لقد عمل محمد عابد الجابري جاهدا على تأسيس مدرسة فكرية تستمد مشروعيتها من التراث الإسلامي وتستهدف استدراج القارئ الإسلامي، فعمد لذلك إلى انتقاء بعض أعلام الشريعة السالفين وأفكارهم، فاختار منهم ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، فجعلهم الجابري أركانا أقام عليها مدرسة سماها البرهان، ولم يجد الجابري غضاضة في أن يجمع في مدرسته بين أولئك الأقطاب الممثلين لمشروعه الفكري بأسلوب ترقيعي غير متناسق، وأن يمازج بين أطروحاتهم بمنهج تلفيقي غير منسجم، في سبيل بناء مدرسة وهمية يوهم بها قراءه الذين لا يجيدون التعامل مع مصادر التراث، ويزيف بها وعي الذين يقتصرون على القراءات الاختزالية والتجزيئية للمتأخرين، ويكتفون بنتائج المحدَثِين من غير تحقيق ولا عناء بحث في المصادر.
وقد زعم محمد عابد الجابري بشوفينية أن العقلانية البرهانية قامت بالمغرب مع ابن حزم وابن رشد الحفيد والشاطبي وابن خلدون، لا بالمشرق!
كما ادعى الجابري أن أركان مدرسة البرهان اتفقوا على “طرح مشروع فكري نقدي عقلاني، تميز بوحدة التفكير بين أقطابه، فكان مشروعهم بديلا عقلانيا قام على مفاهيم هي نفسها التي قام عليها الفكر الحديث في أوروبا، ولا زالت تؤسس الفكر العلمي إلى اليوم”.
أي أن المشروع الفكري لمدرسة البرهان يتميز بوحدة التفكير والعقلانية لكونه يقوم على “نقد القياس الفقهي والصوفي، ونقد فكرة التجويز، والقول بمبدأ السببية، ونقد نظرية العادة، ونقد فكرة إمكان الكرامات والعرفان الصوفي، والقول بالمقاصد، والتحرر من سلطة السلف في المرويات والإجماع…”.
وبأدنى نظر في كتب أولئك الأعلام ينكشف للباحث زيف دعوى الجابري. فالقارئ يجد أن الذي رفض القياس الفقهي هو ابن حزم فقط، أما ابن رشد والشاطبي وابن خلدون فقد احتجوا به في كتبهم، وهذا ابن رشد -الركن الأساس في مشروع الجابري- يقول في مقدمة (بداية المجتهد): «وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل، وما سكت عنه الشارع فلا حكم له، ودليل العقل يشهد بثبوته [أي القياس]…» ومنه نفهم أن ابن رشد يثبت حجية القياس ويرد بالعقل على الظاهرية ومنهم ابن حزم في إنكارهم للقياس.
وأما دعواه بأن أركان مدرسته كانوا متحررين من سلطة السلف في المرويات والإجماع! خصوصا ابن حزم الذي «كان ثورة على السلف» وأنه «كان ضد سلطة السلف مهما كان هذا السلف». فيكفي أن نستحضر نموذجا واحدا لنقض دعواه، فابن حزم -مثلا- بعد أن رجح قولا في مسألة ذكاة الحيوان غير المتمكن منه، وقرر أنه قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم..
قال ابن حزم: «وقولنا هو قول السلف..» بمعنى أن ابن حزم احتج بالسلف وجعل لقولهم قوة وسلطة.
ويغني هذا المثال (الموجب الجزئي) عن غيره، في نقض دعوى الجابري (السالبة الكلية) بأن أقطاب مدرسته متحررون من سلطة السلف في المرويات والإجماع!
فالقاعدة: أن الموجبة الجزئية تنقض السالبة الكلية؛ كما هي مقررة في منطق القضايا.
إذن فلا حاجة لنا إلى نقل المزيد من احتجاجات ابن حزم ابن رشد والشاطبي وابن خلدون بأقوال السلف. لإثبات بطلان ادعاء الجابري!
ثم إن الجابري بعد أن ضخم ونفخ في مدرسة البرهان في مغايرتها لمدرستي العرفان والبيان، انتقص وحط من الأشاعرة ومدرستهم البيانية، في قولهم بعدم تحسين العقل وتقبيحه؛ لكنه سكت عن موقف ابن حزم والشاطبي من قضية التحسين والتقبيح العقليين! وهما من مدرسة البرهان في زعمه.
فلماذا سكت الجابري عن موقفهما في قضية تعتبر ركنا مهما في مدرسة البرهان؟! خاصة ابن حزم الذي (قام بنقد شامل للبيان والعرفان معا لإعادة التأسيس). كما زعم الجابري!.
وجواب ذلك أن ابن حزم والشاطبي يقولان بقول أهل البيان (الأشاعرة) لا بقول أهل البرهان (فلاسفة المغرب) -حسب تقسيمه المتكلَف-، وقررا أن التحسين والتقبيح شرعيان وليسا عقليين. حيث قال ابن حزم: (إن العقول لا توجب شيئا ولا تقبحه ولا تحسنه).
بل إن الشاطبي عدّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين من البدع فقال بعد أن أبطله: (إن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح)، وقال في موضع آخر: (والتحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه..).
وبهذا يتبين بطلان دعوى وحدة المشروع العقلاني ووحدة التفكير بين أقطاب البرهان الجابري!
وتظهر للقارئ الحصيف تلك الكسور التي لم يحسن الجابري جبرها في مشروعه! وأن محمد عابد لم يلتزم عبادة الصدق والموضوعية في أطروحته.