..
المقدمة الشعارية للسلسلة
الذل والضعف وفساد العمل .. كل ذلك راجع إلى خلل الأفكار.
وطريق إصلاحها في الحوار..
وهو طريق طويل تحيط به ظلمات، تحتاج إلى قناديل تزيل غبشها، وتقود إلى الضياء الماثل في آخر النفق.
الحلقة 6:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
لسنا –معشر المسلمين- وحدنا في هذا الكون ..
نحن نعيش في عالم أساسه التواصل بين البشر، حتى إنه يصح لنا أن نغير تعريف الفلاسفة المتقدمين للإنسان فنقول: “الإنسان حيوان متصل” بدلا من قولهم: “حيوان ناطق”!
لكنه –للأسف- تواصل في اتجاه واحد، من الأعلى نحو الأسفل. أي: من الحضارة الغالبة المتحكمة، في اتجاه الحضارة المغلوبة المهزومة.
ولأجل ذلك، لم يعد بإمكاننا أن نبني فكرا، ولا أن نؤسس علما، ولا أن نشيد معمارا حضاريا، دون أن نستحضر التأثير الملحّ والعميق للحضارة الغربية في كل ما نأتي أو نذر!
طريقنا إذن في مناقشة هذه المفاهيم الفكرية التي أشرنا إليها في المقدمة، يمرّ -ولا بد– عبر ربوع الحضارة الغربية، والفكر الغربي، والفلسفة الغربية الحديثة، التي غزت العالم كله، بقوة الإرهاب الفكري المتستر بالإقناع تارة، وبقوة الإكراه السياسي والعسكري تارة أخرى.
إن كثيرا من الحوارات المجتمعية التي تثار في بلداننا، منذ سؤال النهضة المعروف “لما تأخرنا وتقدم غيرنا؟”، ويراد من طرحها خلخلة اليقين، وزعزعة الثوابت، وبث السيولة الفكرية في مفاصل الأحكام الشرعية، وتقرير النسبية في الحقائق الدينية؛ ليست حوارات نابعة من احتياجات داخلية، ولا من تطور اجتماعي سلس، وإنما هي طفرات مفتعلة لفرض التغيير الثقافي، ومحاولات مستميتة لاستنساخ التجربة الغربية بحذافيرها، أو على حد قول أديب عربي شهير: (.. أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يُحب منها وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب، ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع)([1]).
وكما يقول أحد الكتاب في لحظة مصارحة نادرة: (ما نحن بصدده من التجديد الديني هو في أغلبه تغيير قسري خارجي، نعطيه مصطلحات تراثية، وشعارات إسلامية، لمحتوى غربي، وهو مع ذلك أحسن من الجمود)([2]).
نعم .. إن أساس المشكلة أننا في هذا الطريق سنجد أمامنا تيارات داخل الأمة، تُلبس المفاهيم الغربية لبوس الإسلام، فتعمد إلى الأصل الحداثي أو العلماني وتتبنّاه بالفكر والممارسة، ثم تحتاج إلى إكسابه مشروعية دينية في أمة ما يزال الدين فيها محور الوجود ومنبع المشروعية الفكرية، فتبحث في نصوص الوحي أو اجتهادات الفقهاء ما يمكن أن يكون دليلا مسوِّغا لهذا الأصل، بقطع النظر عن النصوص والاجتهادات الأخرى، وعن صحة آلية الاستنباط ومنهج الاستدلال!
إنه الخضوع المطلق للثقافة الغربية ومفاهيمها، وتكلف تسويغها -بعد ذلك– ببراهين الشريعة. وهذا ناتج عن أمرين اثنين:
أولهما: الانبهار الشديد بالحضارة الغربية، ليس فقط في المجال التقني والعلمي، ولكن أيضا في بعض مظاهر الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، التي يفتقدها الواقع المنحط للأمة في عصرنا الراهن.
ويتأكد هذا الانبهار بالإغراق الإعلامي والفني والأدبي الذي تمارسه الدول الغربية المتحكمة في العالم اليوم، وبمُخرَجات العولمة الاقتصادية الطاغية التي تنشر النموذج الحضاري المادي الاستهلاكي الغربي في عموم البلاد، ولو مع عدم التأهل الاقتصادي لقبول هذا النموذج.
والثاني: النقص الشديد في المعرفة الشرعية التفصيلية، وضعف الاطلاع المعمق على نصوص الوحي مع قلة الخبرة بمنهج الاستنباط الأصولي المؤهِّل لفهمها، وعدم الاستئناس بكلام أئمة السلف.
ما الذي يُنتظر من نخبة مهزوزة الثقة بالمعاني الإيمانية، ضعيفة المعرفة بأصول الشريعة وفروعها، شديدة الانغماس في النموذج الحضاري الغربي والاستهلاك لمنتجاته المادية والمعنوية؟
لا ينتظر منهم إلا ما نراه من جعل المفاهيم الغربية هي الحاكمة، وتطويع شرائع الإسلام لها عبر المطالبة بالتجديد وتنقيح التراث وإعادة قراءة النصوص:
- تجديد علم الاستنباط –أي: أصول الفقه– عبر هدم التراث الأصولي الباذخ، وابتناء مسخ مقاصدي مطاطي، يصلح لاحتواء جميع منتجات الحداثة الغربية عبر توسيع مفهوم المقاصد والمصالح.
- وتنقيح المرويات النصوصية النبوية عبر تسليط سيف التضعيف العشوائي على المرويات المخالفة للمزاج الحداثي العلماني المهيمن، دون تكلف بناء نسق منهجي مطرد ومتماسك في هذا المجال.
- وإعادة قراءة النص القرآني وفق المناهج الحديثة، مع التركيز على نزع القداسة عنه، وربطه بالبيئة والسياق، وتجاهل أصول التفسير المعهودة، خاصة منها دلالات اللغة وتأطير الروايات التفسيرية المأثورة.
ونحن حين نذكر هذا الموقف المهتز من الحضارة الغربية، فإننا نحتاج إلى التذكير بأننا بصدد حوار أفكار، فلا ينفع فيه التعلق بالتمثلات البشرية إلا بمقدار تعبيرها الأمين عن منظومة فكرية معينة.
ومن هنا فإنه لا بد عند التأصيل لموقفنا من الحضارة الغربية، من تدبر المرجعيات الفكرية الحاكمة، مما يحقق توازنا بين الرفض والانبهار. فإن الرفض الشامل يؤدي إلى خلط الصالح والطالح، والاعتراض على قيم غربية، لا يمتنع دخولها في النسق الإسلامي. وإن الانبهار الكبير يفضي إلى الخضوع التام للثقافة الغربية، والجنوح إلى محاولة إخضاع الشريعة لها – كما سبق بيانه.
**
نعم سنجد في طريقنا هذه العوائق.. فلا بد إذن من التعرف إليها ومحاولة فهمها – ولو في الحد الأدنى للفهم..
ولأجل ذلك سنلقي في الحلقات المقبلة –إن شاء الله– إطلالة سريعة على بعض المفاهيم الفلسفية الكبرى، التي فرضت نفسها على البشرية كلها خلال القرون الأخيرة.
ولن يكون ذلك إلا بقدر ما يؤهلنا لحسن التعامل مع فصول الحوار المرتقب.
—————-
[1]– مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين: ص 39.
[2]– من كتاب التنوير الإسلامي في المشهد السعودي لعبد الوهاب آل غظيف: ص8.