كشف المغالطة فيما قرره سعد الدين العثماني في علاقة الديني بالسياسي رشيد مومن الإدريسي

“لا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه” ابن القيم رحمه الله

“أبو حامد الغزالي قًًَََُرع الباب وفُتِح لنا”، هذه كلمة جرت على لسان أبي عبد الله بن تومرت(1) قالها متذرعا بمزالق الغزالي رحمه الله في كتبه التي صارت مفتاحا لأهل الزيغ الذين انبسطت ألسنتهم بالسوء وجرت أقلامهم بالسُوأى.

هذه المقولة مرت علي قديما، فإذا بي أتذكرها مع خشيتي من تكرار فحواها عند اطلاعي على مقال الأستاذ سعد الدين العثماني في جريدة التجديد في عددها: 2256، وهو يتكلم عن علاقة الديني بالسياسي، حيث قرر فيه وجود جهة انفصال بين الدين والسياسة! ولا يخفى على البصير أن هذا الرأي سيفتح الباب لكل من هو واقف على عتبة العلمنة يريد دخولها، كما أنه تدليل منسوب إلى العقل الفقهي والنظرة الأصولية! يجعل لبني علمان مستمسكا للميل بالأمة ميلا عظيما، حيث أنهم يتشدقون بكون الشريعة الإسلامية ما هي إلا جملة من قيود وأغلال، تصد عن الانطلاق نحو أفق عال، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً}، لكن هذا حال مَن وجه وجهه نحو المشرق والمغرب قائلا لأسياده هناك: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}، فأطاعوهم في كل الأمر!
وقد ركز العثماني في التدليل على رأيه بما سطره الإمام القرافي رحمه الله فيما يخص تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بمقتضى الإمامة كما في كتابه “الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام” كما ذكرها كذلك في كتابه الفروق، مع أن هذه المسألة(2) تستوجب تصورا تاما لمعرفة المراد منها، كما تحتاج إلى دربة أصولية لمعرفة مجالها، ولذا قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله واصفا إياها بـ”القاعدة الجليلة الدقيقة التي لم يحققها أحد من العلماء المتقدمين فيما نعلم، إلا أن القرافي أشار إليها موجزة في الفرق السادس والثلاثين من كتابه الفروق” حكم الجاهلية ص:129.
يقول العثماني مسطرا رأيه في الموضوع: “..وفي رأينا أن العلاقة الأوفق بين الدين والسياسة في الإسلام ليس هو الفصل القاطع، وليس هو الوصل والدمج التامَّين، بل هو وصل مع تمييز وتمايز”!
وصورة الوصل عنده تتمثل في عدم عزل السياسة على حد تعبيره “عن حقائق العدل والمساواة وحب الخير للناس ومراعاة مصالحهم.. وبالتالي فإن الدين حاضر في السياسة كمبادئ موجهة، وروح دافقة دافعة، وقوة للأمة جامعة”!
وأما الفصل فتتجلى حقيقته في نظره عند التطبيق حيث يقول: “لكن الممارسة السياسية مستقلة عن أي سلطة باسم الدين أو سلطة دينية”!
هذا الطرح مغالطة مكشوفة ونظر ضعيف في تصور حقيقة السياسة الشرعية كما بينها العلماء وسطرها الحكماء، وأخشى أن يكون هذا من نتائج التأثر ولو نسبيا بما قرره علي عبد الرازق أحد علماء الأزهر قديما في كتابه: “الإسلام وأصول الحكم” فيما يخص العلاقة بين الإسلام والسياسة والحكم، القائمة عنده كما هو معلوم عند الباحثين على دس سم التشكيك والتفكير المادي والمذاهب الوضعية في عسل الوحي الصافي.
نخشى ما نخشاه أن يكون المرء واقعا في شراك دعوى التأصيل للفهم، مع أنه ترويج للوهم، ونظن أنه من أسباب ذلك الضغط العلماني عموما على مجتمعاتنا، والإغراق في العمل السياسي المعاصر، والحزبية المقيتة الضيقة!
في معرض تقرير العثماني لمسألة جهة عدم فصل الدين عن السياسة عنده كما بيناه قريبا قال: “فكثيرون عندما يسمعون عبارة (فصل الدين عن السياسة) يفهمون منها فصل السياسة عن القيم والأخلاق، وتركها فريسة الأهواء وأنواع الدجل والكذب..”!، مدعيا فيما ذهب إليه من جهة الفصل في ذلك في رأيه حياطة السياسة بحقائق العدل والمساواة والقيم الأخلاقية عموما، مع أن هذا الكلام لا يعدو أن يكون تخمينا يخالف الحقيقة، ذلك لأن فصل السياسة عن الدين عند الممارسة خاصة على ما ذهب إليه حامل على فساد الأخلاق.. والواقع شاهد عليه.
يقول الشيخ مصطفى صبري رحمه الله مبينا ذلك: “يُرى أعظم تأثير الفصل في إفساد الأخلاق حيث لا يمكن ادعاء بقاء الأخلاق على نزاهتها في البلاد المقطوعة صلة حكومتها بالدين، كما لا يمكن ادعاء وجود واسطة لصيانة الأخلاق من السقوط أفضل من الدين” موقف العقل والعلم والعالم 1/12.
أما تقريره لفصل السياسة عند الممارسة عن أي سلطة دينية فهو من أعجب العجب، ذلك لأن حقيقة السياسة ما هي إلا ممارسة وتطبيق، و”الشريعة متى فصلت من السياسة كانت ناقصة، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة(3)” كما قال أبو حيان في كتابه الإمتاع والمؤانسة 1/128.
وهل يتصور أن الشريعة تبين لنا أحكام السواك وآداب قضاء الحاجة، ولا تقرر لنا أحكام وأصول السياسة التي “هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل” كما في الكليات للكفوي رحمه الله 510؟!
يقول العلامة السعدي رحمه الله عند قوله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: “ما أعظم هذه القاعدة، وما أحكم هذا الأصل العظيم الذي نص نصا صريحا على عموم ذلك، وعدم تقيد هذا الهدى بحالة من الأحوال، فكل حالة هي أقوم: في العقائد، والأخلاق، والأعمال، والسياسات الكبار والصغار.. فإن القرآن يهدي لها ويرشد إليها، ويأمر بها، ويحث عليها” القواعد الحسان، القاعدة:59.
إن عبارة “السياسة الشرعية” لم تكن مقيدة أولا بقيد “الشرعية” انطلاقا من أن السياسة هي الإصلاح، ولا إصلاح إلا بالشرع، فكان إطلاق لفظ “السياسة” بدون قيد كافيا في إفادة المطلوب من عبارة السياسة الشرعية، ثم مع ضعف العلم وعدم الفقه الجيد لسياسة الرسول عليه الصلاة والسلام صارت “السياسة” تخالف الشرع، فاحتيج إلى تقييدها بالشرعية لإخراج تلك السياسة الباطلة عن حد القبول، وتسمى السياسة الشرعية أحيانا بالسياسة العادلة، وقد تحدث شيخ الإسلام رحمه الله عن هذا التغيير وبيَن سببه كما في مجموع الفتاوي 20/392.
ولا يعني هذا الكلام أن السياسة الشرعية مقتصرة على ما وردت بخصوصه نصوص الوحي فقط، على ما قرره ابن عقيل رحمه الله عندما قال: “السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول عليه الصلاة والسلام ولا نزل به وحي”.
ولا تستوحش من قوله: “ولا نزل به وحي” لأن القصد بذلك: ولا نزل به الوحي بخصوصه، ولذلك قيد ابن عقيل رحمه الله كلامه بعدُ بقوله: “ما لم يخالف ما نطق به الوحي” (أنظر إعلام الموقعين 4/372)، إشارة إلى أن السياسة في هذه المسألة الجزئية متصلة بالشرع من جهة تحكيم قواعده في ذلك فتنبه(4)، وقد كشف عن هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض كلامه عن عمل النبي عليه الصلاة والسلام بالسياسة الشرعية وخلفائه الراشدين حيث قال عنها: “السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها” إعلام الموقعين 6/517.
وعليه، فكيف يقال أن السياسة من جهة الممارسة مستقلة عن أي سلطة باسم الدين أو سلطة دينية، كما سطره العثماني ببنانه، مع أن السياسة العادلة متفرعة عن الشرع، وهي جزء منه ومن بنيانه؟!
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها.. تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة.. فهي من الشريعة” الطرق الحكمية (4)، إلى أن قال رحمه الله: “فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله” نفسه 14 .
وللحديث بقي إن شاء الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. انظر سير أعلام النبلاء 19/336
2. وسيأتي الكلام عنها وإيضاح علاقتها بالموضوع في المقال الثاني المتمم لهذه المقالة إن شاء الله تعالى.
3. ومتى فصلت الشريعة عن الحياة ككل حلت الفوضى العارمة..
4. وهذا ما أشار إليه ابن نجيم الحنفي رحمه الله بقوله: “..السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك دليل جزئي” البحر الرائق شرح كنز الدقائق 5/11.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *