إيران بعيون أمريكية شريف عبد العزيز

في أعقاب الحرب العالمية الثانية تأسست واحدة من أخطر المراكز البحثية بالولايات المتحدة الأمريكية، ومن رحم الجيش الأمريكي وهيئته العسكرية، وهي مؤسسة راند، وذلك بإشراف القوات الجوية الأمريكية، وفي سنة 1948 ميلادية تحولت المؤسسة إلي منظمة مستقلة غير ربحية، يتم تمويلها عن طريق وقف فورد الخيري.
كان الهدف من تأسيس المركز في الأصل هو إمداد القوات الأمريكية بالمعلومات اللازمة لعملها في مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن النجاح الكبير الذي حققته مع القوات العسكرية دفع المؤسسة لتوسيع نطاق العمل ليشمل معظم مناحي الشأن الأمريكي داخلياً وخارجياً وبالأخص الشئون السياسية، ويوجد لدى المؤسسة مجلس أمناء يتولى وضع الخطط المستقبلية لإدارة دفة الحكم الأمريكي، ومِن أهم مَن عمل بهذا المجلس دونالد رامسيفيلد، وكونداليزا رايس، وزلماي خليل زاده.
أي أن مؤسسة راند قد خرجت من عباءة البنتاجون ولأغراض عسكرية محضة، ومن ثم كان لها تأثير كبير على صانع القرار الأمريكي لفترة طويلة خاصة في فترات الحروب، والمؤسسة صاحبة فكرة الحروب الاستباقية التي اعتنقتها إدارة بوش، ويثق فيها الرؤساء الأمريكان ويعتمدون على تقاريرها ووتوصياتها، وميزانية المؤسسة تفوق ميزانيات بعض الدول، ومصاريفها السنوية تفوق 100 مليون دولار، وبها 1600 باحث وإداري، وهي من أهم المدارس الأمريكية في مجال السياسة العامة، وأكثر جهة منحت شهادة الدكتوراة في هذا المجال بالولايات المتحدة حتى الساعة، ولا يوجد للمؤسسة فروع في أي دولة خارج الولايات المتحدة إلا في قطر، وللفرع القطري دور كبير في المشورة والتخطيط لدفة الحكم في البلاد، ويعتمد حاكم قطر عليه كلياً في ذاك، كما للفرع القطري دور بارز في دراسة المنطقة الحساسة دراسة وافية عن كثب.
بدأت مؤسسة راند في الاهتمام بما أطلقت عليه الخطر الإسلامي منذ أكثر من عشرين سنة، وأصدرت سنة 1999 ميلادية تقريراً بعنوان [مواجهة الإرهاب الجديد] في 153 صفحة، تحذر فيه من تنامي الخطر الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط، وبعد أحداث سبتمبر أصدرت المؤسسة سنة 2004 ميلادية تقريراً في غاية الأهمية في 500 صفحة بعنوان [العالم المسلم بعد 11/9] ذكرت فيه خريطة التوجهات الإسلامية على مستوي العالم بأسره، وتقسيمه بين مناطق سلفية وأخرى راديكالية وثالثة تقليدية ورابعة معتدلة، كما ذكر التقرير الخلافات بين العالم الإسلامي في إطارين كبيرين [السني/الشيعي]، [العربي/غير العربي] وانتهى التقرير لضرورة تحالف أمريكا مع التيارات الشيعية لمواجهة الأصولية المتنامية في العالم السني.
إيران تحت المجهر
صدرت منذ عدة أسابيع دراسة هامة ومطولة لمؤسسة راند تتناول فيها الشأن الإيراني داخلياً وخارجياً، وقد تم إعداد هذه الدراسة الوافية والشاملة عن إيران لتكون مرجعية عليا لإدارات الأمريكية المتعاقبة في كيفية التعاطي مع الملف الإيراني الذي يوصف عادة بالأهمية القصوى.
التقرير مطول وبه العديد من التوصيات والحقائق والاعترافات أيضا والتي تحمل قدراً كبيراً من الصدمة للحكومات العربية من طبيعة العلاقات الأمريكية الإيرانية المقبلة عقب هذا التقرير.
اعترافات غير سارة
التقرير يعترف أولاً بأن صانع القرار الأمريكي لا يعرف شيئاً عن الشأن الإيراني، ولا عن لغة مخاطبته، ولا أساليب التحاور والتعاطي مع رسائله، وذلك بسبب سنوات القطيعة الطويلة بين أمريكا وإيران، مما أدى لنشوء جيل كامل من الساسة الأمريكان لا يعرفون شيئاً عن إيران ولا عن عاداته أو لغته الفارسية، ولا يحتفظ بأصدقاء داخل إيران، وبالجملة الساسة الأمريكان جهلة تماماً بالسياسة الإيرانية، وهذا الجهل أدى بإدارة بوش الصغير لأن تقرأ رسائل التقارب الإيرانية بعد حرب أفغانستان والعراق بصورة خاطئة، وأجهضت مشاريع التعاون التي عرضتها إيران على أمريكا، والتي تجلت في المساعدات الواسعة التي قدمتها إيران للعدوان الأمريكي علي أفغانستان ثم العراق، ومقابلة هذه المساعدات بالضغط الأمريكي على الساسة الإيرانيين في عدة نقاط، مما جعل الساسة الإيرانيين يتعجبون من رد الفعل الأمريكي على ما قدموه لهم من مساعدات في أفغانستان والعراق، حتى قال علي أبطحي مساعد الرئيس الإيراني خاتمي بكل مرارة: لِمَ تعادينا أمريكا؟ ولولا مساعدتنا لها ما دخلت أفغانستان ولا العراق.
التقرير أيضا ينحي باللائمة في موقف أمريكا المتشدد مع إيران على الحكومات العربية التي بينها وبين إيران حسابات خاصة، وأن العلاقة المحتقنة بين العرب وإيران أثرت على صانع القرار الأمريكي المرتبط بعلاقات تاريخية ومصالح كثيرة مع الطرف العربي، ويشير واضعو التقرير على صناع القرار بضرورة التخلص من هذا الأثر، وعدم الانسياق وراء المخاوف العربية من إيران.
التقرير يكشف عن أمر خطير تسببت فيه السياسة الأمريكية المتهورة في عهد بوش الصغير، وهو أن إيران استفادت بشدة من مشروع الشرق الأوسط الكبير، بل هي أكبر المستفيدين منه، فقد أوجد هذا المشروع لإيران قبولاً واسعاً في الشارع العربي، وأصبح موقف المفاوض الإيراني قوياً، وازدادت ثقته الإستراتيجية في مواجهة الطرف الأمريكي، في حين أن موقف المفاوض الإيراني كان ضعيفاً إبان غزو أمريكا لأفغانستان، وأصبح المفاوض الإيراني أشد تمسكاً بمواقفه، وتصلباً أمام التهديدات أو العروض الأوروبية والأمريكية المتتالية.
إن النظام الإيراني ليس مجرد نظام يتحكم فيه مجموعة من الرجال بلا مؤسسات أو هيئات حاكمة، كما يتصور كثير من الساسة الأمريكان أو حتى رجل الشارع العادي، بل نظام يتمتع بقدر كبير من التنسيق والتنظيم وعلى درجة عالية من الوعي السياسي التي تحمي النظام الإيراني، وهو نظام متعدد الطبقات مختلف التوجهات، وعلى الرغم من اختلاف توجهات هذه المؤسسات بين محافظة يمثلها المرشد خامنئي ومعه نجاد والحرس الثوري، وبراجماتية يمثلها رفسنجاني ومصلحة تشخيص النظام، ومنفتحة يمثلها خاتمي وكروبي وموسوي، إلا أن هذه المؤسسات تتفق فيما بينها في القضايا الخارجية وحماية الدولة والملف النووي، واختلافها عادة ما يكون في القضايا الداخلية.
التقرير أيضا يشير لمسألة هامة في الصراع المحتدم بين إيران والدول العربية، وهي أن إيران قد تخطت الحكومات العربية وأخذت تخاطب الشارع العربي والمسلم مباشرة، وذلك بتبنيها للقضايا القومية التي تهم عموم المسلمين، مثل قضية فلسطين والمقاومة، كما يشير التقرير لموضوع بالغ الحساسية في أهمية تعميق المخاوف من الخطر الشيعي والذي أخذت العديد من الدول العربية في جعله من أولوياتها القصوى، ذلك أنه يعتبر سلاحا ذا حدين، حيث يدفع الأقليات الشيعية المنتشرة في العديد من دول الخليج للتشدد في ولائها الديني والسياسي لإيران والعمل لصالحها على حساب أوطانها الأصلية، مما يؤجج الصراع في المنطقة ويحيلها لفوضى شاملة، وهو عين ما تطلبه أمريكا بالقطع.
التقرير تطرق إلى نقاط كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية، ووضع تصوراً شاملاً عن الداخل الإيراني، ومحيطه الإقليمي وعلاقاتها المتشابكة مع دول المنطقة والأقليات الشيعية المتناثرة في دول المنطقة، وقضية تصدير مبادئ الثورة، ونشر الدعوة الشيعية.
والتقرير يخلص في النهاية لتوصية كبرى لصناع القرار الأمريكي بضرورة تجاوز الطرف العربي وفتح قنوات حوار مباشرة مع إيران، وبناء علاقات وثيقة مع الطرف الإيراني الذي يعتبر أقرب للولايات المتحدة من الشريك العربي الذي لم تجلب العلاقات التاريخية معه سوى الحرب والدمار وتفويت الفرص السانحة لإقامة علاقات قوية مع الطرف الوحيد الفاعل في المنطقة وهو إيران.
ونحن في آخر هذه التوصيات والاعترافات نقول أن الخاسر الوحيد وفي كل مرة هو كل من راهن وسيراهن على الجانب الأمريكي الذي لا يريد خيراً أبداً للعالم الإسلامي السني وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *