تذكرت واسترجعت تزامنا مع خرجات السيد وزير العدل في مواجهة احتجاجات الراسبين في مباراة المحاماة سيناريو ذكريات الحملات الانتخابية ببلادنا حيث دأبنا أن نرى عجبا، ونسمع عجيبا، ونشم أعجبا.
فقد وقف أحدهم يوما من أيام حملته الدعائية لشخصه ولمؤسسي حزبه واعدًا في أغلظ الأيمان متى ما نال رصيد الأغلبية، مُغريًا المستضعفين من الطبقات الكادحة بزيادة طوباوية في الأجور والمستحقات، ثم أردف وعده ذلك بنذر توعد من خلاله سيادته وحزبه وكبيره الذي علّمه سحرالسياسة وألبسه ثوبها القشيب من عري لطالما عرفنا شنشنته من أخزم، توعد نفسه والجميع بوعيد الضرب بالحجارة في غير حد يدخل الضارب أو الراجم أتون فتنة تهمة الإرهاب والتطرف متى ما تم إخلاف ذلك الوعد، ولقد تم الوعيد وتقصفت حجارته على ظهورنا لا ظهورهم، وتوارى الوعد منهم في إدبار ومجافاة بغير تعقيب.
والواقع أنه كان على الفئة التي استهدفها هذا الوعد الحاتمي أن يعلموا أن الحقوق تُنال ولا تعطى، وأن هذا الوعد الزائف يضع المصوّت ويُلبسه مسلاخا من الدروشة وثوبا من الحاجة تزيدها السنوات العجاف لانتداب وتكريس الحكومة ومعها البرلمان كزعامة تقرر نيابة عن الشعب، وتوجه مصيره بعد الإذن الكوني للرب جلّ في عُلاه، قلت تزيدها فقرا وعوزا وضيقا وقَدَرَة، وهذه أزمتنا مع السياسيين الجدد، في دائرة الحكم الذوقي للمخضرمين من أمثالي، وأنا الذي وُلدت وإنّما الطفولة في سيرة أي إنسان هي لهو ولعب واكتساب أدبيات وقواعد سلوكية أثبت الواقع المعاش أنّ مظاهرها قد تسافر مع الشخص فترافقه من المهد إلى اللحد سواء كانت هي من صميم الاستقامة، أو من جنس الاعوجاج، فانتميت مع مرور حركة الزمن الدافقة في غير وقوف ولا توقف، إلى الجيل الذي عاش في كنف حكومات سياسية متعاقبة في سلاسة ومشاكلة، كلما دخلت أمة منها لم تلعن أختها، حكومات كان الملك الراحل “الحسن الثاني طيّب الله ثراه” يعيِّن كبيرها من دائرة المعروفين بوفائهم للعرش وخدمتهم للصالح العام، ومستواهم ورصيدهم السياسي المقنع والممتع، كما مكانتهم المعرفية ومنزلتهم الأخلاقية البالغة نصاب الحد المطلوب نسبيا لا المرغوب مطلقا، ثم يتوالى التعيين من جلالته لباقي الوزراء باقتراح من السيد رئيس الحكومة هذا، وهكذا فإذا استثنينا بعض الحقائب السيادية التي بقي القصر مستأثرا باختيار أصحابها، نظرا لحساسية نشاطها السيادي، فتلكم كانت هي قاعدة التنصيب الوزاري لعقود خلت، كان فيها القلب الحكومي النابض مربادا فيه بياض يتخلله سواد لا تأثير له، فماء السياسة كان يومها مستبحرا فلا يكاد يضره جِرمٌ من النجاسة بضابط أن الماء متى ما بلغ القلتين لم يحمل الخبث، هكذا عشت حينا من الدهر أتذوّق طعم السياسة وأقرأ عناوينها ليس من أفمام السياسيين وإنما من آثار سواعدهم، وترجمات همومهم وانشغالاتهم المهووسة بالصالح العام، وهاهنا أكرر وأقول أن ذلك البياض لم يبلغ منزلة المحجة، فقد تخلّله سواد، وكانت تطفو على السطح وتظهر في الساحة والمعترك السياسي أخطاء وأخطاء، ولكنها لم تكن ولم تشكّل القاعدة وإنما كان الأصل هو الصواب…
ثم ما لبثت الأمور أن تغيّرت تحت طائلة سوط المَطالِب المُناوش وصوت المتاعب المتهارش، الذي رفع أصحابه من مريدي الأحزاب وأهل السياسة وورثة ألوانها وشعاراتها وأطيافها عقيرة النضال المزعوم، وأجادوا على طول خط الرجعة أسلوب فن افتعال الضجيج، وملأوا دنيانا الهادئة بصراخهم الملحون وعويلهم المنغوم، ناضلوا ووقفوا في سبيل أملهم ذلك بكل إصرار وتفانٍ وتضحية وإتقان، ذلك النضال الذي كان المفاد منه ومشروعه أن تصير قاعدة التنصيب الوزاري مبنية على قاعدة التوصيف البرلماني، إذ صار الملك يعيِّن رئيس الحكومة طبقا لما جاء في الدستور المعدّل وما كرّسه ابتداءً من سنة 2011 حيث جاء بقواعد ومفاهيم جديدة في هذا المجال، فنجده قد أقرّ نظام الملكية البرلمانية، واشترط تعيين رئيس الحكومة من داخل الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وهذا يعني أنه تم استعمال مفهوم التنصيب الوزاري مرهونا ومقرونا بمفهوم الثقة البرلمانية وحصانتها المستمدة من الرصيد العددي الشعبي المصوِّت على هذه الزعامة السياسية الحزبية أو تلك، أي أن رئاسة الحكومة في ظل هذا التعديل الدستوري لن تخرج هويتها رسما واسما إلا من فصيل الأغلبية، بل من الحزب الحاصل على الرُتبة الأولى وعلى أعلى رصيد من المقاعد النيابية.
ولعل من كانت له ذاكرة وكان السمع منه والبصر شاهدا في غير نسيان أو تناسٍ مدخون لهو مواطن قادر على أن يجود في غير كُلفة بحكم ذوقي يميّز فيه الفارق بين ما كان أيامها، وبين الذي صار وآلت إليه الأمور بعد ذلك النضال المحموم، حيث صارت كل حكومة فائزة داخلة تلعن أختها الخاسرة الخارجة، بل وتدشن دخولها بنسف مشاريعها ذات المخططات الثلاثية أو الخماسية الطويلة الذيل الزمني على مستوى التنفيذ والتطبيق، حتى وإن كانت هذه المشاريع ذات جدوى ومنفعة للشعب المكلوم المحتاج إلى قشة تحميه من الموت غرقا في لجة الحياة وضنك العيش، فالداخلون الجدد يهمّهم أمر العزو في مجال البناء والتسيير والتوجيد أن يكون خالصا لهم لا حظ فيه لغيرهم من الفرقاء السياسيين الذين انقلبوا وتحولوا من منصب الحكم إلى طاولة المعارضة، فهم باختصار يُفرغون العربة بدل الزيادة في منسوب حمولتها، ويقطعون ما احتاج الشعب به أن يوصل، وتلك لعنة السياسة والسياسيين في صيغتهم الجديدة، وهذه أعمالهم شاهدة على فسادهم وإفسادهم، ففي حملتهم الدعائية يكونون كالشعراء في كل واد نذر وبحر وُعود يهيمون، فإذا ما تم لهم المطلوب ولامست أردافهم واستوت أجسادهم الثقيلة على ظهر سفينة التنصيب وجدتهم بعد حين أنهم كانوا يقولون بالأمس ما لا ولن يفعلوه اليوم، فلا يزال ولم يزل رصيدهم العملي عبارة عن سقطات وهنّات تلو هنّات…
إن ركام تلك الأحكام الذوقية التي تجرعناها من تلك السياسات الرعناء الجاحدة لسنين عددا، لتقودنا في إنصاف أن نتدبر المعاني الحقيقية لمفهوم الفوز والتنصيب تحت طائلة نوال الأغلبية، فالديموقراطية الورقية أي التنظيرية التأصيلية التي تقوم على مبادئ قد تغري وتدفع المغفلين إلى التصفيق وطأطأة الرأس واستعباد النواصي العالمة منهم قبل الجاهلة تحت مفعول سطوة بريقها الخادع ووعدها الطوباوي الصادع، ولتوهم الجميع من جهة أخرى أنّها تشركهم وتحفل برأيهم، فهم مِن منطلقات أدبياتها من يكرس ويصنع صفة من ينوب عنهم ويرعى مصالحهم ويقضي حوائجهم ويحقق تطلعاتهم ويسعى في تثبيت قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان في مجتمعهم، وخلق استقرار اجتماعي تُلبّى فيه الأغراض وتُشبع في حضنه الحاجات في دائرة الكرامة الإنسانية، وليس هذا بالمستغرب عنهم من جهة ما فهموه من لازم معنى الديموقراطية التي تفيد من جهة التأصيل والتعريف أنها حكومة الشعب، ذلك الكيان البشري الذي تنص قواعد الديموقراطية التنظيرية على أنه الجهة الموكول لها بجميع الصلاحيات، إذ إليه تُرد جميع الأمور التي تخص قرارات الدولة المصيرية، وإنما حصل هذا الامتياز له عن طريق ممثلين عنه اختارهم هو ووضع بيمينه طيف ألوانهم ورموزهم في صناديق زجاجية شفافة بإرادة حرة…
فهل كان هذا الرصيد التنظيري هو ما يُترجمه معشر السياسيين على رحى الاختبار الواقعي؟؟؟
وهل استطاع ممثلو الشعوب والنواب عن المصوتين تحقيق الحد الأدنى من آمال الجماهير المُنيبة لصناديق الاقتراع على امتداد فترة الانتداب الحكومي؟؟؟
وهل تجانست أوهام المنتخِبين مع أحلام المنتخَبين؟؟؟
وهل كان مسار تكريس الزعامات المحلية والوطنية سليم الخطوات بريء السمعة؟؟؟
وهل هذه النخب السياسية المتغلبة تصنعها وتكرس صفة التمكين لها نخب من الشعب واعية أم عصبة من الأغمار حانية؟؟؟
وهل كانت إرادة المصوِّتين إرادة حرة توجه الاختيارات في دائرتها وتبنى على رصيد من الإقناع والاقتناع بالبرامج لا بالوجوه والشخصيات، ولا بالرشاوى وموائد الإطعام من جوع والإسكار بخمر تعيب عنصر الرضى بين الناخب والمنتخَب؟؟؟
وهل فعلا استطاعت الديموقراطية كآلية بديلة للحكم القضاء على الاستبداد السياسي، ونسف مظاهر الظلم والاعتساف، ومن ثم تحقيق هدفها المنشود، أم كرست هي نفسها نخبا أكثر ظلما وجورا ولصوصية؟؟؟
وهل ثمة فرق أو فروق جوهرية في هذا المقام تعطي في إطار التمايز لمبدأ الشورى الإسلامي التفوق على نظيرتها الديموقراطية كآلية حداثية في إدارة وتدبير أزمة السياسة والسياسيين في عالمنا العربي الإسلامي؟؟؟
وهل استطاع حاملو شعار ـ الإسلام هو الحل ـ تحقيق تغيير مأمول من الشعوب بعد طول هلكة وانتظار إسعاف، أم جُرفوا وكانوا أكثر وبالا على قومهم ممن سبقوهم؟؟؟
إنّها هلهلات استفهامية نرى أن لها ثقلها ووزنها الذي ترنو الإجابات الصادقة المسكونة بهم الشأن العام للأمة بالشطِّ والنأي بحمولتها الكارثية بعيدا عن ذلك الفصام النكد الذي اتسع خرقه، بل ولاتزال هوته آخذة في الاتساع ذي الوجهات المتباينة المتناقضة بين المفهوم التنظيري الطوباوي للديموقراطية، وبين ما ترجمه الديموقراطيون نخبة وشعبا من مآسي وتسفلات وكوارث وموبقات مهلكات على أرض الواقع ورصيد التطبيق في بلدان العالم العربي وفي بلادنا خاصة بعد التعديل الذي حمله دستور سنة 2011.
كما نرى إرجاء الإجابة عليها في مقال قابل، نسأل الله في حبره مآلا لا حالا التوفيق والسداد، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه آمين…
يتبع..