أطر المدارس العليا للأساتذة الرهان… المطلوب… الواجب… عبد الرحمان بنويس*

كنت أرغب في أن أسمي هذا المقال بـ “تأجيل دفن التعليم المغربي إلى حين يبث فيه قضاة الأطر التربوية خريجو المدارس العليا للأساتذة” الحاملين للشواهد التربوية (ماستر متخصص في التربية، 10000 إطار، الإجازة المهنية) إلا أنني غيرته بالعنون المؤطر لهذا النص للأسباب تتعلق بالغرض الذي جعلني أكتب هذا المقال، ثم لطبيعة التكوين الذي حصلت عليه بالمدرسة العليا للأساتذة، لذا فإنني أهدف من هذا المقال إلى إثارة فضول القارئ حول الشأن التعليمي ومعرفة حيثياته ومشاكله، كما أهدف أيضا إلى توجيه عناية القارئ إلى أن التعليم المغربي يعيش حالة خطيرة في ظل التوجهات المسمومة التي ترغب في تفتيته وانحطاطه.
إن الإشكال الذي أحاول أن أرصده باقتضاب شديد: لماذا يتظاهر الأطر التربوية في وجه التعاقد الذي أصدرته الوزارة؟ وما هي متطلباتهم اتجاه التعليم؟ وكيف تـمُرُّ مراسيم دفن التعليم؟ ولما الإسراع في اتخاذ قرارات تخرم في التوجهات العامة للإصلاح بدون رؤية محكمة، وما السبب وراء الإبطاء في اتخاذ مثل هذه القرارات؟
وكلها إشكالات جذرية تحتاج إلى تأمل جدي لتفكيكها والإحاطة بها، ولعل سبب كتابتي لهذا المقال هو نزول الأطر التربوية، خريجو المدارس العليا للأساتذة إلى الشارع ثورة ضد تهميشهم في ولوج الوظيفة العمومية، وفي رد الاعتبار إلى التعليم العمومي، وفي إحياء وظيفية المدارس العليا للأساتذة، التي تم إقصاؤها في تكوين الأطر بمجرد إحداث قانون المراكز الجهوزية لمهن التربية والتكوين، خصوصا مع هذا الخصاص المهول الذي يعاني منه التعليم (خصاص في الموارد البشرية)، ولماذا لا يتم إدماج هؤلاء الأطر التربوية في المدرسة المغربية؟
وما الغرض الأساسي من التعاقد؟ خصوصا وأن منهم من تكَوَّنَ سنتين في المسالك التربوية، ولهم زادا نظريا وتطبيقيا في التخصصات التربوية، زيادة على ذلك فإن طبيعة التكوين الموجود في المراكز الجهوية هو نفسه الذي تلقاه الأطر التربوية في المدارس العليا للأساتذة.
تفوُّقُ الوزارة في التخطيط النظري:
لا ننكر بأن مما تتميز به وزارة التربية الوطنية شكليا ونظريا هو “حسن التنظيم والتهيئة للمذكرات والقرارات والرؤى مع الدقة في المضمون”، وهذا الأمر تفوَّقت به على ما سواها من الوزارات الأخرى، إلا أن إشكالية تنزيل هذه البنود تبقى الرهان الصعب الذي يستعصي على الوزارة القيام به.
مغرب التغير والإصلاح المفقود:
في الآونة الأخيرة عرف المغرب مجموعة من التغيرات التكتيكية والتي لمست بالأساس وزارتين لهما وزنها الثقيل في الشارع وأعمدة التنمية البشرية، ألا وهما وزارة الصحة، ووزارة التربية والوطنية، هذه الأخرة أجهزت كخطة استباقية في السنة الماضية بإصدار مرسومين مشؤومين يتعلقان:
الأول: بفصل التكوين عن التوظيف.
الثاني تقزيم المنحة.
ولعل الدعوى التي كانت تحت هاذين المرسومين هي تحسين وتيرة تنزيل بنود الميثاق الوطني والرؤية استراتيجية وتحقيق الجودة والكفاءة في صفوف الأطر التربوية لأنها هي السبب -في نظر وزارة التربية الوطنية- في فشل نظام التربية والتكوين، بعد خوض الأساتذة المتدربين معارك دامت لأكثر من ستة أشهر، في غياب تام للحوار أو التفاعل من قبل الوزارة أو الحكومة إلا بعد تدخل الشارع والمواطنين، لتدخل القضية إلى قبة البرلمان من أوسع أبوابها بعد إحساس البرلمانيين بخطورة المعركة وأحقية تظاهرهم المكفول بقوة الدستور، وهو الأمر الذي جعل المدرسة المغربية تعاني من خصاص مهول في الأطر المربية.. وفي هذه السنة خرجت علينا وزارة التربية الوطنية باستعجال بتوظيف 11 ألف أستاذ بموجب عقود، وأسندت مهمة التعاقد إلى الأكاديميات الجهوية..
ولعل أول ملاحظ يكتشف بأن هذه الخطة تضرب وبقوة في كل ما تنظر له الوزارة، وتبين بالملموس بأن رؤيتها ثاقبة ولا تخضع لأي معيار موزون يحقق شعار الجودة والارتقاء الذي تتغنى به في الرؤية الاستراتيجية، ناهيك عن أن هذا التوظيف يخرم في المرسوم القاضي “بفصل التكوين عن التوظيف” مما جعل الآية تنقلب إلى فصل “التوظيف عن التكوين”، وكل هذا وغيره وبعيدا عن الشروط المذكورة في بنود التعاقد الذي نسجته الوزارة على عجل يقتل التعليم بآلة حادة.
من الضحية في القرارات العشوائية التنميطية؟
وبما أننا كنا ضحية نظام تعليمي لا يقدر مخططاته ورؤاه، فقد نسجت هذا المقال تعبيرا مني عن مساهمات الوزارة المتكررة في قتل التعليم ومحاولة الإسراع بدفنه بعيدا عن أنظار أهله “المشرفين التربويين، الأساتذة، جمعيات المجتمع المدني” وهو ما حصل مع هذه القرارات المجحفة التي لا تخضع للمقاربة التشاركية التي تربينا عليها ولا نقوم بها، ولذلك فقد سميت هذا المقال “بموت التعليم ومراسيم الدفن بين الاسراع والتأخير” أو قل ابتداء فقد تم تأجيل مراسيم دفن جثمان الفقيد “التعليم العمومي المغربي” إلى وقت سابق، بعد تدخل واع ومشروع من قبل “الأطر التربوية” وخريجي المدارس العليا للأساتذة ومجموعة من الأطراف ذات الشأن التربوي، لأن طريقة وفاته شابَتْهَا مجموعة من الأسباب غير الطبيعية ومنها “التعاقد من الأساتذة” و”فصل التكوين عن التوظيف” و”فصل التوظيف عن التكوين” و”قتل الطبقة الوسطى” و”تعريض المربي للتهميش” و”وقتل العمل النضالي النقابي”…
وكلها أسباب متهالكة ويعاقب عليها قانون الدستور التربوي الصادر في1999 “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، وكذا ” مقررات البرنامج الاستعجالي” الصادر في 2009م، ولا يقف الأمر عند ذلك؛ بل تجاوز التناقض البين بين التنظير والتطبيق، ولهذا فالتسريع بدفن الفقيد من قبل وزارة التربية الوطنية هي فرصة لتمرير مخططات ظلت مسجونة لمدة طويلة، وهذا يخرم ما خرجت به وثائقها الرسمية من التثبت والتأكيد من أسباب الوفاة لأي تلميذ مغربي (لا في المدخلات أو العمليات، أو المخرجات)، وذلك ما تضمنته “الوثيقة الإطار” و”الرؤية الاستراتيجية 2015-2030″ وكذا رؤية الوزارة في تكوين جيل واعٍ قادر بالمسؤولية والمهام المنوطة به، ولازالت العديد من المظاهرات المنددة بهذه المنية غير الطبيعية في العديد من المدن من قبيل وجدة، فاس، مراكش واللائحة طويلة…
سموم الإعلام إحدى أسباب وفاة التعليم:
وقد استبشرنا خيرا لما سمعنا من مصادر موثوقة عدم قبول كل من لهم قوة اقتراحية بناءة في تحقيق الجودة، ويتعلق الأمر بـ”المشرفين التربويين” وكذا عدم قبول بعض المراكز الجهوية لملفات بعض ممن تعلَّق قلبه بقبول هذه الخطة لأسباب الله المطلع عليها والتي تصب في الإسراع إلى دفن التعليم وإراحة المغاربة من ثقله رغم أهميته المستقبلية، ومساهماته الهيكلية في بناء الموارد البشرية.
ولهذه الأسباب وغيرها فقد تضامن وتفاعل كل نساء وشباب وأطفال مراكش الأبية مع نضالات الأساتذة الأطر وهم يدعمون كل أشكال الاحتجاجات السلمية في الدفاع عن حقوق المتوفى “التعليم العمومي المغربي” مطالبين بإدماج الأطر، لأن هذه الأطر تمتلك العصا القوية والقدرة في الدفاع عن التعليم من عصا المخزن التي تظل تقمع في أي وقت شاءت مظاهرات الأساتذة الفضلاء..
ومما لم يرق أذاننا أن حولت وسائل إعلام مغربية تلك المظاهرات بأنها خرجت للدفاع عن المتوفى الجديد “المناخ ومساهمة المغرب في “cop22 مع العلم أننا في حاجة إلى تلك الأموال التي تبدد لاستقبال الأجانب وإطعامهم على حسابنا ونضالاتنا، وأخيرا لا للتعاقد…
نعم لإدماج خريجي الأطر التربوية حاملي الشواهد الجامعية للتربية (بما فيها 10 ألف إطار، الماستر المتخصص في التربية، إجازة مهنية).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*باحث متخصص المناهج وطرق التدريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *