” فإذا فرغت فانصب ” عبد القادر دغوتي

ـ الفراغ من الشيء هو إنهاؤه. ووقت الفراغ هو الوقت الذي لا يتعلق به عمل، بحيث يكون الإنسان قد فرغ من أعماله وواجباته وأنهاها.

الفراغ بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة :

ـ إن الحديث عن الفراغ يكون مناسبا إذا تعلق الأمر بأعمال الدنيا، وبالعمل للدنيا؛ لأن الدنيا محدودة وأعمالها مهما كثرت فهي منتهية، فإذا أنهى الإنسان عمله الدنيوي أو استوفى المطلوب منه، صار عنده فراغ من ذلك العمل، ونال عطلة وإجازة وتقاعدا..

ـ أما إذا تعلق الأمر بأعمال الآخرة، وبالعمل لأجل الجنة ونعيمها، فلا مقام للحديث عن الفراغ من العمل، ولا للتقاعد عن العمل. بل إذا أنهى عملا وفرغ منه تعين عليه أن يقوم وينتصب لعمل آخر..

لماذا؟

ـ لأن الآخرة غير محدودة، ولأن نعيم الجنة غير محدود، ومن ثم وجب أن تكون الأعمال التي يُتوسل بها إليها غير منتهية ولا محدودة، فمهما عمل الإنسان لها كان عمله قليلا ووجب أن يجتهد في تحصيل المزيد، وإذا فرغ من عمل انتصب لآخر. . وفي هذا يقول الله عز وجل: “فإذا فرغت فانصب” (الشرح7).

فعن ابن مسعود رضي الله عنه: “إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.. وقال زيد بن اسلم والضحاك: فإذا فرغت من الجهاد، فانصب في العبادة..” (تفسير القرآن العظيم8/271 بتصرف يسير).

لذلك يقول الله تعالى في أعمال الحج مثلا: “فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم، فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا..” (البقرة198-201).

فالحاج وهو في عرفة كان في عبادة وذكرٍ لله، فإذا فرغ منها، وأفاض من عرفة وتوجه نحو المشعر الحرام وهو المزدلفة، وجب أن يستمر في العبادة والذكر، وإذا فرغ منها وأفاض نحو منى ومكة لإتمام باقي المناسك، لزم الذكر والاستغفار..

فما يفرغ من عمل حتى يدخل في آخر. قال الشيخ السعدي رحمه الله: “وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومن بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، وردِّ العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمالٍ أُخر” (تيسير الكريم الرحمن1/136).

وهكذا الشأن إذا فرغ المسلم من صيام رمضان: يجب أن يستمر بعده ويستقيم ويثبت على الصلاة في المسجد وقراءة القرآن الكريم وقيام الليل ولو من حين لآخر، وعلى الصدقة وغيرها من أعمال الخير، ويحذر الانقلاب من الطاعة إلى المعصية ومن الاستقامة إلى الانحراف. فإن مما يدل على قبول الحسنة؛ الحسنة بعدها، ومما يدل على عدم قبول الحسنة السيئة بعدها.

وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى أدومها.

روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَ”. وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته”.

وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل”.

فالمطلوب من المسلم أن يكون ربانيا ولا يكون رمضانيا.. يعبد الله في كل شهر.. قيل لأحد الصالحين: أيهما أفضل: رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا !!

والأسوأ أن ينقلب العبد إلى المعاصي والسيئات بعد أن كان في حمى الطاعات والحسنات خلال شهر الصيام، فتلك علامة على الخسران. قال تعالى: “ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين”(المائدة21). وقال: “ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين” (آل عمران144)، وقال: “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” الشعراء227.

عبادة دائمة وعمل مستمر، حتى الموت :

ـ ” إذا فرغت فانصب”: يعني أن العبد لا يتعطل عن العمل للآخرة ولا يتقاعد، بل لا يزال على طريق العمل سائرا ما دام عقله ثابتا، حتى يأتيه الموت.. فحينئذ فقط تنتهي عنده ساعة العمل، لتحل ساعة الجزاء. قال الله تعالى: “واعبد ربك حتى ياتيك اليقين” (الحجر99)، أي: الموت.

فإذا اكتفى بالصلوات المكتوبة، وبالصيام المفروض، والزكاة، والحج، يكون مقصرا في عبادة ربه؛ لأن الصلوات الخمس لا تأخذ من يومه وليلته أكثر من ساعة، فأين وفيم يمضي الثلاثة والعشرين ساعة المتبقية، ولأن الصوم الفروض لا يأخذ من عامه إلا شهرا واحدا، ففيم يمضي الأشهر الأخرى، ومثله الزكاة، وكذلك الحج لم يفرض عليه إلا مرة واحدة في العمر، ففيم يقضي بقية عمره؟

فالإنسان يجب أن يكون في عبادة دائمة لله عز وجل، لأنه خلقه لأجل ذلك، أي خلقه لتوحيده وعبادته، كما قال جل وعلا: “وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون” (الذاريات56). فإذا فرغ من عبادة انتصب لأخرى..

فاسلك وتزود:

ـ “إذا فرغت فانصب”: تقتضي من العبد أن يسلك الطريق، ويقف عند محطاته، ويتزود بما يستطيع من كل عمل صالح، يبلغ به غايته. قال الله تعالى: “وتزودا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الالباب”(البقرة197).

قال ابن الجوزي رحمه الله: “عجبا لراحل مات وما تزود للرحلة، ولمسافر ماج وما جمع للسفر رحله، ولمنتقل إلى قبره لم يتأهب للنقلة، ولمفرِّطٍ في أمرِهِ لم يستشر عقله..” (المدهش211).

الرحلة طويلة والسفر شاق :

ـ إن الرحلة من الدنيا إلى الآخرة رحلةٌ طويلة، وفي الطريق أهوال وأهوال: الموت وسكرته، القبر وفتنته، وحياة البرزخ، والبعث وأرض المحشر والعرض والحساب والميزان والصراط.. فإذا كان الحال كذلك، فلابد من زاد. وإنما الزاد التقوى والعمل الصالح..

ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” (صحيح مسلم رقم 1631).

وقال صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورَثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته” (رواه ابن ماجة -242- في المقدمة، وحسنه العلامة الألباني في المشكاة:254).

ـ الفارغ البطال مغبون :

“إذا فرغت فانصب”: أما من جعل حياته فراغا من العمل الصالح، ولم ينصب لعبادة الله والتقرب إليه بما يحب من عمل صالح، فإنه مغبون، أي ناقص العقل والدين والأجر..  قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” (صحيح البخاري رقم6312). أي: أن كثيرا من الناس لا يُقدرون هاتان النعمتان حق قدرهما، ولا يغتنماها في التزود للآخرة.

ـ النعمة الأولى: الصحة. فما دامت حاضرة، فالمطلوب اغتنامها في العمل الصالح.

ـ النعمة الثانية: الفراغ من أشغال الدنيا من كسب ونحو ذلك، فإذا فرغ العبد منها، فليغتنم وقته في التزود من صالح العمل ما تقر به عينه يوم القيامة.

ذكر عن حاتم الزاهد قال: “أربعة لا يعرف قدرها إلا أربعة: قدر الشباب لا يعرف قدره إلا الشيوخ، ولا يعرف قدر العافية إلا أهل البلاء، ولا قدر الصحة إلا المرضى، ولا قدر الحياة إلا الموتى” (تنبيه الغافلين414).

الفارغ البطال تلحقه الحسرة :

ويحصل له ذلك إذا انقضى أجله وأدركه الموت وانقطع عمله، وحينئذ يتمنى الرجوع إلى الدنيا لعله يتدارك نفسه فيعمل صالحا.

قال تعالى: “حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربَ ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يُبعثون” (المؤمنون99ـ 100). لكن هيهات: “وحيل بينهم وبين ما يشتهون” (سبأ54).

قال قتادة: “والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار، فانظروا إلى أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا قوة إلا بالله “(تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ج5ص286).

خلاصــة:

ـ “فإذا فرغت فانصب”: فإن الدنيا دار شغل وعمل متواصل للآخرة، إذا فرغ العبد من عمل، انتصب لآخر.. إذا فرغ من الصلاة، ذكر الله. إذا فرغ من قراءة القرآن، استغفر الله.. الخ. فلا فراغ للمؤمن في الدنيا، بل هو على الطريق إلى الله تعالى يواصل السير ويتزود من العمل الصالح ما يستطيع ويغتنم أيام وساعات عمره فيملأها بما يعود عليه بالخير، ويغرس فيها من أشجار الخير التي تُرجى ثمارها.

وإذا أصابه كلل أو فتور روح عن نفسه بلهو مباح أو نوم أو راحة أو مداعبة زوجة أو ولد.. ثم واصل السير واستقام على العمل والجد والاجتهاد.. فإذا دخل الجنة فرغ للراحة والنعيم.. والله المستعان..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *