ليوم الجمعة في الإسلام مكانة خاصة، ومنزلة عظيمة دون سائر الأيام، جعلته معظما عند المسلمين، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وهو سيِّد الأيام قد شرع الله فيه من المناسك ما لم يحظ به يوم من أيام الأسبوع، وإنما هو تفاضل في دائرة الفضل، كما تتفاضل سور القرآن ومصدرها واحد إذ كلها من كلام الله سبحانه وتعالى، وهو فضل لم يقرره عرف ولا عادة أو إلف، كما لم يقف على ملمح خصيصته عقل أو طبع، كما أن امتيازه ليس هو ترجيحا بغير مرجح، وقد علمنا من سنة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ما يفيد بالقطع أن لهذا اليوم شأنا وخصوصية نصت على خيريته آيات بينات من الذكر الحكيم، كما تواترت بخصوصه أحاديث نبوية شريفة، فقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة”، كما روى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت، فقال: إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء”…
وواقع الأمم من حولنا يشهد على أنها خُذلت ولم تتوفق للظفر بمزايا هذا اليوم العظيم، فمنهم من خص يوم السبت بما لم يوله لسائر الأيام، بل وجعل منه عيدا لطقسه التعبدي المنحرف، ومنهم من فضل يوم الأحد بالخصوصية والاعتبار، ومن الناس من عُلم من سيرة حياتهم أنهم عاشوا يسوون بين الأعيان والأزمان والأماكن، إذ في عرفهم ليس ثمة شيء له مزية على شيء، وقد تشابه البقر على من سلف من جنسهم، كما تشابهت الأيام على من خلف من نوعهم، وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له، قال يوم الجمعة، فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى”.
ولا يزال يوم الجمعة في سيرة المسلمين المعاصرين له وزنه وثقله، كما مكانته واعتباره، حيث ترى الناس فيه على غير المعهود في سائر أيام الأسبوع، يعيدون للروابط الاجتماعية نفوذها، ولصلة الأرحام سطوتها، ولموائد الطعام أصالتها، وللصدقات كرمجيوبها وجود أصحابها، بل تراهم قد تحلّلوا وانسلخوا عن لباس الإفرنج وتحلوا بطيب البياض وتدثروا بلباس الآباء والأجداد على غير المعهود الغالب، تعج بهم الشوارع متوجهين لمساجد الأحياء ومهرولين في مسعى بيوت الله في تبكير ليشهدوا مشاهد الجمعات، سراعا وكأنهم إلى نصب يوفضون، قد استجابوا لأمر ربّهم ونداء مناديها مصداقا لقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: “يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون”.
ولقد كان ولا يزال أهم ما يميّز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع في دائرة الشرع والسياق التديّني هو صلاة الجمعة بخطبتيها وركعتيها الجهريتين، إذ تعد هذه الصلاة محطة من محطات التزوّد الإيماني، ودرجة متقدمة من مراقي التصعّد الروحي في سيرة المسلم وسيره إلى ربّه سبحانه وتعالى سيرا منضبطا بشرطي الإخلاص لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، بل تظل تلك خطبة آلية من آليات تجديد الأنفاس الإيمانية في غمرة لجة الحياة وأوديتها الصارفة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “…والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما لم تُغْش الكبائر”، كما أنها وسيلة شرعية في التصدي والمدافعة لكل شذوذ يحتمل أن يتسوّر محراب الشرع، أو أن ينقض بنيانه المرصوص، ولطالما وقف الخطيب على منبر رسول الله صادعا بالحق في غير حماسة متهوِّرة، يدافع فيها عن محارم الله متى ما انتهكها منتهك أو حام حول حماها حاقد متربص، أو تطاول على مقدساتنا كتابا وسنة، ومرسِلًا ومُرسَلًا، أو ناقلا ومنقولا صائل معتدٍ… ناهيك عن اهتمام الخطيب في ثنايا خطبته بمشاكل ومعضلات حي المسجد، وسلوكات أهله، معطيا وموليا لها الأهمية البالغة، فذلك المناسب، وتلك عين الحكمة وسديد الفقه…
وإن أنس فلا أنسى يوم وقف العلماني الحاقد الكاره لكل شيء فيه نفس من أنفاس هذا الدين العظيم، ذلك هو الكاتب والصحفي والإعلامي المصري “إبراهيم عيسى” والمعركة على أشدها بين الفصيل الإسلامي زمن الثورة وما بعدها وما عرفته هذه الفترة الساخنة من تجاذبات وحملات إعلامية مناكدة، والفصيل العلماني الداعي إلى إقصاء الدين وعزله والنأي به بعيدا عن حياة المسلمين وشؤونهم الحيوية يتحرك في كل صوب ووجهة مستصرخا ومستنصرا في خيانة طافحة بالقوى الإقليمية، لقد وقف “إبراهيم عيسى” في جلوس ومغلوبية ليصدع بالهزيمة قائلا: “هزمتنا خطبة الجمعة” مطأطأ رأسه بلغته العامية الفجة معترفا أنه: “إحنا مبنأثرش في الناس، وخطبة الجمعة أهم في التأثير من ألف حلقة مما نعد، والدليل نجاحهم الساحق” مضيفا في حوار له على برنامج “تسعون دقيقة” على قناة المحور: “أنهم يخاطبون عشرين في المائة من الشعب المصري فقط، أما بقية الشعب فخطبة الجمعة تؤثر فيه أكثر مما فعلناه طوال الشهور الماضية”.
ولقد صدقنا وهو الكذوب !!!
والحقيقة أنني عن سبق عمد وإصرار أطلت النفس في الإتيان على ذكر معطوفات كلامه الانهزامي، وذلك لبيان ما لخطبة الجمعة من دور في التصدي لعاديات الخصوم ومُغيرات الأعداء، متى ما قام الخطيب بدوره المنوط به على الوجه الأليق، ووازن في دعوته بين آلية الأمر بالمعروف، وآلية النهي عن المنكر، وأصّلَ للتوحيد ودعا لمقتضاه ولازمه، ورفع عقيرة البيان والتبليغ بضابط ترتيب الأولويات، ومن ثم تقديم ما الناس في أمَس الحاجة إليه، فعلا وتركا، ومحبة وبغضا، وولاءً ومعاداة، وحقن وجدان مريدي خطبته بجرعة التسليم والخضوع، واجتناب التقدم أو الخيرة متى ما قضى الله ورسوله أمرا، وتلقين المسلمين معاني العزة في انتسابهم لهذا الدين العظيم، وأنّهم الأعلون متى ما حققوا شرطية الإيمان، ومناهضة الإلحاد والعلمنة المارقة، والرد على خرجات فصيلها وخطابه الحائف ورميه الزائف، وكذا تطهير المجتمع الإسلامي من مظاهر الشرك وعبادة القبور والأحجار والأشجار، والتحذير من العدوان والظلم والبغي والخروج، والوقوف إلى جانب المظلوم في وجه الظالم المعتدي، والتحضيض على الدفاع على ثغور الوطن وحياض الأمة، وسلك سبيل توحيد الصفوف لا ابتغاء الفرقة، والصدع بأننا أمة واحدة تجمعها روابط اللسان وعروة الدين وأواصر العروبة، وأن ربها واحد، وكتابها واحد، ونبيها واحد، كما أن مصيرها واحد، وأن هذا الإسلام هو دين واقعي، ومنهج حياة، يستحيل عزله عن دنيا الملتزمين بأحكامه، سيما وأن في عزله تعويقا لقيامه بدوره الحقيقي، ومن ثم التجني على ميزته وتحويله إلى طقوس باردة، لا روح فيها ولا حرارة، وإعلام الناس بأن هذه غاية المتربصين من الداخل والخارج بزعم التجديد والتطوير، وإنما هو تحريف وتحجير ووصاية وتحكم ما فتئ أصحابه يكسبون الجولات تلو الجولات في ظل تعتيم إعلامي محلي وإقليمي متواطئ بئيس، لا يزال يصوّر المسلمين ويرهن سيرتهم في تهم الإرهاب والتطرف والتعصب وإيثار الحرب على السلم، والقتل على المساكنة، والعدوان على المهادنة، والبربرية على التحضر، والظلامية على التنوير، والجاهلية على الحداثة، والجهالة على العقلانية، والخيانة على الأمانة، والغدر على المروءة، والجبن على الشهامة…
ولذلك فإن سلمت نيات المشرفين على مشروع خطة تسديد التبليغ عن الله ورسوله، وراموا على الحق والصدق تحقيق حياة طيبة وعيش كريم في ظل هذه العتمة الفاقعة السواد، فعليهم أن يعيدوا النظر في وظيفة الخطيب، راهنين مهمته العظيمة في إعادة تشكيل دواخل هذه الأجيال التائهة الهائمة، وتوجيه وترشيد سلوكها وهي التي ورثت الإسلام بالنسب، ولم تعد تملك من تركته المباركة إلا شرف الإسم وعُرف الرسم.
ولا شك أنه اشتغال على أرضية النفوس انطلاقا من عمليتي التجلية والتصفية، ووصولا إلى مأمول التحلية والتزكية، ومن ثم ربط وظيفة الخطيب في صرف هذه الأجيال وتوجيه سيرها مبكرًا قبل اشتداد العود وقبل استمراء اقتحام عقبة الشهوات والشبهات، والسعي بقلوبها وأجسادها إلى بياض العفة ومحراب القربات.
وإنه رباط ومرابطة عند حياض صناعة أجيال التمكين، والمشي قدما نحو خلق مجتمع فاضل يدين أفراده لله بالاستقامة، يعرفون الحلال فيحبونه ويعظمون أمره وأهله، ويكرهون الحرام ويحتقرون دركته ومقارفيه، فتلكم هي الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده الصالحين المتقين، وذلك هو الخطيب المؤثر المساهم المشارك في الوصول إلى هذه الحياة الكريمة، بل هذا هو التسديد المراد على وجه الوجوب ومستبشر القلوب.
أما وفي ظل سطوة ونفوذ رسمي وصي خانق كاتم لأصوات الحق، ومحجر على جهود الإصلاح، في مناخ رقابي يحيل الخطيب على أن يترجل من على منبره في غير أمل عودة أو رجوع متى ما عرّج على سبيل الاستطراد في خطبته محذرا من كبيرة اللواط وواصفا المثلية وأهلها المتسفلين في نقيصتها بما هم أهل له في دائرة الشرع الطاهر الحنيف، فذلك إعراض عن ذكر الله موصل لا محالة إلى الحياة الضنكى والحشر في مسلاخ الأعمى نسأل الله العفو والمعافاة…آمين