بعد عام دراسي مُرْهِق نفسيًا ومُنْهِك جسديًا، ونحن على وشك الانتهاء من الامتحانات النهائية لطلبة المدارس والجامعات، ومع بداية كل عطلة صيفية يبدأ الأهل بالبحث عن مكان للاستجمام والراحة لتجديد النشاط؛ وذلك قصد الاستفادة من العطلة الصيفية وقضاء أوقات ممتعة.
وتعدّ العُطْلة الصَّيفية محطة مهمة ينتظرها الشباب والمتمدرسون بصبْر كبير، وهي بِمثابة المكافأة لهم عما بذلوه من جِدّ واجتهاد طيلة الموسم الدراسي، وهي فرصة تمكنهم من استِعادة نشاطِهم وحيويَّتهم عند استِئْنافِهم للدِّراسة خلال العام الدِّراسي الجديد، ولا يخفى علينا -نحن المسلمين- أن التَّرويح المُباح في العُطْلة الصَّيفيَّة وخارجها هو حق للجميع يُمارس وفق ضوابط الأحكام الشرعية والأخلاقية التفصيلية المتعلقة بهذا الموضوع، قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].
وفي مقولة لأبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: (إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو؛ ليكون ذلك أقوى لي على الحق) (ينظر: بهجة المجالس، لابن عبد البر، 1/ 115).
والعطل الصيفية -عموماً- تعتبر من الأوقات الرائعة والجميلة التي تنقل الطلاب والشباب من هموم الدراسة والمذاكرة إلى الترويح عن النفس وممارسة الأعمال والأنشطة التطوعية والرياضية والفنية وما شابه ذلك، والتي لم تكن ممارستها ممكنة بما فيه الكفاية في أوقات الدراسة والتحصيل العلمي، فالعطل الصيفية من الفرص الجيدة التي يستطيع فيها الشباب أن يستثمـر وقته في إنضاج خبراته، وبلورة كفاءاته، واكتساب المهارات الجديدة والمفيدة.
وإذا كان وقت الفراغ -كما يعرّفه بعض المهتمين بالتربية وعلم النفس- هو الوقت الحرّ الذي لا يرتبط بضرورة أداء واجب معيّن، والذي يتحرّر فيه الإنسان من التزامات وضرورات الحياة، وتكون له حرّية قضائه كيفما يريد ويرغب، فإنّ ذلك يشمل وقت الفراغ بالنسبة للطلبة والشبّان فترات العطل الصيفيّة والشتوية والأسبوعية، والإجازات والأوقات الخارجـة عن الدوام الرسمي، بالإضافة إلى ما يوفّره عصر الآلة والتقنيات الحديثة من أوقات فراغ بين الفينة والأخرى.
وحيث إن الموضوع ذو سعة كبيرة تجعل من غير المتاح تناوله تناولاً متكاملاً وشاملاً في مثل هذه الورقات والمناسبات، فقد اقتصرت في التعرض للجانب الترويحي عند الشباب من خلال فرصة استغلال العطلة الصيفية، ولكي يكون هذا الترويح مفيداً للشباب بالخصوص ذكورا وإناثا، تأملت بعض المقترحات التي نضعها بين يدي شبابنا وشاباتنا في بعض وسائل استثمار أوقات الفراغ، ونأمل أن يجدوا فيها عوناً على تلك الساعات التي تسمّى بالخالية. ومن هذه الأمور المهمة نشير إلى الآتي:
1- يجب أن لا يُنسينا الترويح عبوديتنا لله الخالق – عز وجل-: قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، فحياة الإنسان كلها: حُلوها ومُرّها، جِدّها وهزلها، صغيرها وكبيرها، يجب أن تكون خالصة لله وحده سبحانه، ولا تنسينا إيـاه.
وقد كان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- مدركاً جيداً للحلال والحرام منذ ريعان شبابه، حين قال مقرّراً هذه المسؤولية العظيمة، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد، 4/ 204: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)، وفي ذلك قدوة صالحة وتربية مثالية لأجيالنا المعاصرة، كي تجعل من ترويحها عبودية كاملة لله تعالى.
2- توظيف وقت الفراغ فيما يعود بالنفع والخير: لا شك أن استغلال وقت الفراغ أمر في غاية الأهمية، ولا يشك أحد أيضاً أن مشكلات توظيف وقت الفراغ واستثماره لا تقل أهمية عن المشكلات الاجتماعية الأخرى التي تواجه الشباب المغربي على مختلف شرائحهم.
ومن هنا لا بد للشاب أن يأخذ متسعا من الوقت لعمل أي شيء مفيد، أو ممارسة أي هواية أو نشاط مباح، حتى يستفيد من وقت العطلة والفراغ.
والمتأمل في الواقع المغربي المعاصر يجد طلاب المدارس يشتكون من وقت الفراغ في العطلة الصيفية، وكذلك طلاب الجامعات، ومما لاشك فيه أن عدم استغلال وقت الفراغ الطويل بأمور ايجابية، سوف ينقلب الموضوع كله سلبياً راساً على عقب؛ لأنه قد يدفع الكثير من الناس -خاصة فئة الشباب- إلى اللهو والعبث المحرّم وغير المنضبط، أو إلى مرافقة الصُّحبة السيئة، فكما يقال: “من لا يجد عملاً، يعمل أي شيء”. ومن هذا المنطلق يجب استغلال وقت الفراغ بأمور تعود بالفائدة على الإنسان، بأن يخلق لنفسه برنامجاً بمساعدة الأسرة وذوي الخبرة ليملأ وقت فراغه في أمور نافعة، حتى لا ينقلب وقت الفراغ إلى حسرة ونقمة بدلاً من أن يكون خيراً ونعمة.
3- الاشتراك بالأعمال التطوعية والخيرية: فهذا الأمر يشعر الإنسان بسعادة لا تضاهيها سعادة؛ لأنه يقدم الخير تطوعاً لمجتمعه وللناس المحتاجين، فعندما يشترك الشباب في حملة لتنظيف الشوارع وصباغة الأرصفة، فقد ساعد في تقديم عمل الخير والتنمية لمجتمعه ووطنه، وحافظ على نظافة بلده، أما حين يشترك في تقديم المساعدات للفقراء، فقد أدخل البهجة والسرور على قلوب هؤلاء الناس، ويشعر بسعادة بالغة وبأهميته وأهمية ما فعله.
4- قراءة الكتب الجديدة والمفيدة: هي من الأمور ذات فائدة قصوى عند استغلال وقت الفراغ بواسطتها، وخير كتاب يُقرأ كل يوم دون كلل أو ملل هو كتاب الله، وتدبر معانيه، فمن الممكن وضع برنامج يومي سهل التنفيذ يَقرأ من خلاله الإنسان كل يوم جزءاً من القرآن الكريم أو يحفظ بعض أجزائه، ويمكن أيضاً قراءة الكتب أو القصص المسلية البعيدة عن الإثارة الجنسية أو المجلات الهادفة وحتى الجرائد المفيدة، ولا مانع من حل الكلمات المتقاطعة؛ لأن حلَّها مفيد للذاكرة والتسلية المباحة، ويساعد في تنشيط وتحريك الذاكرة… والقراءة تزيد من معلوماتنا وتثقفنا أكثر وأكثر، وتفتح لنا آفاقاً رحبة من الاكتشاف والمعرفة وتطوير الذات.
ومهما قيل في أنّ أهمّية الكتاب قد تراجعت خلال العقدين الأخيرين في مقابل المنافسات الاُخرى (المذياع والتلفاز والصحف والحاسوب وشبكة المعلوماتية)، إلاّ أنّه ما زال وسيبقى محتفظاً بقيمـته التي حظي بها منذ قديم الزمان.
5- حضور مجالس المحاضرات والندوات والأمسيات العلمية والثقافية: وهي من بين الطرق النافعة في تعبئة الفراغ، وشيء جميل أن نحيط علماً بالمواسم والبرامج الأسبوعية والشهرية الثقافية والعلمية والأمسيات الأدبية والفنية وما يقدّم من محاضرات وندوات، ولا نضيع مثل هذه الفرص؛ فهي يمكن أن تثري معارفنا وتنمّي لدينا قابلية الحوار والنقد والتعرّف على الآراء المتعددة والأشخاص الجدد، والذين قد يكون لهم أثر إيجابي في حياتنا ومستقبلنا.
6- القيام بالرحلات الاستكشافية والاستطلاعية مع أصدقاء الخير والرفقة الصالحة: فالرحلات شيء محبب للنفوس، ففي الرحلات أُنسٌ بالصديق، وتفريج للضيق، وكسب للمهارات والخبرات، وفوز بالسبق إلى الخيرات، ويمكن القيام أيضاً بموازاة هذه الرحلات بتنظيم زيارات للأهل والأقارب إحياء لصلة الرحم وتجديدا للنشاط وترويحا عن النفس.
ومما لا شك فيه أن للرحلات والأسفار فوائد جمة تعود على الإنسان بالخير والإيجابيات؛ ومما يتحقق فيها:
– توسيع المدارك عند الطلاب (المتعلمين).
– الترفيه المباح (كبديل فعّال للبرامج الترفيهية المباحة).
– فيها تلبية لرغبات فطرية في الإنسان من حب المخالطة والمرح والترفيه والاكتشاف.
– النشاطات والرحلات الهادفة تفتح آفاق أذهان الشباب على الأفكار الابتكارية والإبداعية في الإسهام في إعداد برامج الرحلة والترفيه، وتقديم ما ينفع إخوانهم في تلك المناسبات.
إلى غير ذلك من الفوائد النفسية والتربوية الدعوية والعبادية التي يخرج بها المشارك في رحلة هادفة ومفيدة رفقة الصحبة الطيبة.
وما أجمل ما نظم الإمام الشافعي -رحمه الله- في هذا الجانب، إذ قال مبيناً فوائد السفر والاغتراب عن الأهل والأوطان بُغية تحصيل المنافع الدينية والدنيوية:
ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ
مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ
سافر تَجدْ عِوضاً عمَّن تُفارقهُ
وَانْصَبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يُفسدهُ
إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ
والأُسْدُ لولا فراقُ الأرض ما افترستْ
والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصِبِ
والشمسُ لو وقفتْ في الفُلكِ دائمةً
لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ
والتِّبْرُ كالتُّرْبَ مُلْقَىً في أَمَاكِنِهِ
والعودُ في أرضه نوعٌ من الحطبِ
فإن تغرَّبَ هذا عزَّ مطلبهُ
وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ.
وصَدَق أبو العتاهية حين قال:
إِنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابَ وَالجِدّة
مَفْسَدَةٌ لِلمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَة.
7- المشاركة في النوادي والمخيمات الصيفية النموذجية: مما لا شك فيه، أن المخيمات الصيفية تلعبُ دورًا مهمًا ورائداً في تربية الأطفال والشباب على السواء وتنمية مداركهم والنهوض بهم إلى مستوى أفضل، نظرًا لاهتمامها بالجوانب البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية. فهناك مراكز شبابية صيفية نموذجية تعمل على إرشاد الشباب وتطوير مهارات المنتسبين إليها، وتغرس القيم النبيلة في نفوسهم، وتدربهم على الالتزام والمسؤولية… ومن هذا المنطلق الإيجابي فلا بأس أن تساهم الأسرة في تنمية مهارات أبنائها وإشغالهم بأعمال أو أنشطة أو نوادي صيفية بدلاً من الجلوس بالمنازل أمام الشاشات لساعات طويلة أو التسكع في الشوارع، بدون تحقيق أية فائدة تُذكر، وخاصة أن هذه العطلة تكون لفترة أكثر من شهرين أو ما يزيد.
8- الاستماع والمشاهدة والمناقشة: فوسائل الإعلام الحديثة (المذياع والتلفاز والسينما والمسرح والإنترنت) ليست وسائل لهو وتسلية، بل هي أدوات تثقيف وتعليم أيضاً، وقد يكون التثقيف فيها مقصوداً لذاته، وقد يكون غير مقصود، أي: أن ما يُعرض في هذه الوسائل من مواد محلية واُخرى مستوردة ليس كلّه صالحاً للاستماع والمشاهدة، ففيه الغثّ وفيه السمين، وفيه النافع وفيه الضارّ، وفيه القيّم وفيه التافه، وفيه النقيّ النظيف، وفيه الذي يَدُسّ السمّ في العسل. وما على الشاب إلا أن ينتقي ما يُفيده في دينه ودنياه؛ حتى يكون مواكباً لتقلبات وتطورات عصره وأحوال مجتمعه وما يحيط به.
9- تعلم ما يفيد في الحاسوب وشبكة المعلومات: من الظلم لهذا الاختراع الباهر الحيويّ المتعدّد الوظائف أن يختزل فيصبح مجرد أداة لهو وقتل للوقت على الرغم ممّا فيه من منافع ومجالات استخدام كثيرة جداً؛ وهي آخذة بالازدياد والانتشار بشكل مذهل.
إنّ الشاشة الزرقاء بما تربي الفرد بإكسابه درجات عالية من المرونة وسرعة التفكير وقابلية التنقّل الواسع: الجغرافي والفكري والاجتماعي وتنمية التفكير الإيجابي، وتعميق مفهوم المشاركة، وعدم القبول بالمسلّمات والاقناع السلبي وعدم الاستسلام للبساطة، هي نعمة وفي نفس الوقت نقمة، وبيدنا أن نستفيد من هذه النعمة على خير وجه، أو نبتلي بنقمتها خاصّة، وأنّ الألعاب المستوردة قد تحمل في طياتها معلومات وأخلاقاً تختلف عن أخلاقنا وعاداتنا كمسلمين.
إنّ إدمان المراهقين والشباب على استخدام الحاسوب والهواتف الذكية كأداة للتسلية لا يقلّ ضرراً عن هدر معظم الوقت في لعبة كرة القدم الشهيرة، أو الاستغراق في مشاهدة الفيديو أو التلفاز، فمن بين مخاطر هذا الاختراع الذي بات أحد أفراد أسرنا، هو تقلّص دائرة الأصدقاء أو العلاقات الاجتماعية لشعور الشبّان والشابّات أنّ هذا يحقّق لهم الاستغناء عن ذلك ويجعلهم يبتعدون عن واقع المجتمع والناس، وفي ذلك خطر عظيم وبلاء جسيم.
وتجنباً لمخاطر هذه الوسيلة ودرءاً لمفاسدها، وجب على الأسرة والمجتمع توجيه الشباب والناشئة إلى ما فيه صلاحهم في الدين والدنيا، ولا بأس أن يتعلم الشاب أو الشابة مهارات الحاسوب في وقت العطلة أو خارجها، خصوصا إذا كان يجهل التعامل مع تقنياته الأساسية، فيمكنه تعلمها بالاستعانة بأحد الأصدقاء، أو الاشتراك في مركز مختص بذلك في دورة تكوينية مكثفة. أما إذا كان يعرف مهارات الحاسوب، فيمكن تصفح الأنترنت يومياً فيما يفيد هواياتك ونشاطاتك المعرفية والثقافية.
10- تعلّم بعض المهارات الجديدة والمفيدة: من الاُمور التي أصبحت متاحة وفي متناول الكثير من الشبّان والشابّات هي هذه المعاهد التعليمية والفنّية والحرفية التي تقدِّم دروساً عملية في مهارات السـياقة والبرمجة والنجارة والحدادة والكهرباء والأشغال اليدوية كالخياطة والأعمال المنزلية والإسعافات الأوّلية، وتعلّم لغة أجنبية وغيرها كثير ممّا يؤهل الشبّان والشابّات لحياة أفضل ويشكّل توظيفاً سليماً لأوقات الفراغ لا سيما في أثناء العطل الصيفية، فتعلّم واحدة أو أكثر من هذه المهارات لا يشغل الوقت فحسب بل يعود بفائدته العملية على شخصية الشاب أو الشابّة اللّذين سيحصلان على معرفة أولية بمهنة أو بحرفة قد تعينهما في الحاضر أو في المستقبل؛ ذلك أنّها أصبحت من الامتيازات وأسس التفاضل التي تحسب لصالح المتقدم لإشغال وظيفة أو مهنة معيّنة خصوصاً في حال وجود منافسـة قوية.
إن اشتغال الشباب والفتيات بالبرامج والأنشطة الترويحية الملائمة لكل جنس يسهم في تقليل الجريمة وإبعاد أفراد المجتمع عن التفكير في الانحرافات والعادات السيئة أو الوقوع فيها، وبخاصة في زماننا هذا، والذي أسهمت فيه التقنية بامتياز في تفشي البطالة وتجاوزها لحد الظاهرة إلى المشكلة، وعظم فيه الفراغ نتيجة ضعف مستوى الجدية بعامة، وقلة ساعات العمل والدراسة عن الأزمنة السالفة بصورة ملحوظة.
ولا بأس في ختام هذه الورقة أن نشير إلى بعض ضوابط الترويح الهادف الذي شجع عليه الإسلام ويتجلى ذلك فيما يلي:
1- أن يكون خالياً من المفاسد والمضارّ والباطل والمحرمات وكل المفاسد الشرعية.
2- ألا يكون في النشاط الترويحي كذب وافتراء أو تضليل للناس، أو الاعتداء عليهم ولو بالمزاح والفكاهة الساخرة.
4- أن يخلو من الإسفاف والإسراف والاستغراق الذي يستهلك الوقت بأجمعه وتبذير للمال واستهلاك باذخ له. كما يستحبّ أن ينشأ عن الترويح أو أي استثمار لوقت الفراغ نفع خاص أو عامّ؛ لأنّه يكره للشاب أو الشابّة أن يكونا فارغين لا في عمل الدّنيا ولا في عمل الآخرة.
5- ألا يكون في النشاط الترويحي اختلاط بين الرجال والنساء؛ لما يتحقق في ذلك من المفاسد العظيمة.
6- ألا يكون في النشاط الترويحي نص على الحرمة من قرآن أو سنة.
5- ألا يشغل الترويح عن واجب شرعي أو اجتماعي كالصلاة أو أعمال البر ونحو ذلك.
6- ألا يكون النشاط الترويحي ضارّاً بممارسه ولم يوجد فيه نفع يفوق ذلك الضرر فإنه يحرم على ذلك الممارس مزاولته، مثل بعض الرياضات كالملاكمة والمصارعة العنيفة بوضعهما الحالي -والله أعلم-؛ لما تؤديا إليه من أضرار في الجسم أو الإعاقة أو الوفاة، كما هو مشاهد في واقعنا اليوم.
ومما هو جدير بالإشارة في هذا المقام، أن يتذكر كل شاب وشابة توجيه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال الحديث الصحيح الذي وجّه فيه الصحابي الجليل أبا ذرّ من أجل استغلال كل فرص العمر الذهبية في الخير والذي قال له: (اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ:
شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ.
وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ.
وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ.
وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ.
وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ). أخرجه الحاكم في المستدرك، 4/341، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وختاماً:
إن لممارسة النَّشاطات الصيفيَّة انعكاسات نفسيَّة على الشَّباب -ذكوراً وإناثاً- شريطة أن تكون هذه النَّشاطات ذات فائدة ونفْع؛ ليتحقق منها الأثر الإيجابي على المجتمع بأكملِه.
فالشَّباب أصحاب طاقات هائلة يَجب تصريفها واستثمارها فيما يفيد وينفع الأمة الإسلامية، وبالإمْكان تحقيق ذلك إذا قمنا بنشْر ثقافة الوعْي بأهميَّة استِثْمار العُطْلة الصيفيَّة قبل بدئِها فيما بينهم، والمجتمع بأسْرِه مسؤول عن التَّوعية هنا، بدءًا من الأُسرة، والأصدقاء، مرورًا بالمعلِّمين وأساتذة الجامعة، وانتهاء بوسائل الإعلام بمختلف أشكالِها وألوانها.
إن العطل الصيفية من المواسم المهمة التي ينبغي أن يستثمرها الإنسان في توفير متطلبات النجاح والتفوق، ومن الضروري أن تتحمل جميع المؤسسات مسؤولياتها في هذا الصدد، فالمدارس ينبغي أن يكون لها بعض البرامج الصيفية التي تجذب وتستقطب العديد من الشباب الذين سيجدون في هذه البرامج القدرة على تأهيلهم وتنمية مواهبهم.
كما أن الأندية الصيفية بحاجة أن تقوم ببعض البرامج الصيفية الرياضية والترفيهية والثقافية، وذلك من أجل التأهيل النفسي والاجتماعي للكثير من الطاقات الشابة، ولا بد أن ندرك في هذا المجال أن الأندية من المؤسسات الرئيسية التي تمتلك بنية تحتية مناسبة للقيام بهذه الأنشطة الكفيلة باستيعاب الشباب في برامج متنوعة وهادفة. فلتبادر كل أنديتنا إلى القيام ببعض البرامج الصيفية المناسبة كي يجد فيها الشباب عموماً القدرة على تأهيلهم وتنمية مواهبهم ليكون طاقة خلاقة تبني ولا تهدم، وتنتج ولا تتواكل، وتحقق الخير للأمة كلها في تقدمها ورقيها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــ
* باحث في العلوم الشرعية والاجتماعية، ومهتم بقضايا التوجيه والتربية.