منذ حادثة سقوط برجي التجارة بنيويورك في 11 سبتمبر 2001، توجه العالم بأسره لمكافحة ما أطلقت عليه الولايات المتحدة اسم “الإرهاب”، حيث تزعمت أمريكا ومعها العديد من الدول الغربية حملة عسكرية واسعة النطاق تحت شعار “الحرب على الإرهاب”، امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، لم تقتصر تدخلاتها على العمليات العسكرية، بل طالت مجالات أخرى بما فيها المقررات الدراسية والمجال الديني والثقافي، الأمر الذي أدى إلى تغيير قناعات لدى النشء وتحييد فئة عريضة من العلماء في مختلف أنحاء العالم.
ولم يكن المغرب، كدولة ذات موقع استراتيجي على خارطة العالم، استثناء من هذه الموجة العالمية، فبعد سنتين على حادثة البرجين شهد المغرب أحداث 16 ماي 2003، استفاقت فيها البلاد على وقع تفجيرات الدار البيضاء، فكانت نقطة تحول جوهرية في السياسة المغربية لمكافحة الإرهاب.
حيث تبنت الدولة سياسة جديدة في كل المجالات وأصدرت مجموعة من القوانين التي تحاصر الإرهاب وتغذيه وموله، وعززت الأجهزة الأمنية بفرق متخصصة في مكافحة الإرهاب، مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) الذي أصبح يلعب دورا محوريا في تتبع وتفكيك الخلايا الإرهابية، كما شملت التغييرات الجديدة المقررات الدراسية والبرامج التلفازية والإعلامية، وأعادت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سياستها فيما عرف آنذاك بـ”هيكلة الحقل الديني في المغرب”.
مع هذا التوجه الجديد استغل الفصيل العلماني هذه الأحداث للضغط على الدولة، عبر أدرعه السياسية والثقافية والفكرية وخاصة الإعلامية، لتصفية الحسابات مع بعض الأحزاب المعتدلة، حيث رفعت دعوات صريحة لتفكيك حزب العدالة والتنمية، وتحييد العلماء وإقصائهم.
وفي إطار جهود مكافحة “الإرهاب”، اتخذ أحمد توفيق نهجا أثار كثيرا من الجدل، حيث عمد إلى منع دعاة وخطباء المساجد من الخوض فيما أسماه في درس حسني بـ”الخطاب الشعبوي”، وإلى عزل كل خطيب يخالف سياسة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامي الرامية إلى فصل السياسي عن الديني، ومنع الخطباء والعلماء من المشاركة في قضايا الشأن العام والتفاعل مع الظواهر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والحديث عن الفساد الناتج عن بيع الخمور والقمار وربا البنوك والمسلسلات والأفلام التي تفسد الأخلاق والسلوك والذوق العام، وكذا المهرجانات الموسيقية التي تطبع مع الفساد والانحلال بكل ألوانه وأشكاله، إلى درجة أن وزير الأوقاف ادعى حينها أمام نواب الأمة بالبرلمان أن عروض “جينفر لوبيز” بمهرجان موازين مسألة خلافية!!!
ما طرح لدى عدد من المتتبعين تساؤلات حول نجاعة ومصداقية هذه القرارات في مكافحة التطرف والإرهاب وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج عكسية تفسح المجال لتطرف آخر لا تدرك الوزارة عواقبه؟
واليوم؛ وبعد أكثر من 20 سنة عن نهج هذه السياسة وإعلان المغرب حربه على الإرهاب والفكر المتطرف، وما صاحب ذلك من تجاوزات، والتي من أبرز تجلياتها تحييد العلماء والخطباء المعتدلين الذين لهم شعبية وقدرة على إيصال الخطاب الديني لعموم الناس، وتعويضهم بقيمين دينيين أقل تأثيرا، ونضجا معرفيا، وتكوينا علميا، يبقى السؤال حول فعالية هذا النهج على واقع الدين والتديّن بالمغرب، وخطر فقدان الثقة في المؤسسة الموكول لها الحفاظ على الملة والدين، وتسلل أفكار شاذة ومتطرفة ودخيلة تهدد الدين في أساسه وجوهره وتتنكر للثوابت.
إن الحرب على “الإرهاب” في المغرب تظل معركة متعددة الأبعاد، ما يتطلب توازنا دقيقا، وتكاملا بين الإجراءات الأمنية والمقاربة الفكرية والدينية، وما دام أن الوقائع قد كشفت بما لا مجال فيه للشك، أن أطراف خارجية تسعى لاستغلال مثل هذه الأحداث للتمكين لفكرها وسلوكها الذي يضمن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، فعلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تضطلع بمسؤولياتها وتراجع مخططاتها وسياستها في التعامل مع العلماء الرسميين وغير الرسميين، ومجالات عملها وطرق اشتغالها، فنحن نعيش في مرحلة مفصلية، إما أن نحافظ فيها على ثوابتنا وهويتنا وانتمائنا، وإما أن نذوب في الآخر ونكون تبعا له في كل شيء، وهذا ما يمكن القبول به البتة.