دور الأسواق الممتازة في تعميم الخمور بالمغرب وتقريبها من المواطنين الأستاذ إدريس كرم

في إطار فتح المجال أمام الرأسمالية المتوحشة للانتشار باسم الاستثمارات، وإقامة المشاريع الكبرى القادرة على خلق مناصب للشغل كما يقال، يُبرز قطاع الخدمات قدراته على ذلك سواء في مجال توزيع السلع، أو توزيع الخدمات أو الخبرات الملغومة، وذلك في مجال التجارة أو السياحة أو غيرهما من الوسائط الخدماتية، وفي هذا الإطار تأتي المتاجر الكبرى التي يعتقد أنها تحقق أرباحا كبيرة على مستوى الاستثمار والتشغيل من خلال مناصب الشغل التي تخلقها والسلع الأجنبية التي تجلبها والرأسمال الذي قيل أنها تدخله دون الحديث عن العملة التي تخرجها، بيد أن ما تقوم به من تدمير للمجتمع لا يلتفت إليه، إذ لا ينظر إلى عشرات المتاجر الصغرى التي تغلق أبوابها والعديد من الحرف اليدوية التي يهجرها أصحابها من جراء المنافسة الصناعية التي تنقل شكل المنتوج اليدوي وتصنعه وتطرحه في السوق بأبخس الأثمان، والأدهى والأمرّ أن مجال المتاجر بالنسبة للأسواق الممتازة لا يقف عند حد، بل تجد فيها كل شيء، بدء بالخمور وانتهاء بلحم الخنزير، ضدا على القوانين والأعراف والشرائع، تطبيقا للقاعدة الليبرالية الشهيرة: “دعه يعمل، دعه يمر”.
لقد أصبحت أغلب هذه المتاجر فوق الدولة في مجال ترويج الخمور وتقريبها من المواطنين، فحققت ما لم تستطعه الحماية الفرنسية في خمسين عاما، وجعلت الراهب الذي قال في مجلة المغرب الكاثوليكي الصادرة سنة 1923م: “بأن الخمر، هذا المشروب الرجولي البهيج، الذي سيحل محل الشاي الأخضر بالنعناع المشروب المخنث، وسيصبح مشروبا وطنيا للبربر حينما يتم تنصيرهم” انظر “كفاح المغاربة” ص:133.
وإذا كانت السلطات اليوم تغض الطرف عن ترويج المتاجر الكبرى للخمور دون التقيد بالضوابط القانونية التي تمنع بيعه للمسلمين لتضمن لها تحقيق أرباح تضمن استمرار الاستثمار، ولتحقيق مقولة الراهب السالف الذكر ومطالب المعمرين الذين لما واجهتهم أزمة الخمر سنة 1935م طالبوا باتخاذ قرار تسمح بموجبه للمغاربة المسلمين بشرب “البيرة”، وتوسيعه إلى سكان البادية لأن ذلك من شأنه أن يحد من مقاومتهم لأنه سيليِّن أدمغتهم، مما أدى إلى ظهور مقاومة ضد ذلك القرار الذي تصدرته مدينة سلا حيث هوجمت بها أماكن بيعها وطُلِيت بالنجاسات بيوت من يقوم بترويجها وشربها، وحوكم متزعمو الاحتجاجات بسنة سجنا وعلى رأسهم المرحومان محمد حصار والحاج أحمد معنينو، وبقيت محاربة الخمور ضمن برنامج الحركة الوطنية، فتراجعت الحماية عن قرارها بالتعميم السالف الذكر، وصدر قرار 5 مايو 1937م يمنع بيع الخمر للمغاربة المسلمين، ويشدد من عقوبة المخالفين.
ورغم معاناة الخمارات من ضربات المقاومة وتوالي الضوابط المحرمة بفعل ضغوط العلماء، إلا أنه مع الأسف تزايد ترويجها بعد الاستقلال وتصاعد معه الاستهلاك وتفاحشت إثر ذلك عواقب الإسكار على الصعيد الأسري، حيث ارتفعت نسبة العنف داخل الأسرة ومحيطها الذي أنتج تفككا لن تقوى قوانين الكون على صده، والذي أدى إلى ظهور ظواهر غريبة مثل: الأطفال المتخلى عنهم، وما يسمى بالأمهات العازبات، والمثليين وغير ذلك من الانحرافات الاجتماعية الخطيرة، وازدياد حوادث السير والأمراض كالسرطان بأنواعه المختلفة، بالإضافة إلى انتشار الجريمة وشيوعها إلى حد لم تعد مصالح الأمن قادرة على تطويقها وردعها أو حتى الحد منها.
وعلى العموم، فما كان يمارس بحذر صارم خلال مدة الاحتلال أصبح مع تواجد هذه المتاجر عاديا مما يفسر ارتفاع نسب الجرائم والانحرافات والأخطار الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يحتم على كل الغيورين من هيئات وجمعيات وعلماء وخطباء ومسؤولين الوقوف الحازم للحد من انتشار هذا الوباء والمطالبة بتطبيق القوانين الصادرة في هذا الباب وأولها الظهائر والرسائل الملكية المحرمة لترويج الخمر بين الساكنة، وتسهيل تعاطي القاصرين لها، والعمل على وضع إستراتيجية حكومية من أجل اجتثاثه من الاقتصاد المغربي والممارسة الاجتماعية، استجابة لهدي الإسلام ولنداء العقل والحكمة، وإظهارا لجسامة المخالفات التي وقعت من طرف من أجاز لمثل هاته المتاجر الكبرى ترويج الخمور بعدما استنبتها في وسط اجتماعي مسلم يحرم شربها أو الاتجار فيها وباقي أصناف حديث الملعونين العشرة المتعلق بالخمر، نقدم للقراء نصوص تلك الظهائر والرسائل التي تم خرقها وعدم الالتفات إليها، ليتبين أن الذين يدافعون عن إمارة المؤمنين والمذهب المالكي وما جرى به العمل يقولون ما لا يفهمون، أو أنهم يتخذون ذلك ذريعة لاختراق المجتمع وتطويقه للإجهاز عليه.
إن موقفنا من مسألة الخمور واضحة وصريحة، ولكننا نقول للذين يظنون أننا نجهل القوانين، ها هي القوانين فماذا ترون؟ وسنعود للمناقشة بعد عرضها في حلقات.
وفيما يلي نص أول ظهير صدر منشورا بالجريدة الرسمية عدد:8-29/06/1913م.
ظهير شريف في ضبط محال بيع المسكرات
يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأنفذ أمره أنه لما كان الأهالي الأرباويين قد كثر عددهم في إيالتنا السعيدة، ونتج عن ذلك إحداث محلات عديدة لبيع المسكرات في البعض من مدن الإيالة السعيدة، وكان شرب المسكرات حرام على المسلمين، فكان من الواجب قمع المسلمين عن الطبائع التي تخل بشرائع شريعتهم المحمدية، وبما أن التساهل الذي يشمل رعيتنا غير المسلمين والأجانب الأرباويين في شأن محلات بيع المسكرات، وكونها لا يمكن إبقاؤها إلا بشروط في جعل ضابط شديد على ذلك. قد اقتضى نظرنا المؤيد بالله تكليف خديمنا الأبر الصدر الأعظم الفقيه الحاج محمد المقري بتمهيد ذلك الضابط لبيع المسكرات بمحلاتها على تقرير يجري العمل به حينا مع تعيينه العقوبة اللازمة فيه على من يخالف فصول الضابط المشار له والسلام.
صدر به أمرنا الشريف
حرر بمراكش في 7 صفر 1331هـ
ضابط في شأن المحلات المعدة لبيع المشروبات.
نص تقرير مخزني لضبط القيام بالمحلات المعدة لبيع المشروبات، صدر برباط الخير في 18 صفر 1331هـ الموافق 27 يناير 1913م.. محمد المقري.
“نظرا لازدياد عدد محلات الشراب الذي فتحت في هذه الأشهر الأخيرة ببعض مدن الإيالة الشريفة، قد ظهر لنا من الواجب ضبط القيام بتلك المحلات حسب ما يلي:
الفصل الأول:
ممنوع على الرعية من المسلمين أن يجعلوا محلات المسكرات التي تشرب فيها، ومن الممنوع أيضا أن يدخلوا في تلك المحلات لشرب تلك المسكرات.
الفصل الثاني:
ومن الممنوع أيضا أن يفتح محل المسكرات في ملك من أملاك الأحباس أية كانت جنسية من بيده الملك.
الفصل الثالث:
يجب تقديم طلب الإذن لعامل المدينة التي تفتح فيها الخمارة رأسا إن كان الطالب من رعية المخزن، وإن كان من رعية الأجانب على يد قنصله.
الفصل الثامن:
لا يصدر الإذن في فتح خمارة للسفهاء ولا للمحجورين الذين لم يرشدوا.
الفصل التاسع:
يمكن للعمال تعيين المسافات التي يمكن أن تجعل فيها الخمارات، بحيث لا تكون مجاورة للمساجد والمحلات المجعولة لأي عبادة كانت، والمقابر والمستشفيات وما يشبهها، والسجون والقشلات والمدارس، نعم تعيين المساحة لا يمس بالحقوق الثابتة من قبل.
الفصل الحادي عشر:
إن النساء والبنات المشهورات بالفجور يمنع كل خمار من قبولهن في خمارته أيا كان سبب دخولهن.
الفصل الثامن عشر:
كل من حكم عليه مرتين بسبب ارتكابه إحدى الجريمتين (إسكار محجور، إدخال سكارى للخمارة ف:16).. يجرد من:
– التعيين من الوظائف المخزنية أو الخطات الإدراية أو مباشرتها.
– كما يمنع من تسريح حمل السلاح..
الفصل التاسع عشر:
كل من سكّر محجورا لم يدرك السادسة عشر سنة كاملة من عمره، يسجن مدة قدرها من ستة أيام إلى شهر واحد، وتضرب عليه ذعيرة من عشرين إلى خمسمائة بسيطة” انتهى.

تعليق:
فأين نحن من تواجد هذه المتاجر الكبرى من هذا الضابط الصريح؟
حيث نعطي مثلا بكارفور الذي يوجد بين المدارس والمساجد وأماكن تواجد المحاجير الذين يظلون متبضعين منه، فرادى وجماعات.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *