التكامل المعرفي: أسسه ودعامات إحلاله في المناهج التربوية د. يونس محسين([1]) حاوره الأستاذ: الحسين باروش

  • تعددت تعريفات التكامل في الأبحاث والدراسات المتخصصة، فهل استقر النظر العلمي على مفهوم له؟

الحقيقة أنه لم يستقر النظر العلمي على تعريف موحد لتقريب قضية التكامل بين فروع المعرفة، وهذا  ليس اختلاف تضاد وإنما هو اختلاف تنوع، يعبر عن تعدد زوايا النظر في حقيقة الارتباط بين العلوم؛وهكذا تجد قضية التكامل المعرفي محاطة بنسق مفاهيمي غني ينتظم  عدة مفاهيم واصطلاحات، ولعل أكثرها اتصالا بهذا النسق: التكامل المعرفي، والتداخل بين العلوم، والموسوعية العلمية، ووحدة المعرفة… ومن إيجابيات هذا التنوع أنه يغطي مساحات واسعة من الاهتمامات العلمية على اختلاف مرجعياتها ومناهجها وتحيزاتها مع أن الجامع بينها هو الاشتراك في الدلالة على حقيقة الارتباط بين فروع المعرفة. وإذا كان التحديد المفاهيمي مهم جدا في تحديد الأنساق المعرفية، فإن طبيعة النسق المعرفي موضوع البحث والنظر هو من أهم ما يُرجِّحُ استعمال أحدالمفاهيم دون غيرها.

 

  • ما مفهوم التكامل الأقرب (الأنسب) للحقل التربوي؟

التكامل المعرفي، هو مفهوم وظيفي، بمعنى أنه يستعمل في الغالب الأعم في السياقات الوظيفية للتَعَالُق الحاصل بين فروع المعرفة في مجالات البحث والتدريس والتفكير… وتقديم البدائل وفقا لهذه الرؤية الكلية للمعارف. والنظر التنزيلي لمفهوم التكامل في مجال بناء المناهج التربوية وتصميمها، يقوم على أساس الربط بين الموضوعات الدراسية المختلفة التي تقدم المعرفة للمتعلم في شكل مترابط ومتكامل، وتنظيمها تنظيما دقيقا يُسهم في تخطي الحواجز بين المواد الدراسية المختلفة، بوجه يسعف المتعلم في إدراك الروابط العلمية والمنهجية بين فروع المعرفة المنتظمة في مواد أو وحدات تعلمية بعد ما طرأ عليه من تغيرات تفرضها مبادئ النقل الديداكتيكي.

 

  • ما مستويات التكامل المعرفي في المناهج التربوية؟

يمكن الحديث عن ثلاثة مستويات تشكل هرما تنازليا (من العام إلى الخاص):

  المستوى الأول: التكامل المعرفي بين حقائق الوحي وحقائق الكون

وهو مستوى عام يجسد ذلك الترابط المعرفي بين حقائق الوحي وحقائق الكون، انسجاما مع مبدأ وحدة المعرفة ووحدة مصادرها (الوحي والكون)، وتكامل أدوات اكتسابها (العقل والقلب والحواس). ومناهج التعليم الإسلامي ينبغي أن تعكس حقيقةالتكامل بين العلوم المنبثقة عن الوحي والعلوم الكونية كالطب والفلك والهندسة والرياضيات والفيزياء….، فكلها علوم إسلامية ما دامت داخل الإطار الإسلامي ومتفقة مع صوره ومفهومه، ملتزمة بأحكامه وتعاليمه، ومقاصده.

المستوى الثاني: التكامل المعرفي في مجال مخصوص

وينصرف إلى الارتباط الوظيفي بين فروع علمية منتظمة في مجال علمي مخصوص، نحو التكامل بين العلوم التجريبية (الرياضيات، الفزياء، علوم الحياة والأرض…)، أو التكامل في مجال العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع، التاريخ، أو التكامل بين علوم الشريعة  (الفقه والأصول والحديث..). والتكامل في هذا المستوى يقتضي -تربويا -ضرورة ترسيم مقررات تعرضُ الفروع العلمية المنتظمة في مجال مخصوص، بوجه يسعف الطالب (المتعلم) على إدراك حقيقة الترابط المعرفي والمنهجي بينيها.

        المستوى الثالث: التكامل بين مفردات التخصص الدقيق

هو أدني مستويات التكامل المعرفي وأدقها، لاتصاله بمفردات ومباحث تخصص دقيق، بحيثيعنى بإجلاءطبيعة الارتباط العلمي والمنهجي لمباحث العلم الواحد. وهذا المستوى، ينسحب أساسا على مسلك التخصص في علم من العلوم، وإن كانت له امتدادات في مسالك التعليم العامة. لأن التخصص المثمر يكون مبنيا أساسا على قاعدة التكامل بمختلف مستوياته المذكورة آنفا.

 

  • ما الأسس المرجعية للتكامل المعرفي في نظرية المعرفة الإسلامية وتضميناتها التربوية؟

لا يمكن فهم حقيقة التكامل المعرفي دون استحضار أسس ومبادئ التداخل في بنية العلوم، المؤصلة لطبيعة الارتباط بينها، من خلال امتلاكالمعطيات الموضوعية، والتاريخية والحضارية، التي تساعد على تصور وتفسير تفاعل العلوم فيما بينها، موضوعا ومنهجا ومصطلحا من وجهة نظر إسلامية.ويمكن أن نحدد أهم الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها التكامل المعرفي في الآتي:

  • الأساس العقدي (التوحيد). فنشأة العلوم وتطورها -من وجهة نظر إسلامية-لا ينفك عن هذا الأساس، فالمقصد الأسمى لك علم هو حفظ هذا الأصل العظيم وإثبات قدرة الله وعظمته على التصرف في هذا آيات الأنفس والآفاق.فالتوحيد ليس تسليما عقديا وحسب، وإنما هو امتداد معرفي يتحدث عن المعرفة في حدود إمكانيتها ودرجة تصويرها للوجود، وعن الآليات التي تتم بها، وعن دور الغيب في ذلك، من زاوية الوحي وما يقدمه من قيم هادية وموجهة.

وإذا كان التوحيد هو إثبات الوحدة المطلقة لله عز وجل، فإنه أيضا إثبات الوحدة لمصادر الحقيقة، فالله خالق الطبيعة التي يستمد الإنسان منها المعرفة ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون. إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والارض لآيات لقوم يتقون ﴾ [يونس 5-6]

  • الأساس المصدري (وحدة المصدر). فلا يسوغ فهم العلاقة بين العلوم إلا بالرجوع إلى مصدر المعرفة الأساسي في الإسلام، وهو الوحي قرآنا وسنة. فالوحي بالنسبة للمسلم منبع الطاقة الفكرية والروحية في الوقت نفسه، ومن ثم منبع جميع المعارف والعلوم، ليس لأن فيه محتوى المعرفة نفسها، وإنما لأنه يوحى إلى المسلم برؤية متميزة حول وحدة مجالات المعرفة فالرؤية القرآنية تؤكد أن معرفة الانسان للأشياء المادية والمسائل الروحية ممكنة، لأن الله أعطى الإنسان القدرات الضرورية لاكتسابها وهي أدوات المعرفة (القلب والعقل والحواس).
  • الأساس المنهجي، ومقتضاه التداخل الحاصل في مناهج العلوم؛ فالتكامل بين العلوم هو ثمرة للتداخل الحاصل بين مناهجها التأسيسية، لأن مقتضى هذا التداخل -حسب طه عبد الرحمن- هو أن المعارف التي تضمنها التراث، على اختلاف مجالاتها وأبوابها، تشترك في الآليات (أي المناهج) التي أنشئت ونقلت بها مضامينها، فيكون الاشتغال بهذه الآليات التي أنتجت وبلغت هذه المضامين المعرفية، مؤديا بالضرورة إلى العناية بكلية فروع المعرفة المختلفة من غير استبعاد.

 

  • ما تقويمكم لواقع التكامل المعرفي في المناهج التربوية المغربية؟

من الواجب القول: إن التقويم العلمي والموضوعيلواقع التكامل المعرفي في المناهج التربوية المغربية مفتقر إلى دراسات ميدانية تستند إلى مناهج البحث تربوي وأدواته؛ تقيس مدى وفاء هذه المناهج بمقتضيات التداخل بين العلوم في تصميم المقررات والبرامج التعلمية، وترصد بالوصف والتحليل والتفسير واقع الارتباط بين العلوم في المقررات الدراسية والجامعية

و ما تقدم لا يعفينا من إبداء ملاحظات نقدية بناء على استصحاب مبادئ التكامل المعرفي وآليات توطينها، والتفتيش عن مدى حضور مؤشراتها في المقررات هذه المناهج.  ولا يخفى على المطلع على المقررات في المناهج المغربية أن هناك جهودا مبذولة في تنويع الموارد المعرفية في محتوى المناهج (تعدد المواد والوحدات التعليمية)، مع التمايز في حضورهاكما وكيفا، والتباين في الغلاف الزمني المخصص لتدريسها… بيد أن هذا التجميع والتنويع لا يعكس حقيقة التكامل المعرفي في محتوى هذه المناهج، بل إن هذا المزيج قد يعكس جمعا جبريا لمواد دراسية لا يجمعها رابط معرفي ومنهجي، يصل أحيانا إلى حد التضارب والاختلاف.

إن التوطين الأمثل لمبادئ التكامل إنما يكون ببناء المقررات واختيار المضامين بناء على رؤية تكاملية تستصحب طبيعة التقاطعات والامتدادات بين العلوم، بوجه ينقل محتوى وحدات المقرر ومواده الدراسية من ضيق النظر الجزئي التخصصي إلى رحاب النظر الكلي دون تعسُّف، ودون اخلال بالاستقلال الوظيفي لهذه الوحدات والمواد.

وعليه يمكن القول إن السائد في مناهجنا المغربية هو ما يعرف في الأدبيات التربوية التي اهتمت بتنظيمات المناهج بمنهج المواد المنفصلة، ومن خصائصه أنه يعرض المعارف والخبرات التربوية في صورة مواد مستقلة، لا يجمعها خيط ناظم. وهو من أقدم تنظيمات المناهج، حيث نال القبول لدى أوساط تربوية واسعة، ويرجع ذلك إلى أنه أسهل أنواع المناهج تخطيطا وتنفيذا وتقويما.

 

  • ما أهم ضوابط العلمية المتصلةبالتنزيل التربويللرؤية التكاملية للمعرفة في المناهج التربوية؟

تنزيل الرؤية التكاملية للعلوم في المناهج الدراسية مفتقر إلى ضوابط معرفية إبستمولوجية لها أبعاد تربوية، أهمها:

– الفهم السليم لحقيقة المعرفة من حيث مصادرها وأدوات ومناهجها ومباحثتها، وحدود العقل في توحيدها، وعلاقة العقل بالنقل  في النسق المعرفي الإسلامي،  والعلاقات  بين مجالات المعرفة المتنوعة، وغيرها من المباحث الفلسفية التي أرستها نظرية المعرفة الإسلامية، وغيرها من  فروع المعرفة التي اتخذت من العلم موضوعا للدراسة.

– الفهم السليم لمبادئ تصنيف العلوم، لأن مبدئ التصنيف تعبر عن فلسفة مرجعية لتصميم المقررات واختيار الوحدات التعليمة وتحديد معاملاتها في مختلف الأسلاك التعليمية بما يتماشى وفلسفة التصنيف. فكل مجال من مجالات المعرفة يمثل بنية منطقية لها مفاهيمها وطرقها ومعايير تقويمها الخاصة في البحث والتفكير والتعليم والتعلُّم.والفهم الخاطئ لمبادئ التصنيف، يؤدي في الغالب إلى بتر الوشائج الجامعة بينها، فينتج عن ذلك بناء مقررات مفتقرة لخصائص الوحدة والتناسق والتكامل.

-التمييز بين العلوم المقصودة والعلوم الوسلية، وهو ضابط بمقتضاه تقدم العلوم الوسليَّةُ على العلوم المقصودة في مسالك التعليم. لأن إدراك المقصد مرتهن بامتلاك الوسيلة. وهو ضابط يحدد مبدأ الأولوية في التقديم والتأخير بين الوحدات والمواد الدراسية بمنهج نسقي لا يلغي طبيعة الارتباط بين المضامين المعرفية.

  • ما الاجراءات المقترحة لتوطين التكامل في المناهج التربوية؟

يمكن أن نختصر أهم الإجراءات العملية الكفيلة بتوطين التكامل في المناهج التربوية في الآتي:

  • إجراء دراسات تربوية، ميدانية ترصد واقع التكامل المعرفي في المناهج الدراسية والجامعية، فلا يستقيم الحديث عن إحلال التكامل في هذه المناهجبقصد استصلاحها دون الإحاطة بالواقع خُبرا. ويلحق بذلك ضرورة الإفادة من التجارب العالمية الناجحة في بناء المناهج بما يخدم الرؤية التكاملية للمعارف، مع مراعاة سياقات التنزيل وخصوصية المناهج المغربية.
  • مراعاة التكامل بين الأسلاك التعلمية، بأن يتدرج المتعلم في مسالك التحصيل بمنهج نسقي وظيفي يحقق مبدأ الترابط والانسجام في رتب التحصيل، وهو ما يصطلح عليه في الأدبيات التربوية ب” التكامل الرأسي للمنهج”.
  • مراعات حاجات المتعلم في مختلف مسالك التعليم، وحاجات المجتمع ومطالبه، وعدم الاحتكام إلى المعايير الإديولوجية الضيقة في اختيار المضامين وتوطينها في المقررات الدراسية.

-الاهتمام بالتكوين التربوي للأستاذ لأنه مفتاح التكامل، ولأن فهمه السديد لفلسفة التكامل، يجعل اشتغاله العلمي والتربوي مؤطرا برؤية متكاملة للعلوم والمعارف إنتاجا وتبليغا، تخطيطا وتدريسا وتقويما.

  • تشكيل لجان علمية وتربوية تضم متخصصين في علوم التربية ومناهج التدريس، تسهم –إلى جانب اللجان التخصصية-في تصميم المقررات برؤية تكاملية تستحضر طبيعة الامتدادات بين الوحدات والمواد الدراسية، وتختص بمراجعة دفاتر التحملات الخاصة بتأليف الكتب المدرسية، ومواكبة عمل لجان تأليفها أملا في إنتاج مقررات مرجعية مبنية على قاعدة التكامل.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..

———————————————

[1]– دكتوراه في الفكر الإسلامي ومناهج التربية والتعليم (جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *