لا أحد يماري أن المرأة نصف المجتمع وشريك الرجل في الحياة، فلولاها لما استمرت البشرية عبر ملايين السنين، ولولاها لما عرف الإنسان الحنان، ولا رقّ له الوجدان.
إن المرأة كائن يشترك مع الرجل في الأصل، ويختلف عنه في الخصوصيات، سواء منها البيولوجية أو النفسية وحتى الاجتماعية، وتكمن الغاية الإلهية في هذه الفروق في تحقيق التوازنان الطبيعية وتقسيم الأدوار في الحياة الاجتماعية، والتي راعت القدرات التحمُّلية والميولات النفسية لكلا الجنسين.
وانطلاقا من هذه الفروق اختلفت النظرة إلى المرأة عند شعوب العالم قديما وحديثا، وتقلبت أحوالها، وتأرجحت مكانتها بين الرفعة والدونية، وبين الحرية والاسترقاق.
وإذا كانت المرأة قد عانت قديما من الظلم والتعسف والاحتقار، فهل، فعلا، سيستمر هذا الوضع المأساوي والنظرة الدونية في عصرنا الحديث أم اضمحلا؟
لقد كان لنتائج عصر الأنوار وما تلاها من نهضة أوربية وقع كبير على المطالبة بالمساواة والعدل والحقوق الإنسانية بين بني البشر قاطبة دون تمييز أو عنصرية، وبعد المكاسب التي حققها العالم الذكوري انطلاقا من هذه الحقبة، بقي العالم النسائي على حافة التهميش والإقصاء، خصوصا بعد النظرة السلبية التي تبناها جملة من كبار الفلاسفة تجاه المرأة، كأوكيست كونت الذي رأى أن الطبيعة أوجدت جنس الأنثى من أجل حفظ النسل، وهو ما وضعها في مرتبة دون الرجل، وأوجب عليها القدر، في نظره، الخضوع والتبعية له.
علاوة على ذلك يضيف إيمانويل دوركايم أن المرأة منتوج طبيعي، أما الرجل فهو منتوج اجتماعي، فذوق الرجل وطموحه وروح الدعابة لديه من أصل اجتماعي، أما المرأة فهي متأثرة بطبيعتها ومتقلبة المزاج.
فلقد كانت مثل هذه الأفكار وغيرها ذرائع ثقافية وفكرية كرّست الهيمنة الذكورية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ لم “تكن النساء في القرن التاسع عشر يسمح لهن بالإدلاء بالشهادة أمام المحاكم أو يملكن حق تملك المتاع وتأسيس أعمال أو يوقعن أوراق كشاهدات، ولم يتروع الرجل في أي مجال من المجالات عن المحاولة بوعي وإدراك لتحطيم ثقة المرأة في قدراتها والانتقاص من احترام الذات عندها، وحملها على أن تعيش حياة اتكالية ذليلة” .
لكن المرأة لم تبق مكتوفة الأيدي ومستسلمة لهذا الواقع، بل بذلت كل أشكال النضال المتاحة لها من أجل إثبات ذاتها وفرض وجودها.
«فبعد أن سقطت المرأة عن عرشها المتواضع الذي تربعت من فوقه في العصر الروماني، غشت عليها غشاوة القرون الوسطى، فقبعت راضية، حتى أدركتها العصور الحديثة، فهبت من غفوتها تطالب بحقوقها السياسية، تلك الحقوق التي ساوت فيها الرجل مساواة تامة، أما بداية جهادها في سبيل ذلك، فيرجع إلى ما قبيل الثورة الفرنسية، في أواخر القرن الثامن عشر، إذ بدأت تحتل مشكلتها العالمية مكانا في آداب الأمم الغربية» .
وأيضا في مختلف الملتقيات الفكرية والثقافية. ومن خلال تعريف النساء بقضيتهم ومعيقات حياتهم الطبيعية تمكنت النساء الأوربيات من انتزاع جملة من الحقوق الاجتماعية والسياسية أهمها خلق مناصب شغل للنساء في الوظائف العمومية، وإلغاء تجارة الرقيق، وجملة من قوانين التمييزية بين الجنسين، كما انتزعت النساء حق الانتخاب والمشاركة السياسية في مختلف التظاهرات المحلية أو الوطنية.
حيث تؤكد الكاتبة وليام هـ. تشيف أنه «منذ أكثر من نصف قرن من الزمان حصلت نساء أمريكا على حق التصويت، وكان الكثيرون من دعاة حقوق المرأة إذ ذاك يعتقدون بأن صدور التعديل 19 يعتبر نقطة تحول هائلة في النضال من أجل المساواة الجنسية» .
وإذا كان واقع المرأة في أوروبا قد أحرز تقدما في هذه الفترة، فبالمقابل عانت نساء دول العالم الثالث من الاستغلال والتعسف الذي لاقته على يد المستعمر الغاشم الذي كرس هيمنته على هذه الدول، حيث استبيحت كرامة نساء المستعمرات، وانتهكت حقوقهن واغتصب شرفهن وقتلن وعذبن وزجّ بكثير منهن في غياهب السجون…
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى خلت المعامل من الرجال الذين أخذتهم أتون الحرب إلى جبهات القتال في أنحاء مختلفة من أوربا، واضطرت النساء إلى الخروج لمواقع العمل وأخذن مكان الرجال، لتحمل أعباء إعالة أطفاهن. وما أن حلت سنة 1920 حتى كانت الحركة النسائية في أوربا قد حققت الكثير من أهدافها، مما جعل النساء ينتزعن بعض المكتسبات الاجتماعية والسياسية، وأخصها الحق في المواطنة .
وقد زادت أوضاع المرأة تحسنا وانتشارا بالعالم اقتضاء بالنساء الغربيات اللواتي أثبتن كفاءتهن في المناصب التي شغلنها، وقارعن الرجال في الجهد والتفاني في العمل.
وإبان تولي الحزب الاشتراكي العمالي بقيادة أدولف هيتلر مقاليد الحكم بألمانيا شكل هذا الحدث تراجعا خطيرا لأوضاع النساء بأوروبا حيث كانت لهيتلر نظرة دونية للمرأة التي عدها آلة للإنجاب والتناسل حفاظا على تكاثر العنصر النازي، بينما جعل من نساء الأغيار خادمات للنازية وعمل على تدمير خصوبتهن الإنجابية حتى تتقلص الأجناس الأخرى في مقابل هيمنة وتكاثر النازيين بالعالم.
ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وحصت الدول قتلاها، كان الفاجعة الطامة فقدان ملايين الشبان والرجال الذين أسقطتهم فواهات المدافع وانفجارات الصواريخ والقنابل، فكانت الفرصة مواتية للنساء للانقضاض على فرص شغل إضافية، خصوصا بعد أن انطلقت مشاريع إعادة الإعمار بأوروبا وغيرها، واستجابة لهذه الحاجة تسلمت أكثر من ستة ملايين امرأة (بأمريكا) وظائف جديدة، وبذلك زاد حجم القوة العاملة الأنثوية بنسبة أكثر 50 ٪، وقفزت الأجور وتضاعف عدد الزوجات الموظفات، كما تضاعف عدد النساء المنخرطات في النقابات العدلية أربع مرات، وأهم من كل ذلك أن مواقف الرأي العام بدأت تتغير .
أما في العصر الحديث فإن وضع المرأة في كل بلد تابع لطبيعة النظام السياسي لهذا البلد أكثر من تبعيته للمرجعية الدينية، إذ إن أحوال وتمثيلية النساء تتقلب من زمن إلى زمن ومن نظام إلى آخر ولو كانا متعاقبين.
ففي البلدان الديمقراطية الغربية نجد المرأة قد حصلت على حرية تامة في كل مجالات الحياة، وتم تجريم التمييز بين الرجل والمرأة على أساس الجنس، كما تقدم للنساء الإمكانيات الكفيلة بتطوير قدراتهن المهنية والإبداعية، ومن عمر الثامنة عشر يحق للفتاة الانفصال عن أهلها، تماما مثل الشاب، ويعتبرها القانون فردا حرا وبالغا. ويحق للمرأة العمل لإعالة نفسها وعائلتها، كما يحق لها الحصول على دعم المجتمع وحمايته الاجتماعية. وتحصل على كل المؤهلات من دراسة وتمكين للوصول إلى نفس مستويات الإبداع عند الرجل.
أما في بلدان العالم الثالث فمازالت المرأة على الصورة التي كانت عليها منذ القدم، ولم تتطور سوى تطور ضئيلا، لأن هذه المجتمعات بقيت رهن القوالب القديمة التي تكونت من خلالها، ولم تدخل في رحاب القرن الواحد والعشرين بمعطياته الكبرى من العلم والازدهار الاقتصادي دخولا كاملا.
ورغبة منا في تقديم إحاطة نسبية بوضعية المرأة في العالم نتوقف بالتدريج عند أحوال النساء ببعض كبريات الدول بالعالم الثالث:
ونبدأ رحلتنا من الصين التي لم تكن للحركة النسائية فيها تاريخ للنضال من أجل كسب حق التصويت والمشاركة في الانتخابات، ولكن انتصار الثورة الصينية هو الذي منح النساء حق المشاركة السياسية ومنحتها الحق الشرعي في المساواة مع الرجال، حيث أصبح للنساء صوت مسموع بعد قرون من الاستعباد والصمت، وزالت كثير من القيود التي كانت تكبل المرأة، وفي مقدمتها حرية اختيار الزوج ومساعدة الزوج لزوجته في أعمال المنزل، كما كفلت الثورة للمرأة الاستقلال الاقتصادي والمساواة ضمن الأسرة والأمن الاجتماعي وشروط أفضل للعمل.
لكن مازالت تنتشر حاليا في بعض مناطق الصين تجارة الرقيق الأبيض بالرغم من تحريم القوانين الصينية له، كما أن سياسية الطفل الواحد قد أثرت على صحة الأم بسبب فشل التحكم في النسل وزيادة حالات الإجهاض.
أما بالهند فلم تستجب السلطات الهندية لمطالب المساواة بين الجنسين في الحقوق السياسية بسبب ثلاث أدوات رئيسية تعمل على الابقاء على الوضع الراهن، وهي احتكار القوة الاقتصادية والسياسية والعلمية.
وفي باكستان كان للاتحاد النسائي الباكستاني دورا هائلا في الضغط على السلطات بغية تحقيق المساواة بين الجنسين، كما نصت على حق المرأة في التصويت وتولي الوظائف العامة حتى وصلت السيدة Benazirbhutto إلى منصب رئيسة الوزراء بالانتخاب الحر المباشر.
ومع ذلك فإن المشاركة السياسية قد واجهت معارضة قوية، ولم تكن لها أغلبية مستقرة تناصرها، وثارت المناقشات حول رئاسة امرأة لدولة إسلامية، حتى استطاعت قوى المعارضة إسقاطها عام 1996.
أما في البجلاديش فرغم فقرها وأوضاع الاقتصادية المتدنية تعرف حقوق المرأة فيها انتشارا واسعا، ومشاركة المرأة في المجال السياسي واضحة، بحيث أن الحكومة والمعارضة يقودهما الآن نساء بعد سقوط الحكومة العسكرية سنة 1990.
وفي إيران تراجعت المكتسبات السياسية والاجتماعية التي حققتها المرأة في عهد الشاه وذلك بعد أن سيطر رجال الدين على الحكم في البلاد والذين عادوا بالمرأة إلى القرون الوسطى، وألغيت كل حقوقها السياسية والاجتماعية التي اكتسبتها بصعوبة بدعوى سيادة النظام الإسلامي المحافظ.
أما في الأدغال الإفريقية فإن المرأة مازالت حبيسة الأعراف والتقاليد القبلية التي تجعل منها كائنا تابعا للرجل وأَمة تسهر على راحته في غياب تام للقوانين والمكتسبات الحداثية.
وبخصوص بلدان أمريكا اللاتينية فإن حقوق النساء بها ليست أحسن حال من الدول الإفريقية في ظل انتشار ثقافة العنف والمخدرات وترامي الأقليات على ثروات هذه البلدان، مما انعكس سواء على الرعاية الصحية والاجتماعية للنساء في ظل انتشار الفقر والجريمة والأعراف القبلية المجحفة.
وخلاصة القول إن وضعية النساء بالعالم تتفاوت من بلد إلى آخر، وأحيانا داخل البلد الواحد، متأثرة بالنظم السياسية الحاكمة وبتوجهاتها الفكرية الثقافية والمرجعيات الدينية للشعوب.
وبشكل عام فإن المرأة في عصرنا الحالي مازالت تواجه الكثير من المعيقات والمشاكل التي تحول دون اندماجها في الحياة السياسية والاجتماعية لبلدانها ودون تمكنها من تحقيق المساواة مع الجنس الذكوري، رغم الجهود الحثيثة التي بدلتها بعض المنظمات النسائية أو الحكومات أو الأمم المتحدة من خلال إصدارها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ودعوتها إلى تخليد اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس من كل سنة.
هذا علاوة على الاحتفال باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة وغيرها من القوانين، فإن المرأة حسب آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية الصادر سنة 2010 مازالت تعيش الاقصاء والتهميش، وأحيانا الاستغلال والاسترقاق، وحقوقها مهضومة في كثير من البلدان، وكرامتها منتهكة، وتعاني من مظاهر الاستغلال الجنسي والجسدي وتتعرّض للتعذيب والعنف والاغتصاب، كما تتفشى في صفوف النساء الأمية والجهل بالحقوق ويشتغلن بأبخس الأثمان وعلى عاتقهن ترمى أشغال المنزل وإنجاب وتربية الأجيال.