نبع من القلب اعترافا بنعم المنعم، فيحرك اللسان ذكرا وتسبيحا والجوارح سعيا في الرزق الحلال، وإتقان الصنعة وابتغاء الإصلاح في الأرض، وخدمة الأمة والمساهمة في تقدمها ورفعة مكانتها، وكلها سبل لدوام تلك النعم وحفظا لها من الزوال، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليتَّخِذْ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً صالحةً تُعينُه على أمرِ الآخرةِ” السلسلة الصحيحة: 2176.
اللهم اجل قلوبنا لك طائعة وارزقنا الإخلاص في القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *