فيسبوكيات (ج2) ربيع السملالي

مُثقف
– أحدُهم نفى عنّي اسم (مُثقّف) لأنّني لا أدخّن ولا أشربُ الخمر كلّ ليلة سبت، ولا أترك شَعَرِي مهملا في غير نظام، وشاربي طويلا، ولا أعتمر قبّعةً هندية، ولا أنتعلُ حذاءً بائسًا، ولا أستمع لأغاني أم كلثوم وفيروز وعبد الحيلم وفريد وسمهان، ولا أقرأ لأدونيس ونوال السّعداوي وسلمان رُشدي ولا أحفِلُ بكتابات أمثالهم.. ولأنّني أدافع عن صحيح البُخاري ومسلم وأحبّ ابنَ تيمية وابن عبد الوهّاب والشّوكاني..
الحبّ في زمن الكوليرا الفكرية
حين يضطر الكاتبُ على هذه المواقع التواصلية بعد كل تدوينة يكتبها عن الحب للاعتذار أنه لا يقصد نفسه وإنّما هو خيال، مخافةَ سوء الظن به وكأنّه أتى شيئا نكرا، حينها اعلم أنّ الجهل قد عشّش في هذه الأمة واستبدّ بها التّخلفُ، وأنّ بينها وبين الأدب والفن كما بين السّماء والأرض، ورحم الله شيخنا الطنطاوي الذي كتب مقالة مطولة رائعة في كتابه الماتع (صور وخواطر)، عن الحب يرد فيها على أصحاب الفكر المتحجر المتنطع، الذين لا ينظرون إلى الحياة إلا بمنظار السطحية والظّلامية.. وليت هؤلاء يستحضرون قصة كعب بن زهير في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم حين مدحه بقصيدة رفيعة المستوى استهلها بغَزَل رائق يذهب بألباب العذارى، وليتهم يستحضرون ابن حزم الأندلسي الظاهري الذي سار بعلمه وفقهه الركبان، وهو يأتي بأروع الغزل في كتابه الماتع ( طوق الحمامة ) وخاتمته التي ذكر فيها أنه برغم كل ما تقدم من غزل، فما سبق له أن حلّ سراويله عن حرام..
من طقوسي
– من طقوسي في القراءة أنّني أقرأ مائة صفحة في اليوم أو أكثر، وفي بعض الأحيان أُفْتَنُ بصفحة واحدة أجد فيها نفسي الضّائعة، فأظلُّ قارئًا لها يومي كُلَّه حتّى أحفظها وتتشرّبها نفسي وتصبحَ جزءًا لا يتجزّء من ذاتي..
وصدق من قال: أن تُؤلّفَ كتَابًا، أن يقتنيه غريبٌ، في مدينة غريبة، أن يقرأه ليلاً، أن يختلِجَ قلبُه لسطرٍ يُشبه حياته، ذلك هو مجد الكتابة.
الأدباء
إنّ الأدباء يا ابنتي لا يملكون شيئًا من أمور الدّنيا، فليس لهم إلا الكتب والحبر الدّاكن كأيامهم، ولن يستطيعوا إسعاد فتاة جميلة مثلك.. وغالبهم يقول القولَ اليومَ ويرجع عنه غدًا، بل إنّهم مِزاجيون لا يثبتون على حال.. فالحذر الحذر..
أيها المُصاب
يا أيّها المصابُ بهوَسِ المعرفة: ارْتَدِ أجملَ ما تملك من كتبٍ، وانتظرني عندَ آخر عبارة من عِبارات (زوربا) و(المُنشق) و(كائن لا تُحتمل خفّته)، و(ظلّ الرّيح) فسآتيك محمّلا بأشواقي، بمتاعبي، بأحزاني.. وفي يدي اليُمنى رسائلي إليها المعنونة بـ(أنتِ والزّمن).. وتذكّر دائمًا أنّه لا يوجد أسمى من الصّمت..
الرّقة
عزيزتي / أسعد الله صباحك..
سألتني في رسالتك السّابقة أن أخبرك بكلّ تفاصيلي الصغيرة والكبيرة في هذا الأسبوع الفائت حين كنت منكمشًا على نفسي داخل المكتبة بعدما عُدت من سفري متعبًا مكدودًا، وقلتِ لي ما هو الكتابُ الذي انتهيتَ من قراءته، أو ما هي الرواية التي أتيتَ على فصولها بتلك اللّهفة التي أعلمها عنك حين تصادف حبّا في فؤادك الكسير؟
وقلتِ: اكتب إليّ ولا تتأخّر فإنّ قلبي ليس بخير كما تعلم وينتظر منك سطورك التي تحيي موات هذه الأنوثة الكئيبة التي لولاك لأشرفت على هلاك محقّق..
وها أنذا أجيبك من شرفة منزلي، وشمس دافئة تتسلّل إلى كلّ خليّة من خلاياي فتشعرني بالحياة التي أنشدها دوما من أجلك..
انتهيتُ قبل يومين من قراءة الرّواية الفرنسية (الرِّقَّة) لكاتبها الشّاب دافيد فونكينوس ترجمة كامل عويد العامري.. رواية اكتملت فيها تقنيات السّرد العجائبية، وتقنيات السينماغرافيا، وقد وُفّق هذا الأديبُ كثيرًا في رسم مشاعر أبطاله واضطراباتهم النّفسية، حتّى خلته يتحدّثُ عن مشاعرنا الهاربة نحو الفناء.. وهذا ما يُسمّى بـ(المونولوج) الدّاخلي، أو حديث النّفس، أو كما سمّاها المُترجم: (أحاديث بوح ذاتية).. بلغة فلسفية أحيانًا وشاعرية أحيانا أخرى، وأظنّها بل أوقن أنّها ستكون في لغتها الأصلية أروع بكثير من هذه التّرجمة التي لم ترُقني، ولا يمكن أن تروقَ من كان كلِفًا باللّغة العربية عاشقًا لها ودارسًا لقواعدها وقوانينها ..ولن تروقك أبدًا وأنت العاشقة للغة الضّاد..
الرّواية في العموم ليست ذات مضمون عالٍ ولا أفكار جديدة لم يُسبق إليها، لكنّ كاتبها رسم الوجع الإنساني على الورق، رسم الحزن، والفرح، والحب، وألم الفقد، بتقنية عجيبة وسردية ممتعة وكلمات حكيمة تدلّ على أنّ الرّجل له باع كبير في الأدب والفلسفة وعلم النّفس والاجتماع.. وهذه الثّقافة حين تجتمع في رجل روائي فإنّ مخيلته تجود بما يُمتّع القارئ، هذا القارئ الذي يحبّ أن يزيّن له الأديبُ والشّاعرُ والكاتبُ الحياة في أبهى صورها برغم بشاعتها.. وخيرُ تعريف للأدب أنّه التّعبير عن الحياة أو بعضها بعبارة جميلة.. وقد كانت هذه الرّواية كذلك.
فلا أنصحك بقراءتها قبل أن تعدّي قهوتك المسائية حين يهدأ الضّجيج الذي حولك، وتنامُ العيون التي ترقبك حاقدة بصمت، لأنّ فيها شيئا بل أشياء تشبه تفاصيل حبّنا الفاشل في بلد كتب علينا التّنفس في أرجائه وزواياه المقيتة..
وقبل أسبوع هجم علي شعور غريب حين كنتُ منكبا على بعض الكتب أراجعُها، وكان من بين هذه الكتب رواية (زوربا) لنيكوس كازانتزاكي، التي كنّا قرأناها معًا، وعشنا المتعة والدّهشة سويّا، فدفعت عنيّ الكسل وعنها الغبار، وقرّرت قراءتها لأسترجع تلك الذّكريات المتأصلة في أعماقي لا تريم ولكن للأسف لم تزدني قراءتها إلاّ حزنًا واكتئابًا، وكنت كلّما مررت بعبارة من تلك العبارات التي كنتِ تقتبسينها لي معجبةً منبهرةً، أقف طويلا مغمض العينين لاستحضار شفتيك المبتسمتين، وعينيك الحالمتين.. ثمّ أضع تحتها سطرًا بلون أخضر يذكّرني بشبابك الذي يُنفق الآن بعبث بعيدا عنّي في مدينتك النّائمة بحزن في أحضان ذيّالك الرّقيع..
ومن العبرات التي وقفت عندها طويلا تلك التي قال فيها زوربا: (لقد قلتُ لك يا صديقي، إنّ هذا العالم سِرّ، وإنّ الإنسان ليسَ سوى وحش كبير)…
وقد صدق فلو لم يكن وحشًا لما حال بيني وبينك وجعلنا نمارس الضّياع ببطء كلّ صباح ومساء..
فُسحة
سأرتدي أجمل ما أملك، وأضع يدي في يد زوجي المنتقبة، ونخرج في جولة كبيرة، وسنمرّ قرب مراكز الشرطة، والمقاطعات الإدارية، وسنعرّج على بائعات الخبز البائسات، وبالمطاعم المختصة بصنع (الشوارما)، وسنقتني كتبًا تتحدث عن الحب في زمن الكوليرا، وعن النّقاب في عصر العولمة، والتكنولوجيا، وسأحكي لأبنائي عن سيرة سيد المرسلين، وعن صحابته الفالحين، وعن التّابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.. وسنلتقط صور سيلفي أمام العامة، وسنبتسم بألق في وجوه المتبرجات، الهاربات من جلابيبهنّ، المتمرّدات على ربّهن (بسبب الإعلام والإجرام).. وسأحاول أن أبيّن لهن أنّ الشّمس لا تعرف شيئا عن الغروب، وأنّ الإنسان في الحياة وُلدَ وتألّم ومات.. وسنحاول أمام أنظارهنّ التّخلصّ من الحزن، وسنبحث عن كلّ ما هو جميل، لنتشبّث به حتى لا نسقط في الهاوية..
السّراغنة
حين أزورُ مدينةً من المدن المغربية، أجد لذةً في البحث عن المكتبات، لعلّي أظفرُ بكتاب نادر لا يوجد في مكتبتي، واللّيلة في مدينة السّراغنة باءت محاولتي بالفشل، حين ذهبت إلى مكتبة في الساعة الثامنة بعد احتساء قهوة سوداء كملامحي في زمن ما، فوجدتها محاطة بالكآبة والصّقيع مقفلةً، يجلسُ تحت مظلّتها رجل طاعن في الفقر، ملامحه قلِقة لا تبشّر بخير، كنت سأسأله عن سبب إقفالها، لكن نظراته العدائية جعلتني أنصرفُ خائفًا أترقّب.. مكتفيًا بكتابي الأثير (المنشقّ) الذي سطورُه تشبه الكثيرَ من تفاصيل أوهامي، وذكريات الماضي الأسيف ..
لله درّهم
ذكرتُ في بعض كُتبي أنّ الجاحظ نسي كُنيته ثلاثة أيّام، ثمّ ذهب إلى أهله فقال : بمن أكْنى يرحمكم الله، فقالوا: بأبي عُثمان، وذكرت أيضا أن عالمًا كان يطالع كتابًا فلما أراد الانصرافَ قال لغلامه ناولني نعلي، فقال له الغلامُ : نعلك في رِجلك يا مولانا، وذكرت كذلك قصّة الإمام مسلم صاحب الصّحيح وقصّة ذهوله وموته وهو يبحث عن حديث ويأكل من سلة تمر إلى أن فنيت، وقصّة موت الخليل بن أحمد حين ارتطم بسارية فمات بسبب مسألة كان منشغلا بها في المسجد ..واليوم وجدت في (مذكّرات قارئ ص:58) للأحمري نقلا عن “جؤنة العطار” أنّ أحمد بن صديق الغماري المحدّث الكبير نقل أنّ الشيخ الكتاني كان يكتب إهداءً على أحد كتبه لتلميذ له، ثمّ وقف وقفة طويلة، فسألوه: ما الذي يحدث فقال: لقد نسيتُ اسمي، فلقنوه اسمه..!
يُتبع..
facebook.com/rabia.essamlali

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *